مريم على درب خلاصها (1-3)| لينا الشّيخ - حشمة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

قراءة تحليليّة لرواية "على درب مريم" للكاتبة المقدسيّة نادية حرحش

"على درب مريم" هي رواية تسبر أغوار التّاريخ الّذي لا تحكيه كتب الدّراسات. تجمع بين التّاريخ القديم والمعاصر والأساطير والدّيانات. تكشف عن ويلات النّكبة والتّهجير وعذابات الشّعب الفلسطينيّ. كما تكشف النّقاب عن ثورات "الرّبيع العربيّ" الّذي انقلب خريفًا، وما لحق سورية من دمار في السّنوات الأخيرة على وجه الخصوص. تخترق التّابوات السّياسيّة والدّينيّة والاجتماعيّة؛ فتدين التّطرّف الدّينيّ وتنادي بالمحبّة الإنسانيّة. كما تدين تابوات الشّرائع وتنتقد التّوجّهات المكبّلة بالموروثات السّلبيّة. ولا تخلو من علم الاجتماع وعلم النّفس والفلسفة. إنّها رواية رمزيّة قد تقرأ بأربع مستويات دلاليّة: نسويّة، فلسطينيّة، عربيّة وإنسانيّة.

هي رواية عن القدس/ المكان بقدر ما هي رواية عن مريم/ المرأة، فتقف الكاتبة على أسوار القدس القديمة وتاريخها. إنّها إعادة بعث للماضي وتوثيق تاريخه. إنّها إدانة التّاريخ وسؤال الحقّ والحقيقة؛ سؤال الماضي في مواجهة الحاضر، والعكس صحيح كذلك. لذا تأتي الرّواية توثيقيّة تسجيليّة تعتمد التّوثيق وإثبات المراجع، فتحمّل كلّ شخصيّة من الشّخصيّات اسم قرية أو مدينة فلسطينيّة تعرّفها الكاتبة في أسفل الصّفحة وتقدّم نبذة عنها، لتؤكّد بهذا أنّ الإنسان الفلسطينيّ يحمل تاريخًا على أكتافه؛ فمثقلٌ هو بتاريخه، وهو نتاج هذا التّاريخ المتراكم، ومحصّلة هذا التّشويه والظّلم. تؤكّد أنّ تاريخ الإنسان الماضي والحاضر هو ما يشكّله ويشكّل أفكاره وتوجّهاته وهويّته؛ منذ أن يولد يحمل إرثًا عظيمًا من التّرسّبات والموروثات، حتّى من اسمه وديانته.

تتناول الرّواية حكايات أربع نساء. كلّ واحدة منهنّ اسمها "مريم". تبلغ الرّواية 404 صفحات، مقسّمة لأربعة فصول أساسيّة. تخصّص الكاتبة كلّ فصل لإحدى المريمات. وتأتي الفصول الأربعة الأولى مرقّمة من واحد إلى أربعة بالتّرتيب، ثمّ يليها فصل قصير جدًّا لا يتعدّى خمس عشرة صفحة معنون بـ " تمار"، وتحته الرّقم صفر. لا أعتبره فصلًا، لأنّه برأيي جزء من الرّابع وحول هذا سأبيّن لاحقًا.

درست المريمات في مدرسة واحدة في القدس قبل عشرين سنة، ثمّ توزّعت دروبهنّ بين القدس ونابلس ورام الله وغزّة وأمريكا. تبدأ الرّواية بانتظار الغد للقاء يجمعهنّ مجدّدًا في القدس للاحتفاء بمئويّة المدرسة. تحكي كلّ مريم حكايتها في فصلها الخاصّ بها. تحكي بضمير المتكلّم وتبوح بمونولوج مباشر بذكرياتها البعيدة والقريبة؛ تاريخ أسرتها وأجدادها وما حلّ بهم بعد النّكبة، أحداث قصّتها في درب آلام عمره عشرون عامًا منذ تركت المدرسة. يضاف إلى ما كان منذ ولادتها، كاشفة عن علاقتها ببقيّة المريمات، متشوّقة للقاء الغد الّذي سيجمعهنّ في الاحتفال. وبعد أن تنتهي مريم الرّابعة من سرد حكايتها في الفصل الرّابع يتحقّق اللّقاء في "الفصل" المعنون بتمار. لكنّه لم يكن لأجل الاحتفاء بالمئويّة، بل يجتمعن في المستشفى حول سرير مريم الأولى بعد إصابتها برصاص جنديّ إسرائيليّ، حيث تقتل تمار في الحادثة نفسها إثر محاولتها كسر منع التّجوّل والإصرار على دخول المعبر إلى القدس. ثمّ تخرج المريمات لتوديع تمار إلى مثواها الأخير في المقبرة المطلّة على كنيسة مريم المجدليّة. وتنهي الكاتبة روايتها بنشيد من فردوس الكوميديا الإلهيّة لدانتي. هي إذًا القدس مركز الأحداث؛ فيها اجتمعت المريمات، هناك بدأ لقاؤهنّ، وهناك انتهى كذلك: "كم هي غريبة القدس! بقدر غرابة وجود أربعتنا في مكان واحد، وكأنّ الأسماء كلّها انحصرت في مريم، كالقدس نفسها، كأنّ المدن كلّها تقهقرت في جوف هذه المدينة"(ص185).

 

تجانس الشّكل والمضمون

"على درب مريم" هي "ملحمة" روائيّة معقّدة التّركيب والمضمون والمبنى. فحاكت الكاتبة حبكة روايتها بشكل متشابك، متين ومحكم. فتجانس الشّكل مع المضمون واستجاب الواحد للآخر بتناغم. ترتكز الرّواية على عدّة تناصّات أساسيّة تشكّل معانيها ومضمونها وأسلوبها ومبناها ورموزها وعتباتها، وأهمّها: "الكوميديا الإلهيّة" لدانتي، "لغز عشتار" لفراس السّوّاح، رواية "صبوات" لهنري ميلر، "طوق الياسمين" لواسيني الأعرج، "لماذا أكتب؟" لجورج أورويل، "المواقف والمخاطبات" للنّفّري، رواية "المنتظرة - سرّ مريم المجدليّة" لكاتلين ماك غوان. تستوجب هذه التّناصّات المكثّفة أن يكون القارئ على قدر كافٍ من الثّقافة والعلم والمعرفة واليقظة كي يدرك عمق هذا التّداخل النّصيّ والعلاقة الحواريّة بين هذه النّصوص المتشابكة، وأغراض توظيفها ودلالاتها. وتتميّز هذه الرّواية، إضافة إلى هذه التّناصّات، بخصوصيّة هندسة عتباتها المحبوكة والمدروسة بذكاء. فتبنى الرّواية من عتبات أو ما يسمّى "المناصّ" حسب النّاقد الفرنسيّ "جيرار جينيت". فمن "فردوس" كوميديا دانتي تجعل الكاتبة لها نصًّا علويًّا يقابل النّصّ السّفليّ/ المتن في كلّ صفحة تقريبًا. حيث يتحوّل نشيد الفردوس/ النّصّ العلويّ إلى نصّ المتن نفسه في نهاية الرّواية. فيشكّل المناصّ نصًّا موازيًا لا يقلّ أهمّيّة عن نصّ الرّواية ومتنها.

 

بين مريم وأسطورة عشتار

تدافع "على درب مريم" عن حقوق المرأة وتسعى لاستعادة ما سلب منها عبر التّاريخ القديم والمعاصر. تطرح عبر قصص المريمات هموم المرأة الخاصّة والعامّة؛ همومها كامرأة تبحث عن ذاتها في ظلّ عوائق شرسة يحاصرها بها مجتمعها الذّكوريّ السّلطويّ، ثمّ هموم الوطن والإنسان عامّة. ولمّا كان الزّواج في كثير من الأحيان مؤسّسة قامعة للمرأة فإنّ الطّلاق لا يقلّ عنه ظلمًا، بل يمسي وصمة عار تلاحقها. فتدين الكاتبة المجتمع الشّرقيّ الّذي هو أقلّ دعمًا للمرأة المطلّقة. وتنتقد بشدّة الزّواج من امرأة ثانية تحت غطاء الشّرع والدّين، خصوصًا في ظلّ التّعصّب الدّينيّ والإفراط بالتّديّن. ثمّ وجوب رضوخ المرأة الأولى كي تبدو بنظر المجتمع: "المرأة الصّالحة الّتي لا تعترض على أمر الله وشرع الواقع"(ص 92).

