من قاموس الحرب تولّدت لغة الرواية
يبني خوري "سينالكول" على تخوم التصنيفات الجنسيّة والجندريّة وأزمات الهويّة المعقّدة. ويكتب نصّه بلغةٍ تستدعي انطباعاتٍ شتى، الثابت فيها هو أنّ النهوض على مفردة واضحة وشرسة هي الحرب.
في الحقيقة لا تُستدعى صورة الحرب في الرواية، إلّا ويطلّ الوجه الكريه منها، وجه المقت والكراهية، وجه الإحباط والفشل. تقول لغة الرواية قولَها دون شرح وتفسير، يكفي أن تسمع الكلمة وتتخيّل المشهد لترى الحرب تدوس الأخضر واليابس، وليس لها وجهة نظر. "كلّ شيء في بيروت هشّ وغير قابل للاستمرار"، "مشروع المستشفى انتهى، المشروع تهاوى" كما تهاوت أحلام كريم العائد إلى لبنان. "في بيروت لم يشعر إلّا بسكاكين الحكاية" فقرّر الهرب مرّة أخرى واللجوء إلى حضن الغربة الآمن أكثر من الوطن.
"حكاية موت، سوى وهم، حافّة السقوط، الباخرة احترقت، الخيبة والفشل، العتمة، انتظارات وهميّة" هي قليلٌ من مفردات الحرب في "سينالكول"، وما أكثر حضورها في الرواية.
لغة رواية "سينالكول" لغة قلقة متحوّلة زئبقيّة الدلالة. تعكس تأرجحا وعدم ثبات، تعكس اهتزازا وعدم استقرار. تصوّر موتا، خوفا، اغتصابا، قتلا وهروبا. تصوّر الحرب بلغة الحرب.
لغة الرواية بشكليها سردا وحوارا كان لها دور فاعل في تطوير الأحداث، في تصوير فعل الحرب وردّ الفعل على المكان وساكن المكان. فعكست لغة الرواية مشهد الحرب بملامحها الشرسة والقاسية.
ما بين لغة مكتوبة ولغة معيشة يبدو لبنان عاجزا عن إيجاد لغته، ومتى ضاعت اللغة بين لهجات هجينة ولغات بائدة وأخرى غربيّة لا يعود ثمّة مبرّر للحديث عن هويّة أو ثورة أو احتمال تغيير. لذلك، يبدو أنّ "كريم"، الذي كان يصاب بنوبة سعال، حين يريد أن يحكي مع زوجته الفرنسيّة، اكتشف أنّ اللغة الأمّ هي الوطن، وأنّه مهما حاول فلن يستطيع أن يجد الكلمات الفرنسيّة لحالات لبنانيّة بامتياز. وحدها الشتائم كانت تنطلق بلا رقيب أو ضابط حين يمزّقه شوقه إلى رائحة الطفولة التي لم يفهم معناها إلّا في الغربة، ولكنّ الزوجة لم تكن تطيق سماع الشتائم بالفرنسيّة أو بالعربيّة فبدأ يختار الصمت.
في المقابل، داني الذي تفرّغ للعمل السياسيّ كان لا يتقن اللغة العربيّة بشكل جيّد، لكنّه كان يصرّ على التكلّم بها، مستخدما التعابير الفصيحة، كي يؤكّد عمق ارتباطه بوطنه.
