عبر مسار زمني امتد عقدين، ومن خلال ظروف وأوضاع قاسية مقارنة لما هو موجود الآن، من الناحية المعنوية والمادي، ولكن بظروف من المد الثوري، قمت بتأسيس هذا المسرح، مسرح آذار.
كان كل العمل من باب التطوع، لا يتعدى دخله ما يكاد يكفي تكاليف الإنتاج المتواضعة، بالإضافة الى بعض الدعم من قبل أشخاص ومؤسسات محلية. فترة بداية ثمانينات القرن الماضي، تميزت بحالة من المد الثوري بالنسبة لنا هنا بالداخل الفلسطيني، وذلك بعد أن عبرنا رحلة طويلة من العذاب والمعاناة منذ فجر النكبة، مرورا بالحكم العسكري البغيض، الذي هو تجسيد حي لحكم الابرتهايد في جنوب افريقيا، وجميع ممارسات ومحاولات القيام بتطهير عرقي واقتلاع شعب من أرضه ووطنه.
كنت قد تعرفت على عالم المسرح في جيل مبكر، وذلك من خلال البرامج السنوية التي كان يقيمها الكشاف وحتى الانضمام إلى صفوف الشبيبة الشيوعية في المدينة، وتبلور ذلك بإنتاج مسرحي تحت عنوان "بانتظار اليسار". ومنذ ذلك الوقت أصبح المسرح بالنسبة لي هو الواجهة الثورية من أجل الوصول إلى أكبر عدد من الناس.
"أنا راجع يمّه"، هي تجربة ارتجالية خاصة في إطار زمني محدد وضمن إمكانيات مادية محددة، والدافع الأساسي هو ما حدث في الهبة الجماهرية في يوم الأرض الخالد، ومعركة الدفاع عن الأرض وكيفية العمل على الحفاظ على الأرض، التي هي أساس وجودنا وتجذرنا في وطننا. كان الهدف هو العمل في مسرح داخل إطار شعبي واسع يشارك به أكبر عدد من الطاقات الفتية المحلية، وكان محور فكرة هذه المسرحية الدعوة إلى العودة للإرض التي هي أم الجميع، والحفاظ عليها أمام مخطط المصادرة الذي تنتهجه حكومات إسرائيل المتعاقبة.
كانت المسرحية عبارة عن استعراض شعبي لمنوال هويتنا وتراثنا الشعبي الفلسطيني، وللعودة التي تحولت إلى عنوان هوية وانتماء، بعد أن هجر الغالبية العظمى من أبناء شعبنا وأصبحوا لاجئين في الدول المجاورة، سوريا ولبنان والاردن وفي العالم. ولكن ما طرحته المسرحية هو عودة من نوع اخر، هي العودة من الداخل الى الداخل! وليس العودة من الخارج إلى الداخل!
عودة محسن من المدينة الى بلده وارضه، وفلاحة هذه الأرض التي اصبحت مهملة بعد وفاة والده، وتم بالفعل إقناع محسن بالعودة الى بلده. من هذه النقطة تتشعب خيوط المسرحية إلى كل الاتجاهات، الأصدقاء، الأهل، فرقة الدبكة، التي بدأت التحضير لاستقبال محسن، والفرحة بعودته إلى ارضه والعناية بها، لأن الارض هي لساس الكرامة الوطنية والانتماء الحر.
هذه هي الخطوط العريضة التي تلخصت بها فكرة هذه المسرحية (والتي للأسف حتى الآن لم أتمكن من العثور على نصها الكامل، بل اكتفيت ببعض الملاحظات التي دونتها في فترة إخراج المسرحية وبعض الصور الفوتوغرافية).
//ما بعد المسرحية ليس ما قبلها!
استغرق التحضير لهذا العمل ما يقارب أربعة أشهر من التدريبات المتواصلة ايام العطل، لأن غالبية من شارك في هذا العمل هم من الطلاب أو الذين أنهوا دراستهم في المدرسة ويعملون من أجل توفير المال لمتابعة التعلم مستقبلا، وقد تم التحضير والمراجعة لهذا العمل في قاعة بلدية شفاعمرو، التي كانت آنذاك في وضع مزرٍ من ناحية التجهيزات، وفي أدنى حد من أجل تقديم عمل مسرحي.
حضر الناس من أهل المدينة بالمئات إلى قاعة العرض ولم تتسع لهم، فاختار البعض مشاهدة العرض من الخارج عبر الشبابيك الواسعة المغلقة بقضبان حديدية، والشيء المفاجئ والمميز أن قبل بداية العرض بنصف ساعة، قدم إلى القاعة أحد أفراد الشرطة المحلية، وطلب أن يراني في الداخل، فقلت له: بعد انتهاء العرض، فقال: ضابط المركز يأمرك بإيقاف العرض، فقلت له: هذا آخر المستحيلات، بعد العرض قل للضابط أن يفعل ما يشاء... وهذا ما كان.
حقق العرض نجاحًا منقطع النظير وسط تفاعل الناس مع الحدث، ومع ما طرحته المسرحية من أفكار، ومع شخصيات الحدث المسرحي.
بعد العرض قدمت سيارة الشرطة، وتم اعتقالي أنا وبعض الأخوة المشاركين، وتم توقيفنا لمدة ثلاثة أيام في شرطة شفاعمرو. وبعد مرور بضعة أشهر من العرض، عقدت محكمة في مكتب محكمة عكا للصلح، وطبعا كانت محاكمة سياسية بامتياز، والغريب العجيب في الأمر أن القاضي الذي نظر في شأن هذه المسرحية قد تقاعد، وهو الآن رئيس لجنة اختيار المسرحيات في مهرجان المسرح الآخر في مدينة عكا.
لقد كانت محاكمة هزلية ذات طابع سياسي رادع، تم تغريمنا ماليًا واثبات ما يسمى حسن سلوك لعدد من السنوات، ومنع عرض المسرحية بتاتا، وكانت هذه أول مسرحية تمنع من العرض بقرار من الرقابة في تلك الفترة.
وبالرغم مما حدث من ملاحقة شرطة ومحاكمة، إلا أن هذا زادنا إصرارا على التحدي ومحاولة تأسيس مسرح ثوري عبر مسيرة طويلة، وهو تأسيس مسرح آذار، والذي عمل بشكل تطوعي لسنوات طويلة بصورة غير احترافية، فقد قمنا بتقديم عدة عروض مسرحية وعدة أمسيات فنية ابتداء من "ليالي البيادر"، "طلع القنبر"، "مسرحية الحلاج"، وانتهاء بمسرحية "الهرم"، وهي دمج غنائي تمثيلي تحكي رحلة الشيخ إمام عيسى ورفيق دربه نحم في تجربتهم المميزة في الغناء الثوري الاصيل.
كان مسرح آذار وخلال فترة زمنية محددة من السمات اللافتة والمميزة على خشبة مسرحنا المحلي، ويكفي أنه من خلال التواصل مع هذه التجربة كشفت ودغدغت أفكار الكثيرين من الذين شاركوا في التمثيل، البعض منهم من تابع مسيرة احتراف العمل المسرحي، وأصبحوا روادًا على مستوى العمل المسرحي المحلي، مثل الفنان ومدير مؤسسة الأفق الأخ عفيف شليوط، والمخرج والممثل البارع محمود صبح، وأيضا الفنان المميز ابن البلد الاصيل ميلاد مطر.
ولا ننسى وجود طاقات محلية قادرة وجيدة لم تحترف العمل المسرحي، مثل الفنان عدنان كتانة، وعدد من الاصدقاء الراحلين، مثل الفنان هاني حسين معين المغربي، والفنان المميز الراحل عبدلله عوض.
ملخص القول، بالفعل لقد كانت تجربة مميزة وأصيلة، أحدثت هبة وحركة شبابية مميزة في رفع سقف الوعي الاجتماعي والوطني لدى جماهير، وما أحوجنا في هذا الزمن القاسي الصعب إلى هبات من الوعي والانتماء الحقيقي للتصدي لوباء العنف والجريمة، التي غطت على كل ما هو جميل ومشرق في هذا الشعب، البقية الباقية من شعب فلسطين الاصيل.
(شفاعمرو)



.png)

.png)






.png)
