مصالح جديدة وأفكار قديمة| إياد الحاج

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

     نخضع، جميعًا، بوعي أو بدون وعي، لتأثيرات المجتمع الرّأسماليّ الاستهلاكيّ. وهو مجتمع يطمح إلى السّرعة في أنماطه الاستهلاكيّة في مختلف المجالات. وتدور هذه الأنماط في فلك الرّبح، تسحبنا إليها، دون أن ندري، حتّى يدمن البعض على ممارستها فتصبح جزءًا من حياته اليوميّة، لا يمكن الاستغناء عنه، ومن خارج هذه الأنماط تقف العقول المدبّرة، تراقبنا، وتحسّن أداء أنماطها، حتّى نشعر بالرّاحة، ونبتسم ونحن نسدّد الفواتير الاستهلاكيّة لأصحاب رؤوس الأموال التي يتمتّعون بأرباحهم المتراكمة، من استهلاكنا المفرط للسّلع التي تتفتّق عقول دوائرهم باختراعها تلبية لحاجاتنا، من أساسيّات ومن كماليّات.

     راقبوا نمط طعامنا وشرابنا، ثيابنا وزينتنا، نظافتنا الشّخصيّة والبيتيّة والعامة، وسائل اتصالاتنا، سفرنا ... والقائمة أطول من هذه المقالة بما لا يقاس. وتحضرني إحدى نشرات الأخبار الإسرائيليّة التي أوردت الخبر التّالي: قدّمت شبكة "رامي ليفي" الإسرائيليّة جائزة لإحدى عاملاتها، وهي من فرع القدس، لحفظها أسعار عشرة آلاف سلعة تبيعها الشّبكة. ولك أن تقدّر الحجم الهائل المعروض بإغراء محكم أمامك، أينما توجهت قدماك في هذه السّوق الكبيرة التي نعيش فيها.

     وكما تؤكّد الماركسيّة بأنّ الوعي انعكاس للواقع، فإنّ من يعش في ظلّ هذه الأنماط فلا بدّ أن يتأثّر بها شاء أم أبى، فكم بالحريّ الأجيال الجديدة التي ترعرعت في معمعان الثّورة التّكنولوجيّة المنفلتة من كلّ عقال، والتي تفاجئنا باختراعاتها التي تقصّر المسافات أكثر، وتختصر الأوقات أكثر فأكثر. إنّ هذا الواقع الاستهلاكيّ الرّأسماليّ له كبير الأثر في بلورة وعي وأفكار وقناعات الجيل الشّابّ؛ وهذه الخلاصة التي أوردتها تثبت صحّتها لي يوميًّا من خلال مشاهداتي المستمرّة لسلوك هذه الأجيال، بحكم عملي في التّعليم.

     بناء على ما تقدّم فإنّ أجيالًا عديدة نشأت في هذا الواقع قد تأثّر وعيها به، وتغلغل هذا التّأثير إلى عمق المواقف والآراء، فلا عجب أن نرى البعض منّا يسعى إلى تحقيق مصالح معيّنة بنفس الأنماط السّائدة في المجتمع الرّأسماليّ الاستهلاكيّ النّامي في البلاد، وما تلك الطريقة المطروحة للتّفكير اليوم، في ضرورة الاقتراب من الصّحن، لكي نحظى بحصة ممّا فيه، ونحن نقبل على الانتخابات العامّة الرّابعة، في فترة وجيزة، إلّا تعبير عن هذه الأنماط المتعمّقة في الوعي، حتّى أنّها لم تترك مجالًا، حرامًا أو حلالًا، إلّا ودخلت فيه، فكم بالحريّ عندما تتحوّل البلاد إلى سوق كبيرة، يخضع كلّ ما فيها، ومن فيها، إلى قوانين السّوق، وتعمّ التّجارة كأداة للتبادل بين المتسوّقين فيه!