تتطرّق الرّواية كذلك إلى قضيّة الأحكام الجائرة الّتي يطلقها المجتمع الذّكوريّ على نسائه. وهذا يوضّح لماذا تناصّت هذه الرّواية مع المريمين: العذراء والمجدليّة. فالمجتمع الذّكوريّ الّذي يحصر المرأة في بوتقة أعرافه وشرائعه يطلق أحكامه ويوزّع "شهادات أخلاقيّة" من شأنها أن تترسّخ في الوعي الجمعيّ حتّى تمسي صيتًا راسخًا أو وصمة يصعب محوها؛ فتصبح "سجنًا" مجازيًّا يحاصر المرأة ويكبتها. إنّ المجتمع الذّكوريّ السّلطويّ المحافظ الّذي يختلط فيه الدّين بالأعراف والموروثات يقوم بهذا التّوزيع الآليّ للنّساء بين مجموعتين: المرأة العذراء الطّاهرة كمريم العذراء، أو اعتبارها "العاهرة الفاسقة" كمريم المجدليّة، على الرّغم من تأكيد براءة المجدليّة وطهارتها من هذه التّهمة في القرن العشرين. هو مجتمع يوزّع النّساء في قوالب وبوتقات. وهذه القوالب هي أحكام. وهذه الأحكام قد تبنى على آراء ذاتيّة ليست موضوعيّة. وقد تكون محكومة بتهم جارفة باطلة دون أدلّة أو شواهد.

وعليه، لم تختر الكاتبة اسم "مريم" لبطلات روايتها عبثًا. فهذا الاسم له إرث تاريخيّ ودلالة دينيّة واجتماعيّة. فتؤكّد الرّواية أنّ كلّ النّساء فيهنّ من مريم. فإمّا فيها من العذراء: الأمّ والحبيبة، المرأة والأمّ الثّكلى. وإمّا من المجدليّة: المرأة الّتي سلب منها صكّ الطّهارة، المظلومة المنكوبة الّتي سارت في درب آلام المسيح مع أمّه العذراء، مسلوبة الحقّ والمتّهمة بالعهر. فإمّا أن تكون المرأة مهمّشة مقهورة مظلومة بجور الأحكام والتّقوّلات، فتُضطرّ إلى رحلة البحث عن صكّ البراءة. وإمّا أن تكون الأمّ أو الحبيبة، فتبكي عذاباتها ومرارة الفقدان. إنّ المرأة هي أكثر من يعاني من القهر والألم والقيد في ظلّ مجتمع ذكوريّ يهيمن عليه الرّجل، وفي ظلال مفاهيم ذكوريّة مستبدّة تجعل الواقع جحيمًا والحياة أقرب إلى مقبرة في ظلال الوجود.

تكرّس الكاتبة روايتها في أعمق دلالاتها حول سؤال البحث عن تحقيق الذّات؛ بحث المرأة عن الحبّ والسّعادة والحرّيّة في ظلّ مجتمع ذكوريّ سلطويّ، ورجل أنانيّ استغلاليّ خائن وعنيف. فتدفع شخصيّاتها للبحث عن الحبّ كحقّ من حقوقهنّ، لأنّه هو الحبّ ما يمنح المرأة الإحساس بالحياة، قيمتها ووجودها. فهو الحبّ عندها معادل للحرّيّة والحياة. فتدين التّاريخ الذّكوريّ وتكشف عذابات المرأة منذ انهيار "فردوس الأرض" مع سقوط عشتار-الأمّ الكبرى وتحوّل المجتمع الأموميّ إلى مجتمع ذكوريّ أبويّ. فتتناصّ الرّواية مع أسطورة عشتار الإلهة ونزولها إلى العالم السّفليّ للبحث عن حبيبها وبعثه؛ "فمريم العذراء الّتي ظهرت في فلسطين ليست إلّا تجلّيًا للأمّ الكبرى عشتار"(ص7). فمع هذه العتبة ندرك أنّ مريم ليست إلّا عشتار؛ هي تجسيد لعشتار الّتي فقدت حبيبها تمّوز فنزلت إلى العالم السّفليّ للبحث عنه. وهي كذلك مريم العذراء الّتي فقدت ابنها وعاشت لحظات فقدانه المريرة فبكت آلامه.

