مصحف جدي | عبد الرزاق دحنون

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في صغري، أوائل سبعينيات القرن العشرين، وقبل صلاة الفجر، كنتُ استيقظ على صوت تلاوة المصحف يأتيني عبر نافذة صغيرة من غرفة جدي الوحيدة التي يسكن فيها. وكان بيتنا ملاصقًا لبيته. كان بيت جدي فيما مضى يتألف من ثلاث غرف وقبو، شغلت جدتي القبو مع مدفأة الحطب والساعة العربية التي تدور عقاربها على وقت لا ندركه نحن الصغار، ونقول لجدتي زينب دهنين أم محمد: كم الساعة الآن؟ تنظر في ساعتها المخبأة في بيت صغير من الخشب بباب مُعشَّق من البلور والمعلقة جميعًا في الجدار وتقول واثقة من وقتها: الرابعة. ونضحك من ساعتها تلك، لأن الساعة الآن ليست الرابعة في ساعة يد جدي ذات التوقيت الافرنجي، والفرق شاسع بين التوقيتين العربي والافرنجي. 

شغل عمي صبحي، الأصغر بين أبناء جدي -أربعة صبيان- غرفتين حين تزوج وبقيت الحديقة مشتركة بجانبها "الجمع" الذي يجتمع فيه ماء الشتاء من سطح البيت وأرض الدار. والحديقة فيها شجرة "أسكي دنيا" معمرة تنام على أغصانها عصافير الدوري في أغلب أوقات السنة وتفيق على صوت جدي يصلي جهرًا. والذي حيَّرني وشغل بالي في تلك الأيام أن جدي كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، مع ذلك يفتح مصحفه بالرسم العثماني على حامل خشبي -وقد كان جدي يحمل اسم "عثمان دحنون" ونحن في الشمال السوري نقلب الثاء في عثمان، فنقول: عتمان بالتاء، وهي في الحقيقة أيسر في اللفظ- ثمَّ يقرأ ما تيسر من الذكر الحكيم، فتصمت عصافير الدوري عن ضجيجها، ثمَّ يغلق مصحفه ويضعه مع حامله فوق المَجمع الخشبي الذي اشتراه يوم عرسه بعد نهاية الحرب العالمية الأولى أغلب الظن. نعم، وعاش هذا المَجمع حتى منتصف الثمانينات من القرن العشرين -فأنا أراه الآن أمامي-وكان مصفَّحًا بالتنك المسمَّر بمسامير ذات تروس ترسم على سطحه أشكالًا هندسية بديعة.

مَجمع جدي حكايته حكاية فهو في نظرنا نحن الصغار "مَجمع الأسرار" تفوح منه رائحة حلوة محببة حين يُفتح، وفيه ما لذَّ وطاب من فستق حلبي وجوز ولوز وزبيب وتين "سحطي" يابس وبدق وراحة بأشكالها وألوانها المختلفة، كان جدي يُحب الحلو كثيرًا. وأذكر أننا كنا ندخل غرفة جدي في الأعياد فقط، عيد الفطر وعيد الأضحى، وليتني كنت أستطيع نقل رائحة غرفة جدي في كلمات، قل رائحة النظافة، وما تزال رائحتها عالقة في أعطاف "الذاكرة الطفولية". حين نفتح باب الغرفة ونلج داخلها نُحس نحن الصغار بقدسيَّة المكان، نعم، لها قدسيَّة خاصة، نتقدم في وجل كي يعطينا سكاكر العيد ونقود "العيدية" عندما كانت الليرة السورية والنصف ليرة، والربع ليرة تُسكُّ من فضة. وكنا نحن الصغار نحصل على قروش من نحاس أصفر، ومع ذلك كان فيها الخير والبركة تشتري تلك القروش حلوى "أبو حديد" وفستق العبيد وقضامة صفراء هشة في المضغ وقضامة بيضاء مملحة قاسية في المضغ وقضامة مكسَّرة أرخص في الثمن من الاثنتين السالفتين- والقضامة كما هو معروف حب الحمص اليابس المنقوع في الماء بعد أن يُحمَّص في محمص مع الرمل وكانت مدينة أريحا النزهة في موقعها على سفح جبل الأربعين وسكانها الطيبين سيدة هذه الصناعة-  وقروشنا القليلة تشتري أيضًا قضامة ملبسة بالسكر الملون وتشتري نحن الصبيان "غزل البنات" بسكون الزين، من طشت الصانع الذي يدور  بالسكر الأبيض فيتحول مع الدوران والحرارة إلى خيوط رقيقة زهرية كأنها خيوط عنكبوت، كان صانع "غزل البنات" بدعة من بدع الزمان تلك الأيام لا نملُّ من الفرجة على طريقة صناعته تلك. ونركب أيضًا في ساحة العيد المراجيح والقلابات والدويخات. ونعود للبيت وما تزال بعض القروش في جيوبنا.  

 أعود الآن في الذاكرة إلى تلك الأيام وأحاول تفسير هذا الأمر العصي على التفسير، كيف لجدي عثمان دحنون أن يقرأ في المصحف وهو أمي مع ذلك يتابع كلمات المصحف بإصبعه ويعرف تمامًا أين وصل في القراءة، هذا الأمر بلبل عقلي، كيف يكون ذلك. هل نجد الجواب عن هذا السؤال في الدراسات الحديثة؟ 

والذي خبرته وتعلمته من علاقتي المبكرة مع جدي أن المصحف الذي كان يتلو آياته في الفجر كانت تبقى معانيه في صدره إلى فجر اليوم التالي حين يقرأ في المصحف من جديد. جدي لم يقرب الحرام كلَّ حياته وكان تفريقه بين الحلال والحرام أمرًا عالي الدقة، وقد أصرَّ عليه إصرارًا عجيبًا. وأزعم أنَّ هذه الصفة كانت شديدة الوضوح في حياته فقد ظلَّ فلاحًا مرابعًا بلا أرض، حيث رفض أخذ حصته أيام التأميم والإصلاح الزراعي في ستينات القرن العشرين مُدعيًا بأن هذه الأرض مَكْس، فهي حرام، في الحديث "لا يدخل صاحب مَكْسٍ الجنَّة" وقد كنتُ قريبًا منه في تلك الأيام قبل سنّ المدرسة أذهب في أول فصل الصيف لمعاونته في شتل البندورة.

تقول المرويات في العائلة أن والدة جدي واسمها "زاهية" كانت ثرية بنت حسب ونسب، تأكل أبقار الجيران السائبة من ثمار مشمش أراضيها المتساقط على الدروب، دليلًا على اتساع رزقها. ولكن زوجها محمد، والد جدي قد سافر مع من سافر إلى الخدمة العسكرية في الجيش العثماني وانقطعت أخباره ولم يعد إلى دياره أبدًا، وترك لها يوسف وعثمان ومصطفى وبنت هي عمة أبي ولكن لا أعرف اسمها. الظاهر من المرويات أن محمد والد جدي قد شارك في حرب السفر برلك، والكلمة جاءت من التركية، وهي كلمة مكونة من مقطعين سفر وتحمل نفس المعنى في اللغة العربية وبرلك وتعني معًا أو مجموعة، أي يصبح معنى السفر برلك هو السفر جماعة بغرض التهيؤ للحرب، وفسَّرها البعض من خلال تقسيمها إلى ثلاث مقاطع: سفر وتعني ترحال، وبر: كلمة فارسية الأصل مشتقة من كلمة بُردن وتعني إجبار أو حمل، لك: لاحقة في اللغة التركية تحول الصفة إلى اسم فيصبح المعنى إجبار الناس على السفر. وهي النفير العام والتأهب للحرب. وكان اعلان التعبئة العامة هو بمثابة استعداد الدولة العثمانية للوقوف إلى جانب المانيا في الحرب العالمية الأولى أيام السلطان محمد رشاد الخامس. 

الاحتمال الأقرب للحقيقة أن جدي عندما كان صغيرًا تعلم قراءة المصحف في "الكُتَّاب" أو في صحن المسجد. وقد كان المسجد في تلك الأيام متعدد الأغراض. وبقيت علاقة جدي بالمسجد والمصحف قوية، فقد صلى آخر جمعة في المسجد قبل وفاته المفاجئة في منتصف ثمانينات القرن العشرين نتيجة زلة قدم وهو يتوضأ منتعلًا قبقابًا من خشب، وكان قبل ذلك قد استيقظ باكرًا وأحضر خبزًا ساخنًا قبل صلاة الفجر، ولم يمهله القدر ليفطر فمات. كنتُ يومها بعيدًا عن إدلب على تخوم مدينة "الصنمين" في حوران، القسم الجنوبي من سورية، حيث تتموضع أغلب فرق الدبابات السورية. كنت أخدم العلم في قيادة الفرقة التاسعة دبابات في فرع الشؤون الفنية بعد دورة تدريبية لمدة ستة أشهر في المحاسبة. وأنا في الأصل أحمل إجازة في العلوم الطبية من جامعة حلب قسم تخدير وإنعاش، فتأمل يا رعاك الله هذه الخلطة العجيبة التي فرضت على هذا المقاتل الجسور.

هل أحسست بموت جدي؟ ماذا أقول؟ إن قلت نعم، لن تصدقوا قولي. لا بد أنك تبالغ أو على أقل تقدير تتوهم. لا والله لا هذا ولا ذاك. لقد أحسستُ بموته فعلًا. فسروا الأمر كما يحلو لكم. فحين وصلتُ البيت في إجازة من خدمة العلم أول ما سألتُ عنه جدي، فسكت الجميع، وقالت أمي: رحمه الله.

***

ملاحظة مهمة حول حلوى "أبو حديد" قدمها الأخ العزيز حسان أخرس:

 حلوى "أبو حديد" هي نفس مكونات الحلاوة ولكن بمقادير مختلفة وتحتوي على السكر الذي يتم تحويله إلى قطر ويضاف إليه عرق الحلاوة "ماء العصلج" حتى يتحول إلى ناطف وهو يشبه ناطف الكرابيج ولكن بدرجات حرارة مختلفة ومن ثم يضاف إليه الطحينة ويعالج معها بطريقة حرفية.

والاسم "أبو حديد" هو من محافظة إدلب والمنشأ من مدينة جسر الشغور على نهر العاصي وهي في منتصف الطريق بين إدلب واللاذقية، فالرجل الذي كان يصنعه لقبه "أبو حديد" هو علي الهبل وكنّي بأبي حديد لأنه كان يشيل الحديد "الأثقال" هو وابنه منير. وهو الذي كان يبيعه بنفسه في الأعياد عندما كنا صغارًا وقد زرت معمله في جسر الشغور على زمن ولده. وكان هناك علاقة عمل بين أبو حديد الأب ووالدي الحاج أحمد أخرس صاحب "معصرة الحلاوة" القديمة في زقاق "البوس" في مدينة إدلب وكانت تجمعهما نفس المصلحة بالتبادل بالمواد واستمرت في الأبناء. وكان على زمن والدي يشتري من عندنا السمسم الأحمر لصنع حلوى "أبو حديد".

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين