//المكان موتٌ: بيروت حكاية المكان وحكاية الموت المتجدّد
الموت في الحرب كالحياة فيها، وليد المصادفة المحضة.
بيروت المكان المتحرّك باستمرار، والذي لا يمنح المقيمين فيها أسباب استقرارهم.
الزمن والشخصيّات محرّكان أساسيّان للمكان، إذ أنّ المكان لا ينطق بديكوره وتضاريسه، بل بما يخترقه من بشر وشخصيّات ورقيّة، أو بما يستوطنه من أزمنة تفعل فيه فعلها، لكن من الملاحظ في رواية "سينالكول"، أنّ المكان هو الفاعل في الشخصيّات والزمن. فالمكان، بيروت، كان المفجّر الرئيس لكلّ تلك الذكريات المكبوتة في لاوعي شخصيّة "كريم" الذي فرّ من المكان لبناء حياة جديدة بعيدة عن الموت والحرب، لكنّ عودته أحيت في داخله من مات أو افتُقد. فهو يرى أنّ الذكريات قد تُمحى عبر الزمن، لكنّها لا تستطيع الاختفاء أمام المكان "الزمن يمحو الذكريات والانسان لا يعثر على ذكرياته إلا في شقوق المكان".
صارت الحرب نمط حياة في بيروت، وبدأ الموت، الكلّ فقد مكانه ومكانته، التوأمان انفصلا إلى الأبد، وصيدليّة "نصري" صارت موحشة. في الحرب ووسط القذائف المنهمرة، اكتهلت بيروت. بيروت التي كانت رمزا للفتوّة والتجدّد، "انكمشت على نفسها، وتقشّر جلدها، وبدت مثل امرأة عجوز وعمياء، تلتفّ بنفسها وتمشي منحنية، ظهرها محدودب، ورأسها يسقط على صدرها".
موجع ما قال خليل حاوي في بيروت، "هذه العاهرة كي يبرّر ضرورة تدمير المدينة". انتحر الحاوي عبر إطلاق النار على رأسه، من بندقيّة صيد، احتجاجا على الاحتلال الإسرائيليّ. مات خليل حاوي ومات الكثيرون وبيروت تشهد موتهم وتعجز عن الحياة.
و"نصري" مات قبل أن يموت، مات يوم اندلعت الحرب الأهليّة، وصار كشبح ضائع في متاهات ذاكرته الضبابيّة.
وحين يكون الحاضر شاهدا على طبقات الماضي وأساطيره، فإنّه هو أيضا يصير مهدّدا بالتحوّل إلى جزء من حكاية المكان.
"كريم" كافح أيضا مع ذكرياته حول الحرب الأهليّة وبيروت المقسّمة من خلال شخصيّة المقاتل الشجاع "سينالكول". هذه الشخصيّة أصبحت جزءا من الماضي الذي لم يعد قادرا على استرجاعه وفي الوقت نفسه جزءا من الحاضر الذي يطارده ويهرب منه. هذا البحث السرديّ عن النسيان والذكريات يتضمّن التعريف بمدينة بيروت التي مازالت تقوم بإعادة البناء بعد الحرب الأهليّة. إنّها الطريقة التي يضع سكّان بيروت بها الماضي وراءهم، كما أنّها أيضا تذكرة عن شبح الأبنية التي دمّرتها قنابل الحرب.
قال "نسيم" لأخيه "كريم": "هيدي الريحة جايي من مكبّ النورماندي، عم يطمروا البحر بالزبالة، هيك بتكبر مساحة بيروت، وبتختلط زبالة الماضي بزبالة الحاضر، مدينة عم تاكل البحر بالزبالة حتّى تتوسّع، هيدي هي بيروت".
بيروت أصبحت شبحا جرّاء شبح الحرب. مدينة على حافّة السقوط في وادي العتمة. كلّ ما فيها يدعو إلى الرحيل. هذا ما سمعناه من رواية الحرب. كلّ شيء يتعفّن في هذه المدينة، وناسها أيضا صاروا بفكرهم العفن الذي اختار الطائفيّة حلبة صراع ودمّر وطنه بيديه. بدأت الرواية بعودة إلى بيروت وانتهت بمغادرتها، هذه كلّ الحكاية!