تعيش المريمات مرارة جحيم الواقع وعذاباته، وتتوق الواحدة منهنّ إلى التّطهّر من ظلماته، وصولًا إلى "فردوسها" حيث تحقيق الذّات، الحبّ، الحرّيّة والسّعادة. تجسّد الكاتبة عشتار في شخصيّة مريم فتمنحها ميزاتها وملامحها، لكنّها لا تبدأ في الفصل الأوّل من العدم، بل من نهاية دورة سابقة. كانت مريم الأولى ابنة نابلس يتيمة الأب، كعشتار قويّة الشّخصيّة، ذات عنفوان ومختارة كأمّها. كانت كعشتار حين وجدت تمّوزها في شخصيّة "جبرين"، ابن العائلة المرموقة. عاشت معه أجمل قصّة حب لمّدة أربع سنوات في الجامعة ثمّ تزوّجا. كان جبرين كلّ أحلامها. لكن، بعد عدّة سنوات تفقد هذا الحبيب حين تكتشف خيانته لها مع مساعدته في العمل وزواجه منها. هنا تنزل مريم إلى العالم السّفليّ وتعترف أنّها بدأت "تعيش في الجحيم"(ص 80)، تتلوّى بمرارة الاغتراب والذّلّ، باحثة عن السّعادة المفقودة. يطلب جبرين الطّلاق لكنّها ترفض بشدّة، تتمسّك به وبعقد الزّواج. وانتقامًا منه تخونه مع قاسم، الموظّف في شركة زوجها والّذي كان مغرمًا بها. تخلع النّقاب وتبتعد عن كلّ ما كان يشكّل حياتها سابقًا. لكنّ تمار صديقتها الواعظة تعيدها إلى عالم التّديّن. فتصبح حياتها بين تمار وقاسم كأنّها تعيش في عالمين متناقضين.

أمّا مريم الثّانية ابنة غزّة فهي أكثرهنّ معاناة. تبدأ الكاتبة من حيث انتهت الأولى، أي من الجحيم، كجحيم دانتي. فتجسّد حياتها أفظع أنواع الجحيم وظلماته. فعلى الرّغم من أنّ والديها كانا على قيد الحياة إلّا أنّها عاشت "كاليتيمة، كالرّحالة، كاللّاجئة". وهي هنا تجسيد لحياة الفلسطينيّين الّذين كُتب عليهم "المنفى واللّجوء والحروب والفقر والكثير من الانتهاكات الإنسانيّة والنّكبة المستمرّة كشعب وأفراد"(ص116). في طفولتها اغتصبها أخوها فعاقبتها والدتها كأنّها هي الجانية، وأدخلتها مدرسة داخليّة في القدس. وفي الأوّل ثانويّ حين علم والدها بخروجها من المدرسة مع صديقتيها إلى البلدة القديمة لشراء عشبة لشفاء الخالة دالية تعاقب كما لو أنّها جلبت العار. وكان الشّرط لرجوعها إلى المدرسة هو قبولها بالخطوبة من ابن عمّها. ويتمّ عقد القران دون علمها فورَ تخرّجها. وقبل حفل الزّفاف يغتصبها خطيبها، فتسرق أحلامها منها، وتصبح بلمح البصر "حلالًا" لشبهِ رجلٍ تكاد لا تعرف عنه إلّا وحشيّته: "أدفع ثمن اغتصابه لي مرّةً، واغتصاب عمري من قبل أهلي الّذين باعوني هكذا عنوة"(ص126). تأكلها نيران جحيم آخر حين تصبح أمًّا لولدين بمتلازمة داون، يعانيان العذاب المرير في المستشفيات حتّى يقتلا إثر قصف على غزّة في إحدى حروبها مع إسرائيل. تسعى إلى الطّلاق وتتوق إلى تحرّرها لكنّها كانت رهينة أخيها؛ فمصيرها كان متعلّقًا بأخيها وزوجته (أخت زوجها)، وطلاقها يعني طلاقه. تبقى معلّقة بزواجٍ افتراضيّ، لم تكن فيه مطلّقة ولا متزوّجة. وتجد نفسها في جحيم أشدّ حين تكتشف أنّ أمّها "سارونا" كانت على علاقة شاذّة مع خالها صميل. تكتشف مريم حقيقة أسرار جحيمها حين عوقبت عقابها الأوّل على جريمة أخيها بحقّها، ثمّ عقابها بتزويجها لزوج أرادته أمّها لها للانتقام من شعورها بخطيئتها، فقدّمتها قربانًا لابنها المفضّل وسمحت بسفاح القربى وتغاضت عن اغتصابات زوج ابنتها وخياناته.

تساعدها مريم الثّالثة الّتي تمكث في أمريكا على إيجاد عمل لها في رام الله، فتنتقل لتعيش هناك. وفي رام الله تتعرّف على "فرعون الغوشي" حيث تصدّق أنّه "إنسانيّ" وأنّه يحبّها، لكنّها تكتشف أنّه كان يستغلّها، فتدرك أنّ الرّجل "الوحش" لم يكن زوجها فحسب، بل هم كثر. تنجح في التّخلّص من زوجها فتخلعه بعد عدّة أعوام لتجد حرّيّتها. وهنا تبدأ حالة من الارتقاء الرّوحيّ والتّطهّر كما لو أنّها في "المطهّر" في كوميديا دانتي، وذلك حين تحصل على شهادتها الجامعيّة وتصبح محاضرة في الجامعة وتتذوّق طعم الحبّ مع تلميذها "أسد"، رغم معارضة والدته لهذه العلاقة لأنّها مطلّقة.

إذا كانت مريم الثّانية قد حرمت من الحبّ وفرض عليها الزّواج دونه فإنّ مريم الثّالثة قد أحبّت دانيال منذ أن كانا صغيرين، ثمّ تزوّجت منه بعد تخرّجها من المدرسة وانتقلت إلى أمريكا معه، ثمّ أنجبت ابنتها كاترين. إلّا أنّها تسقط في الجحيم حين تكتشف شذوذ زوجها الجنسيّ وخيانته لها على سريرهما. تصاب بصدمة عصبيّة حادّة لمدّة ستّة أشهر. تكتشف أنّها خدعت بهذا الحبّ، كعشتار فقدت حبيبها، وكعشتار ستبحث عن حبيبها الحقيقيّ خارج هذا الجحيم. وكي ترتقي خارج هذه الظّلمات تلتحق بكلّيّة الصّحافة، حلمها الأبديّ، فتعمل عند سيمون. أحبّته لكنّ حبّها هذا كان ناقصًا ومحرّمًا، فسيمون متزوّج وأكبر منها بكثير. كما أنّه تعامل معها كما لو أنّه قفصها وهي عصفورته. وهذا يفسّر لماذا كان يناديها بعصفورته! يمثّل سيمون الرّجل الذّكوريّ الأنانيّ الّذي يرفض تفوّق المرأة عليه فيحاصرها في سجنه. ويتجلّى هذا في رفضه أن تكتب مريم رواية. الأمر الّذي يجعلها تبحث عن حبّ مقرون بالحرّيّة، منزوع القضبان وغير مشوّه بذكوريّة متسلّطة: "رجل كامل، لا يحمل شبه إنسان محطّم"(ص 254-255).

تجسّد مريم الثّالثة رحلة البحث عن الحبّ و"الرّجل الكامل" دون شوائب ذكوريّة قامعة. فلم يكن عبثًا أن تتوق إلى التّحرّر من "عقد الحبّ الخاطئ": "كنت أحتاج أن يموت سيمون بداخلي. كنت بحاجة لإعلان الوفاة ودفنه من حياتي". كانت بحاجة إلى هذا الموت كي تتحرّر من سيطرته عليها فتفكّ قيده وتتطهّر منه. علّ موته يبعث حبًّا جديدًا أشدّ نقاء. تسعى إلى تطهير ذاتها منه كي تحقّق ما فعلته عشتار بنزولها إلى العالم السّفليّ؛ النّزول فالتّطهّر فبعث الحياة من جديد ثمّ الصّعود والارتقاء الرّوحيّ. وهذا بحدّ ذاته لا يختلف في حقيقته عن رحلة دانتي في "الجحيم" ثمّ "المطهّر" ثمّ "الفردوس". وهذا يعيدنا كذلك إلى سبب تخصيص الفصل الثّالث لمريم الثّالثة المسيحيّة. فالثّلاثة رمز ثالوث المسيحيّة، وهي البعث والقيامة. يتحقّق تحرّرها منه إذًا حين تحقّق حلمها في كتابة الرّواية ونشرها، ثمّ سفرها إلى سورية لتغطية أخبار الحرب، حيث تتعرّف إلى "جهاد"، الفنّان السّوريّ، فتعيش معه قصّة حبّ ترتقي بروحها من جحيم الأرض إلى نور الفردوس. لكنّ هذا الفردوس لا يكتمل بسبب معارضة أهلها زواجها من جهاد المسلم: "فما تفرّقه بيننا الحروب، وتمزّقه الأوطان يهلكه الدّين"(ص287). لم تحقّق حلمها بالزّواج منه حتّى نهاية فصلها. وتنتهي الرّواية دون أن يعرف القارئ، كما في فصل مريم الثّانية، إذا ما كانت ستتزوّج منه رغم معارضة الأهل أم لا.

