قراءة سيميائيّة في رواية "سينالكول"
سنقوم بتحليل هذه الرواية بواسطة الموديل السيميائيّ الرباعيّ الذي اقترحه أ.د إبراهيم طه كنموذج شامل للتعامل مع النصّ من وجهة نظر سيميائيّة. يتألّف من أربع مراحل. هذا الموديل يأخذ بعين الاعتبار كلّ المركّبات المركزيّة التي لها علاقة بعمليّة التأويل وهي الواقع، الكاتب، النصّ والقارئ.
1.اختزال الرواية
عائلة تتغيّر حياتها كليّا في زمن الحرب الأهليّة. الابن "كريم"، الذي انضم إلى اليسار، يدرس الطبّ ويتخصّص بالأمراض الجلديّة. يترك حبيبته "هند" ويهاجر إلى فرنسا، يتزوّج امرأة فرنسيّة ويستقرّ في مونتبلييه. "نسيم" الأخ، يلتحق بالكتائب ويتزوّج "هند" حبيبة أخيه، ويعيش حياة فوضاويّة وينصرف إلى شمّ المخدّرات والتجارة غير النظيفة. أمّا الأب "نصري" فيختار أن يكمل حياته دون أن يتزوّج بعد وفاة زوجته ليحافظ على ولديه. تنقطع العلاقة بين الأخوين لسنوات، وبعد ذلك يتواصل "نسيم" مع أخيه ويدعوه لإقامة مستشفى مشترك في بيروت. يعود "كريم" إلى بيروت دون زوجته والبنتين. وفي بيروت يعود الماضي وتعود ذكريات الحرب، الحرب التي ما تزال مستمرّة. وبيروت يجدها أسوء حالا من ذي قبل، وشبح الحرب يسكنها ويسكن ناسها وأهلها ويدمّر أحياءها ومبانيها. تتهاوى أحلام "كريم" وبناء المستشفى كما تتهاوى كلّ الأحلام. يعدّ رحاله ويصل تحت القصف إلى المطار ومن هناك يعود إلى فرنسا.
2. معنى الرواية
تستقري هذه الرواية بشكل شفّاف المجتمع اللبنانيّ بمختلف طبقاته زمن الحرب الأهليّة، والتي تأخذ حيّزا من التشخيص يجعلها أحد أبطال هذه الرواية. المحور الأساس في الرواية هو عائلة الصيدليّ "نصري الشمّاس" وولديه "كريم" و"نسيم"، ولكن هناك عدد كبير جدّا من الشخصيّات والأحداث الجانبيّة التي تدخل في سياق السرد وتحيك نسيجا روائيّا محكما. يعبّر الكاتب عن ضياع الفرد والقيم في خضمّ الحرب. وكلّ المشاريع التي تحلم بها الشخصيّات والبطل كريم تبوء بالفشل، والهروب إلى فرنسا لا يمكّنه من محو ذاكرة المجتمع بكل مآسيه.
3. الدلالة
هذه رواية حرب أيديولوجيّة بامتياز!
ولست أقول بأيديولوجيّة النصّ إلّا بانطلاقه من العالم الداخليّ، الذي تمثّلَ بالأسرة المكوّنة من الثالوث؛ "نصري" وولديه "كريم" و"نسيم"، إلى العالم الخارجيّ، الذي تمثّل ببيروت خاصّة ولبنان عامّة. لذا فالرواية تحمل معنى الرمز، وكلّ المعنى السابق يبدو عاديّا وعابرا إذا أخذناه على معناه الحرفيّ. لذا نحن ملزمون بالوصول إلى أبعد من النصّ وترجمة مشاهده إلى أكبر ممّا هي عليه.
"كريم"، الطبيب المثقّف المسيحيّ نجده منحازا إلى اليسار ومقاتلا فيما بعد في صفوف حركة "فتح" الفلسطينيّة، بينما نجد "نسيم" الابن الثاني مقاتِلًا شرسًا في صفوف "حزب الكتائب"، وهذا ما أحدث بطبيعة الحال شرخًا بين الاثنين نالَ من وحدة العائلة الصغيرة المكوّنة منهما، بالإضافة إلى الأب "نصري"، الذي يمثّل على ما يبدو في الرواية "لبنان"، والذي كان يراقب حالة الانقسام والصراع بين ولديه بصمت، تمامًا كما كان يُراقب لبنان حالة الصراع بين أبنائه المُنقسمين بين مسلم ومسيحيّ.