في توظيف اللغة السرديّة والحواريّة، تتقاسم النصّ لغتان، لغة فصيحة يعتمدها الراوي في سرد الأحداث البعيدة، من كلام الشخصيّات وفي الخطابات المسرودة، ولغة عاميّة محكيّة، سيطرت بشكل واسع على كلام الشخصيّات عموما، وربما يعود هذا إلى اعتقاد الكاتب بأنّ العاميّة في الحوار هي من لوازم الواقعيّة، فالحوار بالعاميّة ينسجم وطبيعة الأمانة في نقل الواقع. لكنّه في اتّساعه يربك القارئ العربيّ الذي لا يفقه اللهجتين العاميّتين المتواترتين، اللبنانيّة والفلسطينيّة، بحيث أنّ الكلام المنطوق يعود إلى لهجة هذين الشعبين. ثم إذا كانت العاميّة تجسيدا للفن الواقعيّ، فإنّ هذا لا ينسجم مع طبيعة الوظيفة المحدّدة والواضحة للأدب، وهي الارتقاء بالواقع نحو صورة العمل الجميل. وهذا ما نراه تناقضا مع ممارسة الكاتب ورؤيته حول الأدب على لسان أحد الشخوص في الرواية حين يقول: "على الأدب ألّا يقلّد الواقع، الواقع هو الذي يقلد الأدب وليس العكس". لا يعني ذلك أنّ وجود العاميّة مشكلة، فربّما كان العكس هو الصحيح.
لغة الرواية هي التي تحيلنا إلى تصوّرات الروائيّ وإلى العالم الذي أنتجه والذي يريد تصويره، فلا مناص إذن من استنطاق هذه اللغة من حيث الحقول الدلاليّة والصور البيانيّة المتواترة ونوعيّة الجمل والتراتيب.
كثُرَ استخدام الاستفهام في الرواية، في الحوار وفي السرد. في الحوار طوّر الأحداث بشكل رائع وأشار بقوّة إلى طروحات النصّ. فالسؤال بصياغاته المختلفة غلبه صدى أيديولوجيّ فكريّ. فالنقاشات التي دارت بين الشخوص حملت الكثير من نقاط تدعو للتوضيح وللتفكّر.
سألت "هند" "كريم": "ليش انت هيك؟" أجاب: "ليش الحرب؟" منذ ذلك اليوم تعلّم نسيم أن يجيب عن السؤال بسؤال. "ما معنى النهاية؟"، "ليش تبعثوها للموت؟".
من الجدير ذكره أيضا أنّ الجمل الموجزة كثيرة. وهي توحي إلى دلالات أكبر منها. "الحرب الأهليّة هي لعبة انحناء"، "حين يبدأ الانحناء يصير طريقة حياة"، "الحرب هيك وإحنا لازم نعيش"، "الحرب الأهليّة بتبهدل" وغيرها الكثير.
العاميّة الصرفة التي استخدمها في لغة الحوار بشكل طاغ كان لها كلّ الفضل في تصوير المجتمع اللبنانيّ بشكل واقعيّ وحقيقيّ، وكأنّك تشاهد مشهدا يحدث الآن أمامك. المفردات العاميّة اللبنانيّة منحت الرواية بطاقة هويّة لبنانيّة تتواءم وحربها اللبنانيّة.
//إجمال
ويرحل كلّ شيء إلّا الحرب لا ترحل...
وإنّ رحيلا واحدا حال بيننا وفي الموت من بعد الرحيل رحيلُ
(المتنبي)
هو الرحيل إذن، يتشكّل من خلال صور عديدة؛ رحيل الأحلام، رحيل الحبّ وحكايا الحبّ، رحيل المغامرات الغراميّة وانطفاء وقودها، رحيل العمر والشباب.. رحيل الحياة ومشاهد الحياة.. يرحلّ كلّ ما يرحل إلّا الحرب!
وباءت محاولة العودة إلى لبنان بالفشل، فيختار اللبنانيّ "كريم" الرحيل ثانية والعودة إلى الغربة الآمنة بعيدا عن وطن ملغوم مأزوم. هو رحيل متجدّد كتجدّد الموت في بيروت.
"مزّق الرسالة ورمى بها أرضا فوق نثار الزجاج المطحون، أغمض عينيه، وجلس في عتمة روحه، وقرّر أنّ معانقة العتمة في مدينة تشبه بيروت تقود إلى الموت وفكّر أنّ هذا الموت يصلح لرواية يكتبها إلياس خوري". بهذه الكلمات ينهي إلياس خوري روايته "سينالكول"، التي تنطلق أحداثها من بيروت عام 1990 لتعود في رحلة زمنيّة إلى بداية الحرب اللبنانيّة، وفي هجرة جغرافيّة إلى فرنسا.
إنّه الرحيل، إنّه الهروب.. كريم وهو الشخصيّة المركزيّة في رواية "سينالكول"، يهرب وكأنّ هروبه وتهرّبه الحجّة الفنّيّة التي حرّرت النصّ من همّ البحث في الحرب أو تأمّلها، وإن ساهمت في المقابل بتصوير المأساة الذاتيّة للشخص المثقّف في ظروف الحرب. الإنسان الذي حاول أن يعود وباءت محاولة العودة بالفشل. لم يجد في بيروت ما يبقيه، فمشاهد الحياة تتشوّه تدريجيّا والمستقبل لا يشير إلى خروج من المأزق.
حاولنا على طول هذه الصفحات معاينة ملامح الحرب حينا ومراوحة تداعياتها أحيانا، كما الطوائف والأديان طورا والموجات السياسيّة أطوارا، وجدنا الرواية تقوم على ثنائيّات تذكّر بتشبيه لبنان بطائر لا يطير إلّا بجناحين، للكناية عن تكوّنه من طائفتين جعلتاه ما هو عليه: المسيحيّة والإسلام. الشقيقان شبه التوأمين "نسيم" و"كريم"، لبنان والهجرة، العلمنة والدين، الذاكرة والنسيان، الصمت والثرثرة، الجنس والحبّ، الرجل والمرأة، الحياة والموت، الشجاعة والجبن، العلم والجهل، الجنوب والشمال، سورية وإسرائيل، وغيرها كثير من أقطاب تتناقض وتتكامل حتى ليبدو كلّ مشهد من مشاهد الرواية حلبة صراع يريد من عليها أن يثبت وجوده من دون الخضوع لجانب على حساب الآخر. وهذه هي مأساة لبنان وعقدة الرواية.
هكذا، كنّا أمام رواية تعدّ جردا لمرحلة حساسة في تاريخ لبنان والعالم، قدّم فيها الكاتب مشاهد حيّة عن الموت الجاثم على تراب بيروت، والمتجدّد مع هذه الأجيال المتعاقبة.
حاولنا جاهدين أن نقف على مواضيع الرواية التي حملتها الرواية والحرب فيها، فأشرنا إلى الشخصيّات وما شابها من تشويه في زمن الحرب، واضطرّها إلى الهرب خارج لبنان كما فعل كريم.
وقفنا على بُعدَي الحرب من سياسة ودين، وحاولنا أن نصوّر عالما حيّا من الخلافات بين الأطراف المتحاربة. بدءا من البيت الصغير "عائلة نصري الشمّاس" وصولا إلى البيت الكبير "العائلة اللبنانيّة".
وكما قالت الرواية على لسان أحد شخوصها:
"ما حدا بهالحرب بيستاهل نسمّيه ضحيّة، مجرمين وبس، منشان هيك العدالة ما بتعنيني، لأنّها بتبيّن كأنّه في ظالم وفي مظلوم، أنا بدّي قول إنّ كلّ اللبنانيّين ظالمين".
//كلمة أخيرة..
لا تبنى الأوطان إلّا بسواعد أبنائها، وإذا تخلّى الأبناء عنها فمن يبنيها ويعمّرها؟!
صوت عال من الرواية يصلنا، بدون الإنسان لا نعيد للأرض سلامها. أنت الداء والدواء، فقم واحمل محراثك وعد إلى بلدك وانزع ثوب الحقد والقسوة عنها لتأمن مكانا لك ولبيتك.
وكما قال "نسيم" لأخيه "كريم"، حين جاء يبلغ أباه بسفره إلى فرنسا:
"وين ما رحت، ما فيك تروح لمطرح، رح ترجع لهون، لأنّه الموضوع كلّه هون".
الصورة: من معرض الفنان اللبناني وليد رعد "مجموعة أطلس 1989- 2004"، وفيه تناول العلاقة بين المتخيل والواقع للحرب الأهلية اللبنانية



.png)

.png)






.png)