وإذا كانت الثّالثة قد اقتنعت بضرورة زوال الدّيانات لأنّها تستغلّ عند الكثيرين للتّفرقة، ولمّا كانت هي العائق أمام حبّها، فإنّ الكاتبة تحقّق مع مريم الرّابعة الكمال المرجوّ حين تجمع فيها كلّ الدّيانات والثّقافات فتزيل هذه التّفرقة: فجدّتها الأولى قبطيّة، والثّانية يهوديّة، وهي الفلسطينيّة المسلمة. وإذا كانت الثّالثة لم تحقّق الزّواج من حبيبها "التّمّوزيّ" فإنّ الرّابعة تحقّقه. فهي الأكثر اكتمالًا وتطوّرًا وتطهّرًا بين كلّ المريمات. كانت أمّها "دالية" طبيبة، "ملاكًا حقيقيًّا" وذات شخصيّة قويّة كعشتار. أخذت الرّابعة تمارس أمومتها بعد وفاة أمّها وهي في مرحلة الثّانويّة، فنجحت في تدبير أمور البيت وقيادته على الرّغم من أنّ والدها حيٌّ يرزق. إذ تتعمّد الكاتبة تهميش دوره لتحقّق أسطورة عشتار، فتجعله بخيلًا غير قادر على إدارة البيت، مقابل تعزيز شخصيّة مريم الرّابعة الّتي بدت كعشتار كذلك. والبخل عاهة ورذيلة كما ورد في كوميديا دانتي.

تتابع الرّابعة درب أمّها وتمارس أمومتها دون أن تكون أمًّا. تعلّمت وعملت طبيبة نفسيّة، فأصبحت امرأة واعية لذاتها وللنّفس البشريّة، مثقّفة، قادرة على التّعامل مع الآخرين، قادرة على تحليل النّفسيّة والبحث في الذّات وإدراك الصّراعات. كانت تدرك كيف تتكيّف مع كلّ الظّروف ودائمة الاستعداد للمصيبة القادمة. فبدت أقرب إلى المثاليّة من كلّ المريمات، وتنجح في تطهير روحها من كلّ الأدران البشريّة وبلوغ حالة من الصّفاء والتّحرّر كما لو أنّها مرّت في جحيم دانتي ثمّ مطهّره وصولًا إلى أعلى سماواته حيث الفردوس. ويتجلّى "الفردوس" وتكتمل ذاتها بتعرّفها على المحامي "فارس" الّذي هو تجسيد لعشق الرّجل في أجمل تجلّياته، فتتذوّق معه طعم الحبّ الفردوسيّ وتتزوّج منه وتحمل بـ "يافة"، لكنّ ابنتها تموت بعد ولادتها فتتجرّع أسى الفقدان. هكذا تتذوّق "فردوس" السّعادة وتبلغها لكنّها لا تحقّقها بمفهومها الكامل المطلق.