الرواية تمثّل عائلة لبنانيّة صغيرة انقسمت على ذاتها زمن الحرب الأهليّة، وتصوّر لنا تخبّط أفرادها ورؤيتهم الضبابيّة وما راودهم من مخاوف وأوهام. يغرق الأخوان في حالة صمت ويعجزان عن التفاهم، فيبني كلّ منهما عالمه الخاصّ المنفصل عن الآخر ويسكنه الحنين إلى الاكتمال بالآخر.
استطعنا من خلال متابعتنا لأفعال وأقوال الشخصيّات، معرفة المكشوف والمستور، وساعدنا بذلك كثرة أحداث الرواية ووفرة شخصيّاتها، وصدرت بعض الأصوات السرديّة من أفواه الشخصيّات نفسها حين كانت تحدّثنا عمّا هو خاصّ بها. فحرية التعبير عن مواقفها، ما جعلنا نستطيع القول بأيديولوجيّة النصّ.
في هذه الرواية دلالة واضحة: المجتمع اللبنانيّ مقسوم على ذاته، غير متصالح معها، وهارب من ذاكرته إلى ذكريات الآخرين من فلسطينيّين وسوريّين.
4. قصد الكاتب
الروائيّ اللبنانيّ إلياس خوري يواجه مأزق الحرب الأهليّة من خلال الذاكرة والكلمة، فالذاكرة أرادت أن تنسى لا أن تواجه وتعالج، والكلمة اكتشفت عجزها عن الوصف. فكان الصمت الذي استعيض عنه بممارسة الحبّ في كونه ترجمة للكلام، وحين ينتهي الكلام ينتهي الحبّ.
فالحرب اللبنانيّة التي لن تنتهي، كما نقرأ في الرواية لأنّها في داخل كلّ لبنانيّ، تدمّر الحياة في بيروت وبيوت بيروت، تزرع الانقسام بين الأخوة وتأتي على مشاهد الحياة لتحيلها موتا متكرّرا. وكأن الكاتب أراد أن يعاين تأثير الحرب المفرط في لبنان والشعور بالغربة والضياع على شخصيّات الرواية. فنجده يعود على الدوام إلى أسباب الحرب وجذورها. فيُنطق الشخصيّات تعبيرا عن أسباب الحرب ونتائجها. كما نطق هو باختياره للعنوان "سينالكول" عنوانا خياليّا، والخيال نتاج الواقع. فالشبح الذي جعله نصّا هو ما قصده الكاتب من روايته. حياة مشبوهة يسودها الخوف والرعب. وهو صوت ونداء يوجّهه إلى القارئ المثقّف الواعي ليثور ويتغيّر. الكاتب إلياس خوري يولي بيروت، هذا المكان الوطن، أهميّة كبيرة، فهذا المكان لا يمكن إعادة إعماره دون ناسه وأهله. وما قالته الرواية من غضب جرّاء فعل اللبنانيّين لهو صوت عال يطالبهم بالكفّ عن حقدهم هذا. على القارئ أن يكسّر أسباب الحرب هذه ويبني حياة جديدة. الرواية مستفزّة لغة وشكلا روائيّا وحدثا. كلّ ما فيها يدعو لانتفاضة فكريّة توعويّة لإعادة إعمار بيروت ودحر الطائفيّة وشبح الحرب.
الحرب تولّد شخوص روايتها
يقول إلياس خوري في مستهلّ روايته: "إنّ الشخصيّات في هذه الرواية هي من نسج الخيال، وإذا وُجد أيّ تشابه بين شخصيّاتها وبين شخصيّات حقيقيّة، فهذا محض صدفة، ومن صنع الخيال".
لا محض صدفة في حكاية الحرب!