     وما هي الأفكار التي تستند إليها المصالح الجديدة لشريحة من النّاس تريد أن تقترب من الصّحن، لكي تنال منه حصّتها، وهل هي أفكار جديدة فعلًا؟ يتبيّن أن هؤلاء الذين يندفعون نحو الأحزاب الصّهيونيّة، والذين يشقّون إطار الوحدة حول برنامج الحدّ الأدنى للمصالح العامّة للجماهير العربيّة، وللقضايا الأساسيّة التي تمثّل مصالح البلاد الحقيقيّة، لا يطرحون شيئًا جديدًا، فهم يردّدون مقولة "التّأثير من الدّاخل"؛ وهم بذلك ينطلقون من ذاكرة محتها مصالهم، ومن تسطيح لعمق تجربتنا السّياسيّة التي أثبتت المرّة تلو المرّة أنّ هذه الادّعاءات فارغة، ولم يستطع مروّجوها من التّأثير على السّياسة العامّة للائتلاف الحاكم، بل بالعكس فقد ثبت أنّه جرى استغلال هذه المواقف لتلميع صورة هذه الائتلافات خارجيًّا وداخليًّا، بحيث كان المستفيد أصحاب الائتلاف الحاكم، وليس الذين اقتربوا من الصّحن.

     إنّ الوقائع أثبتت أنّ أصحاب هذه الأفكار لم يغيّروا السّياسة العامّة للحكومات، ولم يحصّلوا الحقوق المطلوبة لجماهيرنا، ولكنّ الاستفادة المزعومة كانت شخصيّة لأصحابها وللمقرّبين منهم، أمّا المصلحة العامّة المزعومة فلم تكن إلّا خاصّة وشخصيّة ونفعيّة وضيّقة؛ وهذا النّمط التضليليّ الاستهلاكيّ الانتهازيّ لا يمكن أن يكون بديلًا للنهج الوحدويّ الكفاحيّ الذي يمثّل المصالح الحقيقيّة العامّة لجماهير المواطنين الواسعة من الشّعبين.

     أمّا الفرز الانتخابيّ الذي نراه اليوم، فما هو إلّا تعبير عن الفرز السّياسيّ المتبلور في أذهان النّاخبين، بين نهجين مجرّبين، منذ قيام الدّولة، وحتّى اليوم. النّهج الأوّل هو ما مثّله الحزب الشّيوعيّ وحلفاؤه من تمثيل للمصالح العامّة للشّعبين، ومن سياسة تحقّق قيم السّلام والمساواة والعدالة الاجتماعيّة، في أوسع تحالف أمميّ في البلاد ينتهج النّضال وسيلة لتحصيل الحقوق. وقد اتّسعت دائرة أصحاب هذا النّهج بتأسيس الجبهة الدّيمقراطيّة للسّلام والمساواة، في القسم الثّاني من سبعينات القرن الماضي، وهي تبلغ ذروة جديدة بإقامة القائمة المشتركة، وعليه فالقائمة المشتركة تعبير عن نهج وحدويّ كفاحيّ يمثّل المصالح العامّة للمجتمع العربيّ، والمصالح الحقيقيّة لأكثريّة مواطني الدّولة. وغنيّ عن البيان أنّ فضل البقاء الكريم في هذه البلاد يعود إلى هذا النّهج عبر العقود المنصرمة، والفترة الحاليّة.

     ومن يخرجون على هذا النّهج اليوم، ويقيمون قائمة جديدة يغامرون بمصالح النّاس من أجل تحقيق غاياتهم في التمثيل البرلمانيّ أوّلًا، ومن ثمّ التّمثيل البرلمانيّ الحرّ، المتحرّر من أيّ التزام بمتطلبات النّهج الوحدويّ الكفاحيّ؛ هي مغامرة بالمصالح العامّة لغايات خاصّة، فضلًا عن خدمة هذه المغامرة لأهداف نتنياهو الانتخابيّة، فهذه المغامرة، شاء أصحابها أم أبوا، تصبّ في مصلحة الخطر الأكبر على الجماهير العربيّة، وعلى مصالح الشّعبين الحقيقيّة، وهذا يتحقّق رغم كل التبريرات التي أعلنها أصحاب النّهج الجديد القديم، والتبريرات التي يمكن أن يقولها أصحاب مبادرة شق وحدة الصّفّ الكفاحيّة.

