قراءة تحليليّة لرواية "على درب مريم" لنادية حرحش
رواية في رموز وشيفرات
يبرز تجانس الشّكل والمضمون في رواية "على درب مريم" كذلك برمزيّة الأسماء والأرقام والتّواريخ والألوان. فلقد قسّمت الكاتبة روايتها على أربعة فصول كسنة كاملة. هي فصول حياة، نهايات فصول وبدايات أخرى. وهي الموت والبعث في أسطورة عشتار. ويتجلّى كذلك في تواريخ ميلاد المريمات. فالأولى ولدت في كانون أوّل أي الشّتاء، الثّانية في أيلول أي الخريف، الثّالثة والرّابعة ولدتا في آذار أي الرّبيع. أمّا تمار فقد ولدت في تمّوز أي الصّيف. ممّا يؤكّد أنّهنّ يمثّلن دورة الحياة والأسطورة ويؤكّد اكتمال الواحدة بالأخرى.
تبدأ الكاتبة مع الأولى في الشّتاء. والشّتاء ماء. والماء حياة. تكلّلت البداية بحبّ وزواج لكنّ حالها ينقلب مع خيانة زوجها. وهذا تمهيد للخريف في الفصل الثّاني. فالثّاني مع مريم الثّانية أشدّ الفصول جحيمًا، فالخريف يعني السّقوط والعالم السّفليّ وظلماته. والثّانية ستجد الحبّ مع أسد، لكنّه يظلّ خريفيًّا حتّى نهاية الفصل لمعارضة أمّ أسد. وإذا عاشت الأولى والثّانية في الفصلين الأوّل والثّاني في الجحيم في ظلّ الرّجل الخائن المغتصب فإنّنا في الثّالث والرّابع سنبدأ مع بداية الرّبيع، فنجد صورة إيجابيّة للرّجل الحبيب، فينبعث الحبّ المنشود ونبدأ الصّعود نحو السّعادة وتحقيق الذّات. ولهذا تختار الكاتبة اسم "جهاد" حبيبًا للثّالثة، واسم "فارس" حبيبًا للرّابعة. وهي أسماء لا تمتّ بصلة إلى أسماء القرى والمدن المهجّرة الفلسطينيّة بخلاف كلّ الأسماء، وذلك للتّأكيد على طهارتهما من ويلات النّكبة على الصّعيد السّياسيّ. الأمر الّذي يؤكّد كذلك أنّهما لا يحملان إرثًا ذكوريًّا اجتماعيًّا على الصّعيد النّسويّ. كما تمهّد الكاتبة لاسم "فارس" في الفصل الثّاني بأسد؛ فالفارس هو الأسد. والأسد رمز لتمّوز حبيب عشتار. وبرأيي اختارت الكاتبة اسم "فارس" تأثّرًا بقول السّوّاح في كتابة "لغز عشتار": "رجال المجتمع الأموميّ كانوا من أفضل فرسان عصرهم. وأكثر أنفة وفروسيّة من رجال العصر البطريركيّ"(السّوّاح، 2002: ص34).
تخصّص الكاتبة الفصل الثّاني لمريم الثّانية، فالرّقم اثنان رمز للازدواجيّة والتّضادّ. وهذا ما كانت عليه الثّانية حقيقة. وهو نفسه تجسيد لتضادّ عشتار نفسها مثلما أسلفنا، وتجسيد لتمار الّتي مهّدت له منذ الفصل الأوّل. أمّا الفصل الثّالث فيُخصّص لمريم المسيحيّة. والثّلاثة رقم الثّالوث. والقيامة في اليوم الثّالث. وهي الّتي ولدت في الحادي والعشرين من آذار، أي في بداية الرّبيع والبعث. وفي هذا الفصل تجد مريم الحبّ الرّبيعيّ النّابض للحياة. هنا يبدأ وجودها بالاكتمال. ولون الثّلاثة هو الأصفر. والأصفر هو النّور والإبداع. وهي الثّالثة كاتبة. أمّا الرّابعة فتحقّق حالة من الواقع المثاليّ يمزج بين الدّيانات والثّقافات بلا نزاع. وهذا ما تؤكّده رمزيّة الرّقم أربعة، فهو رمز للعدالة والتّوازن. ولونه الأخضر. والأخضر لون الخصوبة والبعث والرّبيع والصّعود.