شخصيّات حكاية الحرب من مخرجات الحرب. لم تشكّل ذاتها ولم تتشكّل وحدها، بل شارك في تشكيلها الكثير من عوامل الحرب. من عاش الحرب أصبح ابنا لها، وحمل في عيونه ملمحا من ملامحها. تسمع صوتها في كلامه، وتنظرها في سلوكه، أمّا في أحلامه فتتجسّد حقيقة قاسيّة.
من المعروف أنّ الشخصيّة الروائيّة لا يمكن أن تنفصل عن العالم التخيّلي الذي تنتمي إليه بكلّ ما يحتويه هذا العالم من بشر وأشياء. إذ يتعذّر على الشخصيّة أن تحضر في ذهننا بصفتها كوكبا منعزلا. ولكن هذا لا ينفي ذاتيّة الباحث في تأويل الشخصيّات. تجدر الإشارة إلى أنّ صورة الشخصيّة في الرواية الحربيّة هي خليط ما بين المعطيات الموضوعيّة للنصّ والمساهمة الذاتيّة للقارئ.
يشدّ الانتباه في زمن الحرب، أنّ البيئة الاجتماعيّة- السياسيّة في لبنان يسودها "الزيف والخداع والرشوة والفساد والقمع، ما يؤدّي إلى تشويه الشخصيّات". هذا التشوّه، يلعب دورا أساسيّا في بناء النصّ وتدرّجه، مشيرا إلى الخلل الذي يعانيه المجتمع اللبنانيّ، بوصفه إطارا اجتمعت فيه عوامل الطرد كافّة، والمقصود جميع الدوافع المحفّزة للهجرة. وهذا ما حدث مع "كريم" الذي اضطّر إلى الهرب خارج لبنان زمن الحرب الأهليّة.
الشخصيّات، كانت وفيرة، تتوزّع على تلك الأزمنة، ويربط أكثرَها خيطٌ رفيع أو سميك بشخصية "كريم" المحوريّة.
"كريم"، انضم إلى حركة يساريّة تدعم الفلسطينيين، بينما انضم شقيقه "نسيم" إلى الكتائب المسيحيّة. وبين الحين والآخر تظهر في ذاكرة كريم حكايات جديدة عن بعض الشخصيّات المؤثّرة أثناء انتمائه لليسار ومنهم نشطاء ومسلّحون وثوريّون غرقوا جميعا في مناقشات مستمرّة وتورّطوا في نزاعات مسلّحة.
وكانت الحياة العاديّة لهذه الشخصيّات الأثر في بؤرة رحلة عودة بطل الرواية لوطنه. أصحاب هذه الشخصيّات ليسوا ضحايا أو ناجي حرب فحسب وإنّما أيضا هم آباء فاشلون وأشقّاء متناحرون وعشّاق تائهون وأشخاص يريدون العودة للوطن.
وبالفعل يقول "نصري" والد "كريم"، في أحد المرات، إنّ اللبنانيّين أدركوا كيف يجعلون من الحرب حائطا للمبكى يبرّرون من خلاله جميع الأفعال السيئة للبشر سواء الخسة أو الجبن أو العجز أو عدم القدرة على اختراق الأدغال الداخليّة الكثيفة التي تسكنها عقولهم وأرواحهم. وبهذه الطريقة فشل اللبنانيّون في إدراك سبب أفعالهم.
"نصري شمّاس" الصيدليّ الأرمل المتصابي، لم يتزوّج مرّة ثانية لينصرف إلى رعاية ولديه "نسيم" و"كريم"، ومع الوقت شكّل معهما مثلّثا مقدّسا لا يرضى بأن ينفصم أحد أضلاعه. غير أنّ الحرب عبثت بهذا الثالوث فانحاز "كريم" الذي كان يدرس الطبّ في الجامعة الأميركيّة إلى اليسار، وانضمّ إلى صفوف المقاومة الفلسطينيّة، وبقي أخوه في الأشرفية منضويا تحت لواء الأحزاب المسيحيّة، ما جعل الوالد يصرخ: "شو هالعيلة، واحد عامل شيوعيّ والتاني كتائبي وفاشستي، مش ناقص إلّا تقتلوا بعض، حتّى نصير حكاية".