وعليه، حتّى نبلغ أعماق الرّواية يجدر بنا أن نعتبر المريمات واحدة. فبقدر ما تختلف وتنفصل وتتميّز الواحدة منهنّ عن الأخرى بقدر ما يمثّلن كلّهنّ معًا صورة متكاملة لمريم واحدة في رحلة حياتها، بكلّ مراحل تطوّرها العشتاريّة، وفي كلّ مراحل "ملحمة الكوميديا الإلهيّة" عند دانتي. هكذا يتّضح كيف نسجت الكاتبة حبكة روايتها بين هذين الكتابين فحاكت أحداث روايتها وبَنَت شخصيّاتها. فتوظّف الكاتبة أسطورة عشتار وتغلّفها بحياة المريمات تحت ستار من الرّموز والإشارات الكثيفة. فتقوم المريمات بتمثيل أسطورة عشتار وتجسيدها بكلّ مراحلها. ويحدث التّطوّر على امتداد فصول الرّواية الأربعة. تمامًا كفصول السّنة وكدورة الحياة في الأسطورة. تمزج هذا مع دانتي في رحلته في الكوميديا الإلهيّة: الجحيم، المطهّر والفردوس. في كلّ فصل تصعد مريم قليلًا عبر سماوات دانتي فتتطهّر وتتزوّد بأسلحة تمكّنها من إعادة صياغة تاريخها كي تخرج من الجحيم الّذي سقطت فيه منذ سقوط عشتار وهيمنة الذّكوريّة القامعة، وكي تصعد إلى فردوسها حيث السّعادة والحبّ والحرّيّة والنّور الإلهيّ. فنجد الرّابعة أكثر المريمات قدرة على بلوغ هذا، وأكثرهنّ تمرّسًا ووعيًا في المشي في درب الآلام.

وبرأيي، تجسّد الكاتبة من خلال المريمات التّحوّل في مكانة المرأة عبر العصور التّاريخيّة، وتدين بشكل خاصّ التّطرّف الدّينيّ وظلمات إرهابه في هذا العصر. فبدأت مع الأولى من عصر كانت للمرأة فيه مكانة مرموقة في مجتمعها، مثقّفة متعلّمة. كانت "مختارة" كعشتار مهيمنة على واقعها، ندًّا للرّجل؛ رجل حبيب يحبّها ويقدّرها. إلّا أنّ التّدهور يبدأ مع تشدّد المجتمع الذّكوريّ حين يبلغ مع مريم الثّانية أقصى درجات جحيمه مع تفاقم التّطرّف الدّينيّ والمغالاة في التّديّن والتّعصّب، فتفقد المرأة مكانتها وتتحوّل إلى سجينة للرّجل، تمسي سلعة في يده، يغتصبها وينتهك حقوقها ويتحكّم بها باسم العادات والشّرع والدّين. أمّا الثّالثة فتوحي بحالتها إلى التّغيير الحاصل مع المرأة في العقود الأخيرة، حيث أخذت تزداد وعيًا لحقوقها، ونجحت في الكثير من الأحيان باستعادة مكانتها وحرّيّتها واستقلالها، رافضة هيمنة الرّجل عليها وتملّكه لها، وصولًا إلى الفصل الرّابع حيث تحقّق الكاتبة مع مريم الرّابعة ما تتوق إلى تحقيقه في أرض الواقع؛ واقع أشبه بالفردوس، تسوده المحبّة، دون نزاعات أو صراعات دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة. واقع فيه الرّجل فارسًا يحبّ المرأة ويقدّرها، والمرأة فيه قد حقّقت وجودها وذاتها وحرّيّتها. إلّا أنّ الكاتبة لا تنجرف بخيالها، بل تدرك أنّ الواقع ليس رومنسيًّا فردوسيًّا إلى هذه الدّرجة، بل هو أقسى من الخيال.

 فلا شكّ أنّ المرأة قد حقّقت انتصارات عظيمة واخترقت التّابوات القمعيّة الظّالمة إلّا أنّ هناك تحدّيات وعوائق لا تزال تعرقلها، لا بل ازدادت شراسة وقمعًا في العقود الأخيرة. وحتّى تؤكّد ذلك تميت ابنة الرّابعة لحظة ولادتها فتنقص من "كمال" سعادة الأمّ مريم وتخدش "فردوسها". ويتزامن هذا مع موت "تمار"، تمار الّتي اكتملت مريم الرّابعة بها ومعها. إنّ موت الابنة ثمّ موت تمار هي إشارة إلى النّزول إلى العالمّ السّفليّ من جديد. ممّا يعني أنّ الرّواية تنتهي من حيث بدأت بالضّبط. إذ بدأت مع موت "دالية" أمّ مريم الرّابعة. ودالية هي عشتار. وابنتها مريم الرّابعة ليست إلّا عشتار الّتي أكملت دورة أمّها. إنّها إذًا نهاية تحمل إيحاء بدورة جديدة وبداية جديدة.