وفي ميتاقصّ واضح تؤكّد الكاتبة عبر الثّالثة على أهمّيّة الكتابة في هذا الوجود. فالكتابة عند المرأة حياة وعنوان للوجود، وقد نشرت روايتها في آذار، شهر ميلادها، وشهر إعلان القمر وبداية الرّبيع. والقمر رمز لعشتار. وعشتار إلهة الخصوبة والبعث والجمال. والكتابة هي انتصار وبعث وتعزيز وجود. أمّا التّاريخ 22/ آذار فهو تاريخ الانبعاث الأنثويّ. فيه ولدت ابنة الثّالثة "كاترينا" تمهيدًا لمريم الرّابعة الّتي ستولد بهذا التّاريخ، ممّا يؤكّد التّعالق بين الثّالثة والرّابعة. والعدد 22 هو ميلاد المجدليّة حسب رواية المنتظرة. وهذا يعيدنا إلى موت برناردو بـ 22 / آذار، والّذي لم يكن موتًا بقدر ما كان قيامة. وهذا يتواءم مع قيامة المسيح. فبسبب موت برناردو ستنزل تمار/ عشتار إلى العالم السّفليّ لتتطهّر من الجحيم ثمّ تُبعث كبياتريس حيث تلتقي به في الفردوس. وهنا يتحقّق معنى القيامة والبعث. الأمر الّذي يؤكّد أنّ الموت هنا هو بعث لحياة جديدة.
أمّا اللّون الأرجوانيّ، اللّون المفضّل لتمار العشتاريّة، فهو لون الآلهة في الأساطير. أمّا بالنّسبة لتمار المجدليّة، فإنّ الكاتبة تستحضرها لتحتفي بها فتلبسها الأرجوانيّ، لأنّه لون الملوك ورمز للاتّحاد بالله واللّقاء مع المسيح. وهو لون التّكفير في الكنيسة أيضًا. والأرجوانيّ هو مزيج بين الأحمر والأزرق. والأحمر هو رمز للرّقم واحد أي لمريم الأولى، والأزرق كان رمزًا لمريم الرّابعة. وهذان اللّونان كانا لونيّ الحجارة في القلادتين. الأمر الّذي يفسّر تنبّؤ الطّابغيّ وأهمّيّة دوره في حبكة الرّواية. كما يؤكّد تشابك مصير المريمات وتمار إذ اكتملت بهنّ واكتملن بها. لذا يمنح العدد خمسة لتمار، فهو رمز لاكتمال العناصر والحماية، حيث كانت تمار الرّاعية لهنّ ووصفت بالملاك الحارس.
أمّا الغلاف فيهيمن عليه الأسود. يتخلّله أصفر بنسبة أقلّ. والأسود هو الجحيم والظّلام. والأصفر هو النّور والإبداع. لذا لوّن اسم الكاتبة وعنوان الرّواية به. وهو رمز لسماء النّور والحبّ الّتي صعدت إليها تمار. أمّا اللّوحة فهي توائم نسيجة مريم المذكورة في الرّواية، والّتي تكشف عن أربع مريمات بصور نصفيّة. وإذا كانت مريم قد أشارت إلى وضوح الوجوه في اللّوحة فإنّنا نلاحظ هنا تشويه معالم الوجوه، وتلفيعها بالسّواد الّذي يزول تدريجيًّا حين نصل الرّابعة. فاليسرى هي الأولى ونصفها العلويّ مغطّى بالسّواد، وتبدو أقرب إلى جسد في قبر. الثّانية تتكشّف ملامحها قليلًا، والثّالثة يبدو وجهها كالطّير مع أجنحة. وهذا يتواءم مع لقبها العصفورة. وقد يبدو على شكل مثلّث وبهذا يرمز للتّثليث وثالوث المسيحيّة. أمّا الرّابعة فهي الأكثر وضوحًا من بينهنّ جميعًا. وهذا يؤكّد كلّ ما ذكرناه.
ظهرت كلّ مريم كأنّها شقّان. في الشّقّ السّفليّ بدت كأنّها مغلّفة بالبرديّة. والبرديّات مخطوطات نجع حمّادي الغنوصيّة الّتي اشتملت على إنجيل المجدليّة. ممّا يعني أنّ تمار المجدليّة حاضرة في اللّوحة تتماهى مع كلّ مريم كما لو أنّها كَفَن يغطّيها. والكفن دلالة الموت. والموت هنا خلاص وبعث.
أمّا الرّأس فيحيطه لونان أحمر وأصفر. وهذا بخلاف ما كان في النّسيجة، والّتي ظهرت فيها كلّ مريم داخل دائرة تحيط برأسها هالة نورانيّة. الهالة النّورانيّة الدّائريّة تحوّلت هنا إلى شكل خماسيّ يقتحمها اللّون الأحمر والأصفر. الأحمر هو لون النّار والجحيم. لذا ينعكس من الأحمر وجه شيطان. والأصفر نور وفردوس. والجحيم والفردوس هما كوميديا دانتي. والنّور حول الرّأس يرمز إلى تمار. فتحضر أيضًا حول الرّأس من خلال الشّكل الخماسيّ الّذي يحيط الرّأس. فهي والمريمات خمس. أمّا ترتيب المريمات على الغلاف فيأتيبرييهي بعكس الرّواية. هكذا نحصل على حلقة أو شكل دائريّ هي دورة الفصول والحياة، وهي سماوات دانتي المتلاحقة كدوائر.
أمّا الصّفر تحت عنوان تمار فهو رمز للكمال والسّعادة والمطلق. والصّفر يؤكّد التّناصّ مع كوميديا دانتي الّتي تكوّنت من مئة نشيد رمزًا للكمال. وهذا ما حدث مع تمار وصعودها إلى الفردوس. وهذا ما يتناسب مع الرّقم عشرة الّذي يوحي للكمال أيضًا. فلقد تلاعبت الكاتبة قصدًا بالأرقام حين تركت الصّفر تحت اسم تمار. ويأتي ذلك لدمج فصل تمار كجزء من فصل الرّابعة، وإحداث الاكتمال مع بلوغ العدد الخمسين. وهذا يؤكّد أنّ تمار تماهت مع الرّابعة. وبصعود تمار إلى الفردوس يتأكّد تحقيق حلمها بلقاء الحبيب، وإيجاد الرّابعة لفارسها الحبيب، وتحقيق البطولة الّتي صنعتها المريمات خلال العشرين عامًا. ويتأكّد انتصار المجدليّة على ظلمها بعد عشرين قرنًا. فلقاء المريمات بعد عشرين سنة واحتفاؤهنّ بمئويّة المدرسة رمز للقرن العشرين (فحاصل ضرب عشرين بمئة هو ألفان، أي إيحاء للقرن العشرين)، أي احتفاء الكاتبة بصكّ براءة المجدليّة في القرن العشرين. إنّ العشرين هنا هي الظّلم الّذي تحمّلته المجدليّة على مدى عشرين قرنًا. وهي العشرون سنة الّتي تحمّلتها كلّ مريم منذ تركت المدرسة، وخلالها بنت قصّة بطولتها بنفسها. والمدرسة هي رمز للقدس والوطن فلسطين الّذي تهجّر منه أبناؤه، وأصبحت حياتهم دربًا من الآلام. وهذا يتلاءم مع رمزيّة أخرى للصّفر واعتباره عشرة. فحاصل جمع العددين عشرة وأربعة هو أربعة عشر. وهو رمز لدرب الآلام الّذي يشتمل على أربع عشرة مرحلة مرَّ بها المسيح.
ويشكّل العدد أربعة ومضاعفاته موتيفًا مكثّفًا ورمزًا للخصب والبعث ودورة الحياة. فالمريمات أربع، وفصول الرّواية أربعة. وهذا ما يؤكّد دورة الحياة كفصول السّنة الأربعة. وما يؤكّد رأينا أنّ المريمات يمثّلن مريم واحدة. كما نجد الأربعة في عمر قصّة الحبّ بين مريم الأولى وحبيبها جبرين الّتي استمرّت أربع سنوات ثمّ تزوّجا وأنجبا أربعة أبناء. أمّا الأربعون فهو عدد الأيّام الّتي تفصل بين القيامة والصّعود في المسيحيّة. فبعد فصل الرّابعة يأتي فصل تمار وصعودها للفردوس. والأربعون موتيف عند الثّالثة والرّابعة حيث كانتا في الأربعين عندما حقّقتا حالة من الاكتمال والسّعادة، وأثبتتا عرشيهما في الوجود ووجدتا الرّجل الفارس الحبيب. وكلّ ذلك يؤكّد التّناصّ مع أسطورة عشتار. حتّى أنّ انتهاء الرّواية برقم الصّفحة "404" لم يكن عبثًا برأيي، بل يرتبط بكلّ هذا ويؤكّده.
أمّا العدد ثمانية فإنّه يوحي إلى المرحلة الثّامنة من درب الآلام، حيث كانت مرحلة النّحيب على المسيح من قبل النّساء، ومنهنّ العذراء والمجدليّة. فيها قال المسيح: "يا بنات أورشليم لا تبكين عليّ، بل ابكين على أنفسِكُنّ وأولادِكُنّ". وهذا يؤكّد قول دالية أمّ مريم الرّابعة: "لقد أتينا من هذا المكان نحن بنات القدس. منذ البدء ونحن نعاني ونلطم على مغبّة فقدان مسيح هذه الأرض". ومن هذا المشهد برأيي انبثقت نسيجة مريم في خيال الكاتبة. وهي عبارة تؤكّد مقصديّة الكاتبة وما كشفناه آنفًا.
هي إذًا رواية تتحدّى ذكوريّة التّاريخ بامرأة وُجِدت قبل الزّمان وقبل المكان واسمها مريم. تدخلها الكاتبة إلى كوميديا دانتي: جحيمه ثمّ مطهّره ثمّ فردوسه. وتجعل تمار الّتي تجتمع فيها قداسة المجدليّة وألوهة عشتار ملاكها الحارس ترعاها لتتخطّى درب الآلام وتصعد إلى الفردوس منتصرة على الشّقاء وقد حقّقت سعادتها وأثبتت وجودها. ولعلّ صعودها إلى الفردوس على الورق يترك أملًا لتحقيقه في الواقع يومًا ما.



.png)

.png)






.png)