هذا هو المكان، الذي تشكّل في الرواية بفعل الحرب، ومنح بكثافته، الفضاء السكّاني رحابة دلّت على شموليّة المعرفة المقدّمة بشأن الحرب أوّلا، وعلى رؤية سوسيولوجيّة للحرب ثانيا. إلّا أنّ تغليف بيروت المكان بجوّ الموت الحقيقيّ أو النفسيّ الذي حوّلها إلى قبور وأكفان، عكس بدوره رؤية ذاتيّة للمكان تحاول إخفاء الرؤية السوسيولوجيّة ومنازعتها، فأتت على نواحي الحياة وأصابتها.
والتشظّي كان نصيب المكان أيضا. فبيروت لم تعد واحدة. أصبحت بيروتين "بيروت الشرقيّة" و"بيروت الغربيّة". "وجد الشقيقان نفسيهما في معسكرين مختلفين منذ 13 نيسان 1975 الذي صار التاريخ الرسميّ لاندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة صباح اليوم التالي غادر كريم حيّ الجمّيزة في بيروت، الذي صار جزءا ممّا صار يُعرف باسم بيروت الشرقيّة، ولم يعد إلّا مرّة واحدة بعد مرور سنة على حرب المئة يوم عام 1978، حين تعرّضت المنطقة لقصف مدفعي متواصل من الجيش السوريّ". كأنّ هذا الانقسام الأيديولوجيّ الذي عبّر عن نفسه في زمن الحرب بالانقسام المكانيّ-الدمويّ أفضى ليس إلى هلاك اللبنانيّين والفلسطينيّين فقط، وإنّما إلى تفتيت لبنان كلّ لبنان.
//الزمان حربٌ
أمّا الزمن، فقد كان من العناصر الأساسيّة التي أسهمت في إطلاق الرؤية/ الرؤى، خصوصا زمن الأحداث والوقائع، التي تفوق زمن السرد. فالزمن السرديّ لا يتجاوز الساعات القليلة التي انتقل فيها "كريم" من بيته إلى المطار في أوائل العام 1990. لذلك كان زمن الوقائع يعرض عبر الاسترجاعات والعودات القريبة والبعيدة، وهي من النوع الخارجيّ نظرا إلى قصر الزمن السرديّ، ومنها ما يعود إلى آخر ستّة أشهر قبل البدء بالسرد، ومنها ما يعود إلى بداية السبعينيّات حيث التمهيد للحرب، ثم زمن الحرب الفعليّ. كما أنّ هناك بعض الاستباقات الخاصّة بالكاتب أو الراوي، خصوصا في الحديث عن اغتيال الحريري بعد 15عاما.
حملت الرواية المدروسة بحسب بناء الزمن دلالات مختلفة عن الحرب. فدلّ تكسير السرد فيها على انفتاح الزمن على الذاكرة التاريخيّة من جهة، وعلى تماثل هذا الانفتاح، من جهة أخرى، مع نظرة استقرائيّة إلى الحرب أوحت بارتباط الحرب بالتاريخ. هذا في الوقت الذي تباينت فيه طبيعة العودات التاريخيّة فيها بحسب السياق الفنّيّ العائد لكلّ منها، الأمر الذي ترتّب عليه معارف متفاوتة الأحجام حول العلاقة بين الحرب والتاريخ أو حول الحرب نفسها. فنشهد حضورا لأحداث تاريخيّة تشير إلى ارتباطها بالحرب مثل نكبة فلسطين 48 ولجوء الفلسطينيّين إلى لبنان. فهذا "كريم" قد التقى بالمرأة التونسيّة في مؤتمر لدعم القضيّة الفلسطينيّة، نظّمه الطلبة في الجامعة الأميركيّة. "كانت تعمل في صحيفة سريّة تونسيّة اسمها "برسبكتيف" ألقت محاضرة عن المجاهدين التونسيّين خلال حرب 1948". وحين زارته في بيته لتتناول طعاما بيتيّا لبنانيّا، قالت: "وما تنسوش نحن ولاد عمّ، نحن أحفاد أليسّا الفينيقيّة".
"حين تعرّضت المنطقة لقصف مدفعي متواصل من الجيش السوريّ، الذي دخل لبنان عام 1976، بحجّة فرض السلام في الوطن الصغير الممزّق بين طوائفه المختلفة." يستمرّ خوري بتكسير الزمن والإحالة على أزمنة مختلفة ومتفارقة عن زمن الخطاب جعلت من الزمن الروائيّ في "سينالكول" حافلا بالتواريخ الدالة.
أومأت رحابة الإطلالة على التاريخ إلى لائحة العوامل المؤدّية إلى الحرب، من طائفيّة، ثقافيّة، طبقيّة، أخلاقيّة.. إلخ، أو إلى لائحة بمظاهر هذه الحرب. بحيث أشار تكسير السرد المكثّف إلى انفتاح الرواية على الذاكرة التاريخيّة وإلى تشظّي ذاكرة الشخوص في آن.
عكس تشظّي الزمن في الرواية نظرة روائيّة شاملة تعيد استقراء الحرب عبر استجماع ما أهملته الذاكرة التاريخيّة وما همّشته؛ أي عبر إعادة صياغة هذه الذاكرة. فبدت الحرب، من منظور هذا النصّ، حربا مرتبطة بأسباب بنيويّة تاريخيّة تتقاطع عندها أزمنة مختلفة، كزمن المتصرّفية والاستقلال ونكبة فلسطين والازدهار الاقتصاديّ في مطلع السبيعينات والمدّ القوميّ العربيّ ونشأة المقاومة الفلسطينيّة والفورة النفطيّة وانكفاء المدّ القوميّ العربيّ..، بصفتها أزمنة معبّرة عن تقاطع الأسباب الداخليّة للحرب مع أسبابها الخارجيّة.
//الراوي عليم بكلّ شيء
استطاع الكاتب توظيف التقنيّات الروائيّة توظيفا بارعا في مرحلة الشرح والتفسير ومرحلة الفهم والتأويل، من أجل إطلاق رؤاه. فقد سيطر على الرواية راوٍ عليمٌ كلّي المعرفة، وقادر على معرفة المكشوف والمستور، وربما كثرة أحداث الرواية ووفرة شخصيّاتها، تستدعي هذا النمط من الرواة الأكبر من الشخصيّة والعارف أكثر منها. ولكن الكاتب لم يُعطِ الحرية لهذا الراوي في كلّ شيء، إنّما أصدر بعض الأصوات السرديّة من أفواه الشخصيّات نفسها حين كانت تحدّثنا عمّا هو خاصّ بها. لذلك كانت الرؤية خليطا بين رؤى خارجيّة وداخليّة، فكان الكاتب ديموقراطيّا، قد منح شخصيّاته الأساسيّة والثانويّة حريّة التعبير عن مواقفها، ما يجعلنا نستطيع القول بايديولوجيّة النصّ وليس بايديولوجيّة صاحبه، وقلّما نجد من يستطيع التوفيق بين أدائه الفنّي وطرحه الأيديولوجيّ في الروايات الجديدة.
ولكن هذا لا يعني ترفّع الراوي ومن خلفه الكاتب، عن التدخّل غير المسوّغ أحيانا، في سبيل إطلاق رؤية ما بين الحين والآخر، وأكثر ما ظهر ذلك في تبئير بعض الشخصيّات والأحداث بشكل مباشر، وليس عبر إحدى شخصيّاته، ومن الأمثلة على ذلك إقحام نفسه وبطريقة انفعاليّة في الحكم على شخصيّة "داني" أحد المقاتلين في صفوف المقاومة الفلسطينيّة، "ليس صحيحا أنّ هذا الداني هو بطل حكاية لم تكتب، مثلما كان يعتقد كريم في الماضي. داني ليس مثل الأبطال، لأنّ الأبطال يتجمّدون في خيالنا داخل لحظة البطولة. أمّا حين يتأرجحون، وتفترسهم الحياة، فإنّهم يفقدون السحر ويتحوّلون الى مجرّد ظلال تتفتّت في التفاصيل اليوميّة".
//ويضيع لبنان ما بين دين وسياسة
هذا هو خطّ التطوّر في الحركة الثوريّة، الإسلام هو مستقبل الثورة.
وتصل آثار الحرب إلى تغيير قناعات الشخصيّات والارتداد نحو الطائفة أو المذهب الضيّق، مقارنة بما كانوا يناضلون من أجله من شعارات ثوريّة وماركسيّة، فلا يجدون سوى الإسلام ملاذا لاستكمال ثورتهم بعد التصدّع الذي أصاب الفكر اليساريّ. هذا ما حدث مع "رضوان" الذي استحال شيخا، و"خالد النابلسيّ" الذي اعتنق الإسلام. فهم وجدوا في النهج الإسلاميّ امتدادا لحركتهم الثوريّة السابقة القائمة على الصراع الطبقيّ "نحن فقرا، عايشين بأحياء شعبيّة، وما عنّا بيوت بالحمرا وتلّة الخيّاط متل غيرنا، ومن دون فكرة تجمعنا منفرط، من دون الإسلام كل شي بيتفكّك".
وقد ساهم الخطاب الإسلاميّ في تجذير الصراع الطائفيّ الذي سعت الأيديولوجيا المسيحيّة المتطرّفة إلى تغليبه على العوامل الأخرى المسببّة للنزاع. واكب زاوية النظر هذه سعي لتشويه الآخر، المسلم، وإضفاء السمات البربريّة عليه.
هذه المشاهد وما نتج عنها، لم تكن مجرّد تصوير فحسب، إنّما كانت بمنزلة التحذير من انحراف مسيرة الثورة الفلسطينيّة عن مسارها، وذلك عبر دخول محاولات تحرير فلسطين من خلفيّة دينيّة لا قوميّة، لذا يصرّ الكاتب، وعبر بعض الحوارات، على التفريق بين الصهاينة واليهود، ليؤكّد أن الصراع قوميّ أكثر ممّا هو دينيّ، مستحضرا كلاما للقياديّ الفلسطينيّ "أبو جهاد"، ناقدا إيّاه عبر تبئير"كريم" له. "أنا ما قلت اليهود، قلت الصهاينة، وهيدا هو جوهر الموضوع، نحن مع دولة علمانية بفلسطين، مش لازم نستعمل كلمة (يهود) لوصف الاحتلال، إذا أبو جهاد قال يهود، فأنا ما بدي اشتغل معه".
فهو يرفض المصطلحات الدينيّة في الحرب التي يرى فيها حربا سياسيّة وطبقيّة ".. هون بلبنان ونحن بحرب أهليّة ضد الفاشيين، ما بسمعهم الا بيقولوا المسيحيين (...) هيك رح تبلعنا الطوائف ويموت اليسار، وتصير قضيّة فلسطين قضيّة دينيّة، ونخسر كلّ شي". وهذا الخوف على الثورة الذي يطلقه الكاتب، يعلنه بشكل واضح في تخوفه من كتابة التاريخ، لأنّ أبناء الأمر الواقع هم كاتبو التاريخ على طريقتهم، فيحذفون منه ما يريدون ويزيدون ما يحلو وتوجّهاتهم الفكريّة والسياسيّة، وهذا ما خاف منه "كريم" الذي رفض تسليم أوراق قديمة كي لا تشوّه أيديولوجيّا، فخاف على حقائق الحرب، وعلى صورة "جمال الجزائريّ" التي تؤكّد المعطيات والأوصاف أنّها "دلال المغربي" التي قادت العملية الفدائيّة في ربيع 1978.
ويشير "كريم" إلى ما فعله اليسار في أثناء حضورهم وسيطرتهم كيف جيّروا التاريخ لصالح شعاراتهم. "ولكن ماذا سيفعل بهذه الأوراق؟ هل يتركها تصفرّ وتتلاشى في جاروره؟ أليس من الإسلاميّين وقد صاروا قوّة صاعدة أن يستولوا على هذا الماضي، مثلما استولى اليساريّون في زمنهم عليه، جاعلين من شيخ معمّم ومجاهد كعزّ الدين القسّام، رمزا للصراع الطبقيّ".
من الجنوب اللبنانيّ إلى طرابلس عاصمة الشمال مرورا ببيروت أو "كانت بيروت" وفق ما كان "كريم" يرى اسمها حين كان يغمض عينيه، نرى انتقال من بقي حيّا من أتباع التيّارات اليساريّة من العلمنة إلى الدين "الشيخ رضوان" أو إلى الرأسماليّة المخادعة "المهندس أحمد"، في حين بقي الذين قتلوا من اليساريّين أمناء على مبادئ الثورة وأحلام تحرير الأرض والفكر ورفع الظلم عن الفقراء واسترجاع فلسطين، كأنّ الموت وحده هو الذي يمنع انزلاق المرء بعيدا عن مبادئه (تستثني الرواية بشير الجميّل الذي لو لم يقتل لارتكب أفعالاً شنيعة أخرى)، أمّا أفكارهم التقدميّة فاستولى عليها من أراد أن ينجو بحياته وألبسها عباءة الدين. غير أنّ الرواية لا تخدع القارئ من خلال إيهامه بأنّ المدّ الأصوليّ يملك مشروعا متكاملا صلبا يؤمّن له البقاء. ولعلّ هذا اليقين هو الذي جعل نهاية الرواية تظهر بيروت، أو شبيهتها، مدينة أشباح تجتاحها حروب جديدة بشعارات دينيّة: مسيحيّة من خلال حرب التحرير، وإسلاميّة من خلال تصفية رموز اليسار العلمانيّ والسماح ببروز قيادات متطرّفة. ما يعني أنّ الرواية توحي بأن لا خلاص، إن كان هناك من خلاص، إلّا متى وصلت الطائفيّة إلى ذروة هيمنتها، وعند ذلك سيكتشف المنادون بها خواءها وتسطّحها وعدم ملاءمتها لحركة التاريخ.
هذه هي القضية الأكثر حضورا في النص، وهي قضيّة سياسيّة، سواء أتعلّق الأمر بحرب لبنان المنتهية واللامنتهية، أم بقضيّة فلسطين المركزيّة. لكنّ الكاتب، في تشييده عالما روائيّا يشكّل معادلا موضوعيّا للواقع قديما وحديثا، لم يحرم القضايا الأخرى من الدخول الى رحاب ذلك العالم. فما كان من روايته إلا أن تكون مسرحا لعرض العديد من القضايا الاجتماعيّة والانسانيّة، كقضية الصراع الطبقيّ والتفريق العنصريّ بالإضافة إلى الحبّ والجنس، وبذلك تكون روايته طرقا على باب المثلث المحظور (السياسيّ والدينيّ والجنسيّ) بالإضافة الى القضايا الاجتماعيّة المذكورة آنفا.
والترجمة السياسيّة للاتّجاهات المختلفة، كما رأينا في الرواية، قد كشفت خلال الحرب الجذور التقليديّة القابعة في أيديولوجيّات ما قبل الحرب، بوصفها أيديولوجيّات "ملبننة" ومحكومة بالطابع الطائفيّ للصراع السياسيّ الاجتماعيّ في لبنان. وهذا ما عكسته الشخصيّات بالتحاقها لمذاهب تتواءم وهذه الجذور.
فلبنان بلد واضح في حدوده الجغرافيّة، لكنّه يفتقر إلى المتخيّل الجمعيّ، الذي يحوّل تعدّده الطائفيّ الغنيّ إلى وحدة وطنيّة واحدة، قادرة على المواءمة بين نوازع لبنان العربيّة، ودوافع اللبننة المحليّة المشدودة إلى الغرب.
//البلاد تنهار وتنهار الجامعة
"الذي يحتلّ الجامعة يحتلّ بيروت"
الجامعة الأمريكيّة في بيروت في ظلّ حراك طلّابيّ زمن الحرب الأهليّة.
وللحركة الطلّابيّة دور كبير في تاريخ الحراك السياسيّ، وفي زمن الحرب لا بدّ لحرم الجامعة أن يعكس ما يحدث خارج جدران الجامعة. فقد شهدت الجامعة الأمريكيّة في بيروت عددا من المشاهد التي صوّرتها رواية "سينالكول".
عند دخول "كريم" إلى الجامعة الأميركيّة في بيروت، من أجل دراسة الطبّ، بدأت علاقته بالسياسة، وبدأت العاصفة في رأسه. هناك التقى بشباب حركة "فتح"، وبدأت علاقته بمنظّمات اليسار اللبنانيّ التي كانت تدعو إلى الكفاح المسلّح.
نفّذ طلبة الجامعة الأمريكيّة، عام 1974 إضرابا بسبب زيادة الأقساط، وقاموا باحتلال مباني الجامعة الأمريكيّة. في أعقاب هذا الحدث مائة وثلاثة طلّاب طُردوا من الجامعة بعد نهاية الإضراب.
كان الإضراب إعلانا بأنّ المقاومة الفلسطينيّة وحلفاءها اليساريين اللبنانيّين صاروا محور الحياة السياسيّة في لبنان. وصل الأمر إلى طلب إدارة الجامعة من الشرطة اللبنانيّة اقتحام المباني وإنهاء الإضراب، قبل أن تطرد جميع قادة التحرّك. انهزم إضراب الطلّاب كي ينتصر بالدمّ. "ملاك ملاك" طالب في السنة الرابعة في كلّيّة الهندسة، الذي ينتمي ‘إلى عائلة فلسطينيّة مسيحيّة من نواحي حيفا انضمّت إلى سيل اللاجئين عام 1948، كان بطل تلك الحكاية.
ظهر "ملاك" الطالب الجامعيّ في مخيّم تلّ الزعتر، بعد اعتقاله على أثر قيامه بقتل عميدين في الجامعة في بيروت. قيل إنّ "داني" هو من نظّم عمليّة هرب "ملاك" من سجن رومية، الأمر الذي أدّى إلى سقوط المخيّم عام 1976 حيث جرت واحدة من أكبر مجازر الحرب الأهليّة اللبنانيّة. الجريمة التي ارتكبها الطالب الجامعيّ، والدم الذي سال، وانهيار إدارة الجامعة وموافقتها على عودة الطلبة المصروفين إلى الدراسة، شكّلت الفصل الأخير من العنف الرمزيّ الذي مهّد الطريق أمام تحوّل بيروت ساحة دم.
عندما دخل "كريم" إلى كليّة الطبّ في الجامعة الأميركيّة في بيروت، بدأت أسرار صيدليّة "الشفاء" تتكشّف له. نما فيه شعور بالاحتقار لوالده، والكراهيّة لما يفعل مع النساء. وكأنّ الجامعة أوضحت الضبابيّة في كثير من الأمور التي تحدث خارج جدرانها.
حين اندلعت الحرب الأهليّة في نيسان 1975، كان "كريم" طالبا في الجامعة الأميركيّة، ويقيم في بيروت الغربيّة، وتتجذّر علاقته باليسار، ويصير مناضلا في منظّمة لبنانيّة صغيرة أنشأتها منظّمة فتح، وكانت تدعى حركة الثورة الاشتراكيّة، بينما أقام "نسيم" في بيروت الشرقيّة، وبدأ يتعامل مع شباب أطلقوا على أنفسهم اسم التنظيم، قبل أن ينضمّ إلى الكتائبيّين.
في الجامعة نضجت شخصيّة "كريم" واتّسعت رؤاه السياسيّة وتيقّظ فكره، الأمر الذي لم يكن من نصيب شقيقه "نسيم" الكسول الفاشل في دراسته. الجامعة كانت منعطفا مركزّيا في حياة "كريم" كما هو الأمر مع عديد من الطلبة.
(يتبع حلقة أخيرة)
الصورة: لوحة "حب بيروت" للفنانة اللبنانية ليلى داغر.



.png)

.png)






.png)