في زمن الحرب، التي تفرض واقع الفوضى وعدم المحاسبة، ما يتيح للشخصيّة التحرّك بحريّة أكثر، فتتعرّف إلى رغباتها، "ويمكن القول، إنّ الدمار العام والشامل وضع الشخصيّة الروائيّة أمام البحث عن ذاتها، وفي هذا البحث عن الذات، بدت معاني الوطن والهويّة والانتماء مرتهنة بمبدأ وجود الأنا، من حيث علاقته بذاته". وهذا ما يشير إلى انكفاء "نصري" الوالد على الذاتيّ، ومعاناة الواقع بمنظور فرديّ، باحث عن ملجأ أخير يصلح ذاته المعطوبة.
كما نرى فإنّ شخصيّات الرواية بعيدة تماما عن النماذج المثاليّة ومثار نقاط الضعف تأتي من الأنصار أنفسهم مع الاعتراف بارتكاب أخطاء.
عندما أصبح "كريم" في منتصف العمر انفتحت شهيّته الجنسيّة مقتربا بذلك من سلوك والده. وجاء وصف مغامراته مع الخادمة "غزالة" و"منى" وحبّه الكبير لخطيبته السابقة "هند" ليشير إلى رجل مجهد وعجوز يتمسّك بالرغبة التي تبدأ عندما يسبح بخياله في ذكريات ماضي شبابه.
لم يكتفِ "كريم" بهذا، فعندما خان زوجته ذات مرّة اشتكى من أنّه يشعر بالاختناق من اللغة الفرنسيّة ويريد التلميح من وراء ذلك أنّ زوجته الفرنسيّة التي لا تشاركه ماضيه المؤلم، هي المسؤولة عن خيانته الزوجيّة. واتّهمها بأنّها لم تكن يوما المرأة التي يمكنه أن يفتح لها قلبه ويشعر معها بالراحة. وفي النهاية يبقى "كريم" منهكا ومشوّشا وضائعا، بينما يحاول إدراك كيف تتّخذ العلاقات شكلا وسط غبار بيروت بين الأنقاض وتداعيات الحرب الأهليّة.
"كريم" كافح أيضا مع ذكرياته حول الحرب الأهليّة وبيروت المقسّمة من خلال شخصيّة المقاتل الشجاع "سينالكول". هذه الشخصيّة أصبحت جزءا من الماضي الذي لم يعد قادرا على استرجاعه وفي الوقت نفسه جزءا من الحاضر الذي يطارده ويهرب منه.
"مشكلة كريم مع الموتى بدأت في بيروت. ذهب إلى فرنسا هربا منهم، لكنّهم استيقظوا فجأة، كأنّهم كانوا نائمين في داخل روحه". وهذا ما يؤكّده الراوي أو كريم نفسه مرارا، فقد "جاء الى فرنسا كي يمحو الذكريات ويصنع لنفسه ذكريات جديدة، في بلاد جديدة".
يمثّل كريم نموذجا هروبيّا للمثقّف اللبنانيّ، فيتميز بتهرّبه من العبء المترتّب على تأمّل الحرب. يلجأ إلى التقوقع ضمن عالم خاص به كآليّة بديلة للاحتماء من حرب لا يطمح إلى فهمها وإنّما إلى اختزال تأثيراتها السلبيّة عليه.
في حين نرى أخاه "نسيم" يبقى في البلاد مستغلّا ظروف قتاله في صفوف الجبهة اللبنانيّة، ليتحوّل الى أحد الأثرياء المستفيدين من اشتعال الحرب، فمارسوا أبشع الأعمال من أجل الوصول الى ما يريدون... "فإذا كان كريم قد غادر تاركا جزءًا من حياته فإنّ أخاه قد بقي ليزيد فوق حياته الجزء الذي تركه أخوه".
"نسيم" الذي لم تستطع زوجته "هند" أن تستجمع حياتها معه في سياق. كان مليئا بالتناقضات إلى درجة جعلتها تشعر أنّها لا تعيش مع رجل واحد، طلّق تجارة المخدرات، وصار يعمل في استيراد الأخشاب والبنزين، هو عدّة رجال في رجل واحد. يكون حنونا حين يحتاج الأولاد إلى حنان، ومحبّا حين يأتيه الحبّ، وداعرا حين يسكر. كتلة من التناقضات اجتمعت في رجل واحد.
ليس صحيحا أنّ الحروب تخلق مناخا من التضامن بين الناس، كما يكتب الروائيّون، الحروب تحوّل الإنسان إلى كائن متوحّد. وحش يعيش بين الوحوش، ولا يستمع إلّا إلى عواء الذئاب التي تحيط به م كلّ صوب. هكذا عاش "نسيم" في الوحدة والخوف.
صار "نسيم" غريب الأطوار، يحمل سمات انهزاميّة مع غياب أي معيار قيميّ مفسّر لهذه الانهزاميّة، وكأنّ "نسيم" الذي بقي في لبنان أصبح يشبه لبنان المنهزم، وأصبح علامة ترمز إلى عالم اجتماعيّ كامل تتميّز عناصره بالانهزاميّة بصفتها أحد الآثار السلبيّة المتفرّقة التي طوّرها القتال وجعلها تطغى على شاشة الحرب.
هذا بالنسبة الى الثالوث، أمّا بالنسبة إلى الشخصيّات الأخرى، التي غصّت بها الرواية، فنرى آثار الحرب ماثلةً في تغيير قناعاتهم والارتداد نحو الطائفة أو المذهب الضيق، مقارنة بما كانوا يناضلون من أجله من شعارات ثوريّة وماركسية، فلا يجدون سوى الاسلام ملاذا لاستكمال ثورتهم بعد التصدع الذي أصاب الفكر اليساريّ، كـ"خالد النابلسيّ" الماركسيّ في الأصل، "خالد لم يكن إسلاميّا، لكنّه اعتنق الإسلام بعد ذلك". أو "رضوان" الذي استحال شيخا ذا عمامة، محاطا بمرافقين ذوي لحى تشير إلى تصوّرهم القائل بأنّ الاسلام هو الطريق الثوريّ القادم.
الشعور بالغربة والضياع والتشرذم واللا انتماء والهروب والانهزام هي سمات أساسيّة لشخصيّات رواية "سينالكول". التعبير عن الانهزام واللا بطولة كان حاضرا على لسان الشخصيّات، فها هو "داني"، الذي درس الفلسفة في باريس، وعاد إلى لبنان كي يصنع الثورة التي ذاق طعمها في شوارع الحيّ اللاتينيّ، بطل حكاية لم تكتب، الرجل الذي تفرّغ للعمل السياسيّ افترسته الحياة وأرجحته الحرب "نحن عم ننهزم ونتبهدل" و"البطل ما بينهزم، البطل بيموت، أنا ما متّ وصرت عاطل عن العمل وعن البطولة، الثورة فشلت، وما بقي منها إلّا الحرب الأهليّة، والحرب الأهليّة بتبهدل، وخصوصا لمّا بتصير داخل بيتك".
لا يوغل إلياس خوري في الحدث على حساب الشخصيّة، لا بل نراه يفسّر الواقع من جوّانيّة الشخصيّة، ويلزم زمنها الداخليّ كمقياس لأزمة السرد، حتّى لو ضاعت "الآن" في الماضي والحاضر المتمثّل في الحرب والمستقبل المفتوح على الحرب ونتائجها.
هي الحرب، الحرب التي تماهت معها شخصيّات الرواية المضطربة والمأزومة، التي كان لا لها أن تضيع وتهرب وتنهزم، وما هذه الشخصيّات إلّا انعكاس لأمراض المجتمع اللبنانيّ، المتجذّرة فيه منذ قيامه ككيان. مجتمع تتحكّم فيه طائفيّة بغيضة.
المرأة في الرواية
كتشظّي كلّ شيء في الحرب تشظّت مرآة المرأة.
إنّ التنقيب في صورة المرأة، كما ظهرت في الرواية، يحمل بعدا لا يتّصل بقضايا التحرّر وحقوق المرأة، بقدر ما يسعى إلى استجلاء صورة المرأة والكشف عن واقعها والواقع الذي عاشت فيه زمن الحرب.
أظهرت الرواية النسيج البالي للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة خلال الحرب. مشاهد هذا النسيج الممزّق بفعل الحرب والطائفيّة، أتى على كلّ مظاهر الحياة في لبنان كما أتى على المرأة وواقع المرأة. فالمشاهد التي تظهر فيها المرأة كثيرة في الرواية، تتقاسم التيه والحيرة والشقاء في معظمها فالكلّ في الحرب سواء. وإذا كان التشوّه والزيف أصاب الرجال، وهم أكثر حظّا في التحرّك زمن الحرب، فما بالك بما أصاب النساء.
يمكن التعامل مع شخصيّة المرأة على أنّها إفراز نسويّ للحرب الأهليّة اللبنانيّة. العلاقة بين الشخصيّات والحرب تبدو أكثر من وثيقة، لدرجة أنّ التجارب التي عاشتها في زمن الحرب ستكشف أكثر فأكثر مآلات هذه الشخصيّات وجوهرها الداخليّ. تصوّر الرواية النساء بأنّهن ضحايا، ضحايا المجتمع ورجاله، ضحايا الحرب ومخرجاتها. ف"كريم" و"نسيم" لا يختلفان كثيرا عن والدهما "نصري" الذي امتلأ أحد جوارير خزانته بصور ضحاياه من النساء.
"سلمى" المتّشحة بالسوادّ قالت: إنّ الحرب لن تنتهي لأنّها موجودة في أعماقنا وآتية من دواخلنا! صاحبة القلب الذي تحجّر من القهر. تركت ضيعتها وزوجها وأولادها، لتنتقل إلى بيروت مع مهندس زراعيّ أحبّها وأحبّته. لم تخلع سلمى السواد منذ وفاة زوجها شابّا بالسكتة الدماغيّة، تاركا لها ابنة وحيدة وثروة صغيرة. ذاقت "سلمى" من قساوة الدنيا الكثير، خاصّة اشتياقها لأولادها وعدم قدرتها على رؤيتهم. المهندس مات بعد أربع سنوات، والزوج الأوّل مات أيضا مقتولا خلال ثورة الفلّاحين في عكّار، وكان على "سلمى" أن تتجرّع كلّ المرارات جرعة واحدة.
تشعر "سلمى" بالخطر الدائم، هي المرأة التي يساهم زمن الحرب في سقوطها، لم يرحمها الزمن. "سلمى" كغيرها من الكثيرات وقعت ضحيّة أمام حقارة "نصري" وتحرّشاته. "سلمى" فقدت إيمانها بالحبّ، بسبب حماقة "نصري"، ولم تعد إلى استخدام تلك الكلمة. بل أنّها نهرت ابنتها التي جاءتها مرّة باكية من سوء تصرّفات زوجها، وقالت "إنّها تشعر بتعاسة الحبّ، بأن طلبت منها أن لا تستخدم هذه الكلمة أبدا، لأنّها كلمة بلا معنى."
تعبّر "سلمى" عن حالة المرأة المقهورة، نتيجة الظروف الاجتماعيّة البائسة للحرب، والأنثى المكبوتة والمصادرة الجسد، والخائفة الضائعة في الزمن والذاكرة.
والابنة "هند"، التي أحبّت "كريم" وتزوّجت شقيقه "نسيم"، بعد أن حطّم أحلامها وتركها هاربا إلى فرنسا. صوّرت الرواية "هند" غير مبالية بموضوع الحرب من أساسه، وكانت ترى في السياسة وسيلة لقتل الوقت. "أنتم مثل الرجال يلّي بيلعبوا ورق شدّي، بتعرف شو بقولوا لمن بيلعبوا ورق، بيقولوا تعو نقتل الوقت، أنتم مش بس رح تقتلوا الوقت، الأرجح أنّكم تقتلوا حالكم وتقتلوا الناس يلّي حواليكم". فالحرب في عيونها عمليّة قتل لا منطق فيها ولا مبدأ. لقد قرأت "هند" الحرب بعيون المرأة المشرفة التي تتابع من بعيد ولا ترغب بالاقتراب. "كأنّ الحدود بين الأشياء انكسرت، فصار الرجال كالقوّادين مع زوجاتهم، لا تستطيع أن تميّز بين النساء والعاهرات. "شوهيدا، حدا بيعيش هيك؟ فيردّ نسيم: "إنّها الحرب، الحرب هيك، ونحن لازم نعيش هيك". "هند" قارئة نهمة كانت تقضي وقتها في البيت مع الكتب ولا تقرأ إلّا روايات سوداويّة، لكنّ "هند" لم تكن تريد أن تفهم، واكتفت بالحيّز البيتيّ الضيّق.
بحسب رفيف صيداوي، يمكن اعتبار "هند" شخصيّة لامنتمية، فقد توصّلت الأخيرة إلى يقين بعدم ضرورة البحث عن الحقيقة، انطلاقا من رؤيتها العدميّة للوجود، فهي لا تؤمن بجدوى البحث في الحرب لا في الحاضر ولا في الماضي.
أمّا "غزالة"، المرأة السمراء والخادمة الجميلة التي قالت إنّها من قرية تدعى شهبا في جبل العرب، أو جبل الدروز، في سوريا، فرآها "كريم" رمزا لالتباسات بيروت. حضورها في الرواية قصير، وفي ذاكرة "كريم" كذلك، لكنّها صارت مثل ظلّ لا يمكن الإمساك به. كانت هدفا سهلا ل"كريم" الذي أرادها ورغب بها.
و"سوزان" المومس، التي مثّلت هامش المجتمع. المرأة التي تاجرت بجسدها لتحيا في وطن يجوع ناسه ويقوى غنيّه على فقيره. "سوزان" التي سكنت السوق العموميّ كغيرها من نساء، طالتها الحرب بأبشع صورها. ذهب "نسيم" إليها تحت القصف كي ينتشلها من السوق العموميّ، بعدما تحوّل ساحة قتال، وقام رجال الميليشيا الكتائبيّة باغتصاب نسائه في شكل وحشيّ، قبل توجيه إنذار إليهنّ بضرورة المغادرة. السوق العموميّ أو شارع المتنبّي بقناطره العثمانيّة، ولوحات النيون المضاءة التي تزيّن شرفاته معلنة أسماء المومسات، بقي منتصبا وشاهدا على المجزرة التي لن تُمحى ذاكرتها إلّا بعد عشرة أعوام، حين توفّيت "سوزان". وتبقى هامشيّة الشخصيّات وغربتها وموتها الحقائق الوحيدة الأكيدة. حقيقة الحرب الطائفيّة الدمويّة بامتياز.
تصوّر الرواية مشهد فرز النساء في الحيّ بعد اغتصابهن، قتلوا المصريّات والتركيّت والحلبيّات، أمروا المسلمات اللبنانيّات بمغادرة المكان فورا، وأعطوا المسيحيّات مهلة حتّى مساء اليوم التالي. مشهد يصوّر مجتمعا تتطاحن فيه مكوّناته الأهليّة، في حرب أقلّ ما يقال فيها أنّها دمويّة ووحشيّة بامتياز.
و"سحر" زوجة "داني"، امرأة الانتظار، التي كانت تملأ حياة داني وأصدقاءه بالفرح، اختفت فجأة. قالت أشياء غريبة، قالت إنّها تكره بيروت وتكره لبنان وتكره زوجها، وإنّها تريد الطلاق. هذا التغيير الذي أصاب الشخصيّات وهزّ استقرارها هو ملمح من ملامح ما حلّ زمن الحرب وأدّى إلى اختلالات بنيويّة أسريّة فكّكت العائلة وشرذمتها كما هو الحال مع الشعب ككلّ.
وللمرأة نصيب من جرائم الحرب، فها هي زوجة "خالد النابلسيّ" تذبح وابنتها بالسكاكين ليكتمل الانتقام. تبحث عن ملجأ فتطلب اللجوء في منزل "داني" صديق "خالد". يرفض "داني" مساعدتها ويخبرها أنّ بيته غير آمن. وكأنّ المرأة جزء من انتقام الآخر للآخر. "هي وبنتها قتلوهم، فاتوا على بيتهم ودبحوهم بالسكاكين، دبحوا المرا ودبحوا البنت ومسحوا أيديهم المليانة دم بالحيطان".
و"مينا"، الخادمة السيريلانكيّة التي تركت عائلتها وجاءت إلى لبنان لتجمع المال وترسله إليها. حملت من المستر "جورج" ابن الطبيب الوحيد، اعتدى عليها واختفى بعد ذلك لتجد نفسها أمام أسرته وضغوطات الإجبار على الإجهاض. هذه المرأة الضحيّة التي لم تقتنع أنّها ضحيّة، بل اتّهمت نفسها أنّها أحبّته والحقّ كلّ الحقّ عليها.
"جمال سليم الجزائريّ"، المرأة الأخرى التي قدّمتها الرواية. ولدت في بيروت وكانت الابنة البكر لعائلة فلسطينيّة من يافا. قرّرت الالتحاق بالعمل الفدائيّ بعد نيلها شهادة البكالوريا، ففضّلت، كما قالت، جامعة الثورة على الجامعة. كانت نموذجا للمرأة الفلسطينيّة المقاومة. قادت عمليّة فدائيّة باسم "كمال عدوان" ومضت بالمجموعة التي ضمّت عشرة فدائيّين ويمنيّيَن ولبنانيّيَن إلى شاطئ حيفا وكانت يافا قصدهم. وسقطت شهيدة في آذار 1978 في العمليّة المذكورة. "جمال" كانت المرأة الرمز والتي أرادت المقاومة الفلسطينيّة أن تكرّمها وتخلّد ذكراها فطلبت من "كريم" أن يكتب كرّاسة عن حياتها بما يليق بنضالها. كانت "جمال" محطّ إعجاب الكثيرين، صحيح أنّ العمليّة البطوليّة التي قادتها لم تنجح لكنّها صنعت بموتها البطولة. حضور "جمال" في الرواية هو حضور لصوت المرأة الحرّ، المقاوم للظلم وللشرّ. وحين نعتها خوري في روايته "سينالكول" "المرأة الأخرى" ففي هذا تفرّد وتميّز لشخصها. "كتبت "جمال" في مذكّراتها عن كلّ شيء، وضعت إصبعها على مظاهر الفساد والإفساد في الثورة." في هذا إشارة واضحة لوعي المرأة ورؤيتها الفكريّة النقديّة. ليس هذا فقط، بل حتّى ما كتبته في مذكّراته عن نقد للفساد، وعن فكرتها بأنّ المرأة كي تحصل على حقّها في المساواة يجب أن تقاتل كالرجل تماما. هذا الفكر الواعي المتيقّظ لا ينبع من فراغ. فتربية "جمال" المرأة المشارِكة في الهمّ والنضال أوصلها إلى صفوف الثورة الأماميّة. هي امرأة بمليون رجل.
حلم "جمال" يختلف عن حلم الأخريات من النساء اللاتي قدّمتهن الرواية. لحلمها مذاق الثورة والمقاومة. لم يكن الحلم مقتصرا كما قال "كريم" في لحظة تألّقها على الملصق بعد الشهادة، وإنّما حلم محاربة المحتّل والقيام بدورها في النضال ضدّ الاحتلال. هي المرأة القادرة على احتواء جوانب ثقافيّة، ومعرفيّة، وسياسيّة مكثّفة.
حكاية "جمال" الأسريّة هي حكاية شعبنا الفلسطينيّ الذي هُجّر قسرا، فخروج والدها من يافا يوم سقوط المدينة بعد أن قاتل حتّى دخول "الهاغاناة" إلى أحياء يافا فمشى على قدميه إلى لبنان. في لبنان، لن يلتقي بأفراد عائلته الذين قذفتهم الأقدار إلى مدينة دمشق، حيث أقاموا في مخيّم اليرموك. من مخيّم للاجئين الفلسطينيين إلى غرفة في منطقة المزرعة إلى وإلى... حتّى استقرّ وكوّن أسرته.
في قصص النساء التي رصدتها الرواية تغدو معاناة المرأة الذاتيّة، مؤشّرا على معاناة جماعيّة، تعيشها المرأة من جهة وتدليلا على صلة الوصل بين هذه المعاناة والحرب من جهة أخرى.
(يتبع)



.png)

.png)






.png)