وعليه، إذا كانت الرّواية تنتهي بفصل الرّبيع والقيامة والخلاص إلّا أنّها تنتهي بغُصّة عشتاريّة. فإذا كانت الكاتبة لدوافع نسويّة جعلت مولودة الرّابعة بنتًا لتشير إلى الألوهة المؤنّثة ونسلها فقد جعلتها تموت عند الولادة بالضّبط. وهذا إيحاء إلى سقوط عصر المجتمع الأموميّ وألوهة عشتار، وإيمان الكاتبة باستحالة عودته في هذا العصر. وإلّا فلماذا لم يكن الجنين ولدًا ذكرًا؟ كما تؤكّد الكاتبة أنّه على الرّغم من كلّ إنجازات المرأة الّتي حقّقتها إلّا أنّ بطولاتها ناقصة. وإلّا فلماذا تموت ابنتها عند الولادة، وتحديدًا عند بلوغها "الفردوس"؟ أمّا على الصّعيد السّياسيّ فيجسّد فقدانها لابنتها "يافة" إيحاء لفقدان الوطن. وإلّا لماذا لم تختر الكاتبة اسمًا غير "يافة"؟! إنّ "يافة" هي مدينة "يافا" الفلسطينيّة بما يحمله فقدانها من تداعيات وطنيّة وسقوط بالمعنى السّياسيّ. وعليه، في عصر الذّكورة الشّرسة هذا على الصّعيد النّسويّ، وعصر الظّلم وضياع الحقّ ونور العدل على الصّعيد الدّينيّ والسّياسيّ والاجتماعيّ والفلسطينيّ والعربيّ والإنسانيّ أجمع، لا اكتمال ولا سعادة مطلقة في جحيم الأرض؛ "فالعالم الّذي يسكنه البشر عبارة عن محاولة فاشلة لمحاكاة عالم النّور الحقيقيّ"(ص62).

هكذا، كلّ مريم تكمل الأخرى وتبدأ من حيث انتهت سابقتها. فتكتمل الواحدة بالأخرى لتكمل دورتها حتّى انتهاء الرّواية بفصل الرّبيع، أي تجدّد الحياة. تكمل الواحدة الأخرى تمامًا كما عند دانتي. وتمامًا كما في دورة الحياة وفصول السّنة الّتي لا تتوقّف عن الدّوران، وتمامًا كما في أسطورة الخصب والبعث في أسطورة عشتار. إذًا هنّ المريمات يشكّلن مريم واحدة.

وخلاصة القول: من هي مريم؟ وعمّ تبحث؟ مريم هي كلّ امرأة، بدروب آلامها، في رحلة حياتها على درب المجدليّة والعذراء، وبدمائها النّازفة عبر التّاريخ. هي كلّ امرأة مثقّفة واعية لحقوقها تبحث عن تحقيق ذاتها ووجودها في ظلمات مجتمعها الذّكوريّ المهيمن. منذ بدء الرّواية تدخل كلّ مريم رحلة البحث عن حرّيّتها، الحبّ المتكامل والسّعادة حيث الحبّ غير الأنانيّ مع رجل منزّهٍ عن الذّكوريّة المتسلّطة، رجل متحرّر من كلّ التّشوّهات والموروثات؛ "فالحبّ في قلبٍ وجسد إنسان ليس حرًّا سيبقى منقوصًا"(ص384). هي إذًا رحلة بلوغ الفردوس على الأرض. أمّا على الصّعيد السّياسيّ فمريم هي كلّ فلسطينيّ يبحث عن خلاصه وحرّيّته وتحقيق وجوده. يبحث عن العدل، الحقّ والسّلام. أمّا على الصّعيد الإنسانيّ فهي الإنسان المقهور المظلوم الباحث عن العدل والحرّيّة في جحيم الأرض.

لقد استفادت الكاتبة بالاعتماد على آليّة التّناصّ من توظيف أسطورة عشتار لفراس السّوّاح والكوميديا الإلهيّة لدانتي وتطويعهما هنا في خدمة تشكيل مضمون روايتها، معانيها وحبكتها. ويأتي كلّ هذا لتجسيد حياة تمار كذلك. فمن يقرأ الرّواية دون أن يعير اهتمامًا لشخصيّة "تمار" لن يصل إلى أعماقها وستبقى الدّلالة ناقصة. إنّها برأيي شخصيّة محوريّة لا تقلّ أهمّيّة عن المريمات. فمن هي تمار إذًا؟ (يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين