ذكرني هذا العنوان بقصة مرت في أحد الكتب المدرسية، تصف عصفورا يبيت ليلة فوق شوكة شجيرة الورد، مضحيا بدمه لإنقاذ تلك الشجيرة من هزال ألم بها فذبلت ورودها. مجرد ربط للأشياء التي تستحضرها الذاكرة في المواقف المختلفة، ربما يتمثل هذا الربط للقارئ خلال قراءة الرواية، وربما يبحث بين سطور السرد عن علاقة للأشياء ببعضها !
أتممت الرواية موضوع هذه السطور من إبداع الروائي قاسم توفيق دون أن أعرف هل كان "الصغير" وصفا للنزف أم للطير؟! ذلك أنني لم ألمح طيرا يُحلّق في سماء السرد، صغيرا كان أم كبيرا، أما النزف الذي رأيته في بعض الصور فلم يكن صغيرا، بل غائرا في الجباه، وفي القلوب، وفي الكرامة البشرية.
تتحدث الرواية عن شاب "زياد سعيد" قاده الأرق متسللا من بيت أهله، في مغامرة وُجهتها العقبة، ولم يتوقف التسلل على مغادرة البيت، بل أمعن في التخفي بأن أغلق هاتفه قاطعا الطريق على أي محاولة للتواصل معه، وبعد حادث كاد يودي بحياته، وصل إلى العقبة، وقاده لقاء مفاجىء مع سيدة إلى خوض تجربة عاطفية فريدة، دامت أياما محدودة، ثم غادرت السيدة العقبة، دون أن يعرف عنها غير أسمها الأول فقط، "ربى" الإسم الذي غلفه بكثير من الشكوك. ولكنه تقبله إلى حين، وقطع الفيافي ساعيا للوصول إلى الربى بسرعة ولهفة أنسته التحقق من خزان الوقود، فكانت النتيجة مغامرة أتيح له الخروج منها بحياته وهويته ورخصة القيادة. هل عاد إلى عمان ؟ هل تواصل مع الأهل؟ هل عثر على رباه؟ أسئلة لم يكن "زياد سعيد" مهتما بفضول القارىء الباحث عن إجابات لها، فقد طوى السرد زيادا وانحنى به إلى سلسة من المنعطفات حدا جعل الراوي يخاطبه في إحدى عتبات الرواية منعما عليه بصفة الغباء .
يخوض الروائي قاسم توفيق من خلال السرد في منحنيات تؤدي إلى مصائر تفاجئ القارئ الذي يجد نفسه مطلا على فضاءات جديدة لم يتوقعها، وفي حين يترقب العودة إلى الخطوة السابقة أو الموقع السابق، يجد أن السرد قاده بعيدا عن طريق العودة ومضى به في اتجاه آخر.
إستعان الكاتب بطريقة تشبه إلى حد ما الطريقة التي اعتمدها في "جسر عبدون" من حيث وجود كاتب آخر لمذكرات أطلعنا الكاتب من خلال الراوي على مجمل مضامينها، إلا أن السياق هنا مختلف تماما، وتختلف أيضا الغاية من وجود كاتب آخر وناتج الكتابة، فهو هنا محض دفتر للذكريات، وليكن اسمه "دفتر فهد"، اختلافات لن أُقدم على الخوض في تفاصيلها، ولكن القارئ للروايتين ربما تراءى له هذا الربط بطريقة ما.
ولد بطل الرواية في اليوم الذي تفكك فيه الاتحاد السوفياتي، والذي صادف أيضا يوم ميلاد السيد المسيح، فأي ربط أراد الكاتب أن يشير إليه من خلال هذه المصادفات؟ وأي علاقة يمكن أن تنشأ بين حدثين متباعدين يفصلهما نحو ألفي عام؟ وكم من البشر شاركوا "زياد سعيد " في الوصول إلى الدنيا في هذا اليوم على وجه التحديد؟
لا أعتقد أن الكاتب يمكن أن يشغل نفسه، ببناء هذه الرواية واستحضار شخوصها، ورسم تفاصيل أحداثها لمجرد الاهتمام بمصادفة توافق حدثين أو أكثر على تاريخ معين.!
ربما أراد أن يشير إلى كم التغييرات الهائل الذي رافق هذا الحدث التاريخي!! وقد لمح إلى ذلك بقدر من الدعابة في التعبير عن التغيير على مستوى العائلة الصغيرة متمثلا في حديث الراوي عن موقف والده وعلاقته بوالدته، مقارنا هذه العلاقة بين الماضي والحاضر .
ما من شك بأن تفكك الاتحاد السوفياتي، كان مدخلا إلى عصر جديد ، ومقدمة لسلسلة من التغييرات، ليس في ما يتعلق بمصائر الدول والشعوب، بل كان أيضا مدخلا إلى عوالم جديدة وظروف جديدة يمكن للقارئ أن يلمح معالم تأثيرها من خلال شخوص الرواية "زياد سعيد " مثالا. ولكن ما القصد من الربط بين تفكك الاتحاد السوفياتي وميلاد السيد المسيح؟ هل كان في ذلك إشارة إلى علاقة هذا الحدث بالديانات؟ هذا وارد أيضا ولكن ليس على النحو السطحي الذي قد يتبادر إلى ذهن البعض، ثمة في الحكاية ما هو أبعد من ذلك وأكثر عمقا.
قبل توضيح الأمر أود أن أشير إلى أحد شخوص الرواية وهو "فهد" وفهد هذا إبن صاحب الاستراحة التي لجأ إليها زياد بعد نجاته في طريق عودته من العقبة، كان فهد يعمل في إحدى دول الخليج، وكان بحكم عمله أكثر عرضة لتبعات مشكلة الرهن العقاري، من سجن إلى خيانة صديقه له، إلى تفاصيل أخرى أفضت به إلى أن يكون متطوعا في داعش أو ما شابهها، باحثا عن السبايا ، مرتكبا أفظع الجرائم، مشجعا المقاتلين على العمليات الانتحارية، فلما طلب منه ذلك نجا بحياته معتصما بالصحراء، مكتفيا من الطعام بالسردين، ومن الشراب بالشاي، ومن الصحبة بكلب يحرس وحدته .
إلتقى فهد بزياد بعد نفور أولي، ومشاعر سلبية بل عدائية من قبل فهد ربما بدافع الشك أو الخوف، إلا أنهما التقيا وتناجيا، وتكاشفا، أو في الحقيقة أن زياد كان عالما بقصة فهد من خلال الدفتر الذي سبقت الإشارة إليه، أما فهد فكان أول من اطلع على خبايا زياد وأسراره التي أخفاها عن كل من عايشه في القرية المسماة "عين الما". من خلال هذا الحوار أشار زياد إلى سبب القلق الذي دفع به متسللا، فقد اطلع على تقرير لمنظمة دولية يتناول انخفاض مؤشرات العدالة الاجتماعية، معلومة أورثته قلقا، فانسحب متسللا إلى أحداث سردت هذه الرواية تفاصيلها، متسائلا في كل موقف خلال رحلته ومغامراته عن علاقة تلك الأحداث وذلك الموقف بموضوع العدالة الاجتماعية؟.
اجدني اقتربت من إجابة حول الربط الذي عقده الكاتب بين تفكك الاتحاد السوفياتي، وميلاد السيد المسيح، وربما طرح الكاتب فيضا من تساؤلات حول فرص تحقيق هذه العدالة عبر التاريخ وبحث عن إجابات عليها من خلال هذا الربط؛ هل تحققت العدالة بفضل قيام الاتحاد السوفياتي؟ أم نتيجة لتفككه؟ ماهي تبعات هذا التفكك؟ وما هي صلة المعالم الرئيسة والأحداث التي تلت هذا التفكك بهذا الشعار؟ حروب البلقان الحديثة، عاصفة الصحراء وسقوط العراق وغيرها الكثير من التساؤلات.
ولكن أي قيمة حققها "زياد سعيد " في تفاعله مع الأحداث؟ في هروبه من الواقع، في تخفيه، في إلحاق الأذى بمحبيه وإثارة مخاوفهم، هل يعالج الهروب أيا من المشاكل؟ هل كان لتلك المرحلة أثر في تشكل الوعي لدى الجيل الذي واكب هذه التغير منذ نشأته؟ هل تمثل مخاطبة الكاتب لبطل الرواية في إحدى العتبات، ووصفه بالغباء حكما على جيل بأكمله؟ هل كان هذا الحكم متعلقا بفعل الهروب الذي مارسه زياد عبر مراحل السرد؟ أم لأنه تعلق بوهم العدالة المزعومة؟



.png)

.png)






.png)