     إنّ بناء قائمة جديدة هو رفض لمبادئ الوحدة التي تكافح من أجل الحقوق الأساسيّة لنا بالأساس، وهو متاجرة بعشرات ألاف الأصوات في سوق الانتخابات، وسيثبت أنّ الجمهور الذي يدّعون تمثيله هو الخاسر، إضافة إلى الخسارة العامّة في تفتيت الوحدة، وتحقيق أهداف العائق الأكبر أمام تحقيق مطالب هذه الوحدة الكفاحيّة، وهو نتنياهو نفسه، الذي يسعى إلى إضعاف أي بديل له، والذي يجتهد في توحيد معسكر اليمين الإسرائيليّ ليبقى في السّلطة.

     أشعر بالاشمئزاز المقيت من الادّعاء الممجوج: ماذا فعلت القائمة المشتركة؟ وهذا الكلام يصدر في الأصل عن الذين يمسكون بمقاليد الحكم، ويصرفون الميزانيّات على الحرب ويقتلون السّلام، ويستثمرون بسخاء في الاستيطان ويكرّسون الاحتلال، ويحرموننا من الميزانيات ويعمّقون التّمييز، ويهملون قضايا المجتمع العربيّ ويتّهمونه بالتّخلّف؛ ونجد للأسف من يردّد هذا الكلام، وبدون خجل، يعفون السّلطة من مسؤوليّتها على الوضع القائم، ويتّهمون المعارضة بعدم التّأثير فيه، فأي تضليل يمارسه مروّجو أصحاب هذه الحجج!

     إذا أردنا القول فلننطق بالحقيقة، ولن يفيد تغليف جوهر المواقف بالقشور الزّائفة. إنّ تكوين القوائم الجديدة في ساحتنا الانتخابيّة هو ممارسة التّجارة بالسّوق، وهو يخلو من أي مسؤوليّة وطنيّة، ومن أيّ انتماء للمجموع الذي حدّد برنامجه ونهجه بناء على رؤية سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وحدويّة وكفاحيّة، وكلّ التّبريرات للانفراد بالموقف، والانتقال للنّهج الآخر الذي جرّبناه وسئمناه غير مقنعة. وكما يقول المثل: "اللي بجرّب المجرَّب، وبرجع للمجرَّب بكون عقله مخرّب". وهو يخرّب عقول غيره أيضًا، ويتاجر بأصواتهم، أيضًا، في سوق الانتخابات.

     إذا فاز أصحاب نهج "التّأثير من الدّاخل" بالتّمثيل البرلمانيّ، أو إذا فشلوا فنحن الخاسرون؛ لأنّه في الحالتين تكون المبادرة إلى شقّ وحدة الصّفّ قد نجحت، وتكون أهداف زعيم معسكر اليمين قد تحقّقت، وسيكون هناك تأثير سلبيّ كبير على وعي الأجيال التي تخضع لعمليّة غسل دماغ استهلاكيّة يوميّة، في مجتمع رأسماليّ يسعى وراء الرّبح الشّخصيّ على حساب المصالح العامّة.

     إنّ الفرز السّياسيّ الحاصل على السّاحة الانتخابيّة العربيّة هو تعبير عن مصالح جديدة، لفئات تسعى للوصول إلى تمثيل برلماني متحلّل من الالتزام بقواعد العمل الكفاحي المشترك الذي رست قاعدته وبلغ ذروته ببناء القائمة المشتركة، وهي تكرّر سياسة قديمة أثبت الواقع نقيضها، وهذه التّجربة الجديدة، تعيدنا خطوات إلى الوراء، وسيكون علينا تسديد الثّمن من جديد لنستخلص مرّة أخرى ما ثبت عدم صحّته، ومن أصرّ على إقحامنا في هذه التّجربة يتحمّل المسؤوليّة عن النّتائج.

كفرياسيف

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين