34 عامًا للانتفاضة وصداها لا زال هنا والآن| هشام نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كتب قبل أيام الباحث أوري فرتمان من "معهد أبحاث الأمن القومي" الاسرائيلي (INSS)، أن الميراث الحقيقي لرئيس الحكومة الأسبق يتسحاق رابين لم يكن "تحقيق السلام" وإنما "محاولة للتوفيق بين هدفين حاسمَين: الحفاظ على أكثرية يهودية في دولة إسرائيل وتفادي نظام أبرتهايد". بالتالي، فإن "اتفاقيات أوسلو كانت إجراءً امنيًا لصد فكرة الدولة الثنائية القومية"؛ رابين كان من مناصري "توجّه الفصل" بين إسرائيل والفلسطينيين ورأى في "الدولة الثنائية القومية" لا أقل من "خطر وجودي".

أمس حلّت الذكرى الـ 34 للانتفاضة الأولى، التي لا تزال شتى الأحداث والتطورات السياسية تردّد صدى فعلها النضالي الحاسم الذي هزّ جهاز الاحتلال والمؤسسة الإسرائيليّة الحاكمة، بحيث لم يعد ممكنًا أبدًا العودة إلى ما قبل الانتفاضة. بعيداً عن تقويم أوسلو، يجب القول إن إجبار إسرائيل الرسمية على الاعتراف بالشعب الفلسطيني وقضيته وقيادته الممثّلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، كان مكسب الانتفاضة الأولى الأوّل، وأحد أكبر المكاسب السياسية الفلسطينية. فإسرائيل الرسمية لم "تتكرّم" بالاعتراف، بل لأنّ سياستها انكسرت بعزم المنتفضات والمنتفضين الأبطال.

الباحث الأمني المذكور يكتب: "حتى اندلاع الانتفاضة كان رابين مؤيدًا لـ"الخيار الأردني"، وبموجبه تكون المملكة الأردنية هي الشريكة في اتفاق مع إسرائيل لحلّ القضية الفلسطينية. ولكن الانتفاضة التي اندلعت في كانون الأول 1987 قادته للاستنتاج بأن الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة يمسّ بالأمن القومي لدولة إسرائيل".

كانت الخيارات التي نجمت عن هذا التطوّر الهائل واضحة، وهي بلغة الباحث: "افترض رابين أنه من أجل عدم اعتبار إسرائيل بنظر المجتمع الدولي، دولة أبرتهايد، فهي ستضطر لمنح حقوق مدنية كاملة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما سيمنع وجود أكثرية يهودية متينة قوامها 80% من اليهود بين السكان. لهذا قرر رابين دفع اتفاقيات أوسلو لهدف منح الفلسطينيين أوتونوميا في الضفة وغزة وبالتالي خلق فصل تام بين الشعبين". ويرجّح الباحث أنه "لربما اعتقد رابين بأن الفجوة بين الطرفين لن تمكّن من الوصول إلى تسوية دائمة، وبالتالي فإن اتفاقيات أوسلو هي عمليًا أداة لخلق فصل وليس أكثر من ذلك".

هذه اللهجة التحليلية الإسرائيلية تتكرر مؤخرًا. كنتُ قد استعرضت قبل أسبوع مقالًا آخر لحقوقيّين إسرائيليين لعب أحدهما دورًا سياسيًا مقربًا من زعماء إسرائيليين. فقد كتب كل من يوئيل زينغر ومناحيم ماوتنر أن "اتفاق أوسلو كان نتاجا هجينا بين حلم شمعون بيرس بتعاون إسرائيلي فلسطيني، و "شرق أوسط جديد"، وبين الحلم المناقض ليتسحاق رابين عن ضرورة الفصل، و "نحن هنا وهم هناك"، أكثر مما كان حلا وسطًا بين الطموحات المتناقضة للإسرائيليين والفلسطينيين". هذان الباحثان توصلا إلى أن المخرج من الطريق المسدود الحالي هو "الكونفدرالية"، لكنهما أبقيا عمليًا على تفوّق وهيمنة إسرائيليين حاسمين في تعريفهما الأساسيّ إياها.

من الواضح أن هناك انشغالا إسرائيليا واسعا في صفوف النخب المختلفة بما يجدر الذهاب نحوه في سياق القضية الفلسطينية. وتميل معظم التوجهات غير الحاملة لواء "أرض إسرائيل الكبرى"، التي يمكن وصفها بالـ "محافظة"، إلى التحذير غير الصريح غالبًا، من النشوء التراكمي لوضع أبرتهايد – فصل عنصري في البلاد، ولكنها لا تطرح بديلاً يقوم على التكافؤ. بل يُلاحَظ تبرير بأثر رجعي لاتفاقيات أوسلو، ذات الصيت السيء في إسرائيل "الإجماعية"، من خلال القول إن رابين لم يكن يريد حلّ دولتين، بل أراد منع تقويض الدولة اليهودية بواسطة الانفصال عن الفلسطينيين، ولكن من دون الانسحاب الحقيقي مما يُفترض أنه "مناطق فلسطينية" معدّة لكيان فلسطيني ما.

في الذكرى التاسعة للانتفاضة الأولى، عام 1996، أجريت مقابلة لـ "الاتحاد" مع الراحل د. حيدر عبد الشافي، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني، والمفاوض الأول في مؤتمر مدريد. سألته عن "معانيها ومدلولاتها في سياق الوضع السياسي الراهن"، فقال: "الانتفاضة كانت تعبيرا تلقائيا عما يجول في وجدان الشعب الفلسطيني، وتحركا شعبيا عريضا شمل الفئات الفلسطينية، لم يشرف عليه أو ينظمه أحد. وهذا كان تعبيرًا عن إحساس شعبنا بعمق الظلم الذي حل به ورفضه المطلق له. وأيضا استعداده اللامتناهي للدفاع عن نفسه. هذا كان معنى الانتفاضة".

وتابع د. عبد الشافي: "أما الاوضاع الحالية فهي في غاية السوء. فالمسيرة السياسية فقدت كل مصداقية، بفعل الانتهاكات الاسرائيلية المتكررة. ورغم الادعاءات المناقضة لهذا الواقع، فإن عملية السلام بتقديري توقفت منذ مدة طويلة وقطعا قبل مجيء الليكود الى الحكم"، قاصدًا فترة حكم بنيامين نتنياهو الأولى.

عبد الشافي رأى أن "الشعب الفلسطيني لن يقبل ولن يرضخ للأمر الواقع. وسيبقى يدافع عن نفسه بكل قوته". وردًا على السؤال: "هل تلعب الانتفاضة الآن دورها بأشكال أخرى"، قال: "نعم. وهذا على الرغم من أنه يبدو للأسف أن الشعوب لديها قدرة على امتصاص الكثير من التجاوزات والمظالم (...) ولكن الشعب الفلسطيني لن يقبل الامر الواقع ولن يتخلى عن أموره الأساسية".

مرّت مياه ودماء كثيرة في نهر السنوات المنقضية منذ تلك الفترة. شهدت القضية الفلسطينية انتفاضة ثانية وحملات وغزوات عدوان واجتياح وحصار وإغلاق متتالية. في غضون ذلك تواصل القمع الاحتلالي الإسرائيلي الوحشي لجميع الحقوق الفلسطينية، الفردية-المدنيّة والوطنية منها. لكن العناصر الأساسية للمعادلة لم تتغيّر. ما زالت المؤسسة الإسرائيلية بيمينها ويسارها ووسطها تحاول الخروج من أزمتها، بل معضلتها، التي تحاول عبثًا الجمع ما بين الحفاظ على كامل الهيمنة وعلى كامل الشرعيّة في آن واحد. بكلمات أخرى: مواصلة إنشاء أبرتهايد على الأرض والبقاء محلّقة في ذُرى هواء الديمقراطيات النقي. لكنها مثلما فشلت أمس، ها هي تفشل أيضًا اليوم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين