أثار تقرير منظمة العفو الدولية "أمنستي" الذي يقول إن إسرائيل تمارس سياسة الفصل العنصري، "الأبارتهايد" ، حالة من الهلع في الأوساط الرسمية الإسرائيلية، لأنه بذلك يقوم أحد أكبر وأعرق المنظمات الحقوقية في العالم بتصنيف إسرائيل بهذه الصفة إلى جانب عشرات المنظمات الأخرى حول العالم، ومنها منظمات إسرائيلية.
التقرير الذي نُشر بعنوان "نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) الإسرائيلي ضد الفلسطينيين: نظامٌ قاسٍ يقوم على الهيمنة وجريمة ضد الإنسانية". وعمل "على توثيق كيف أن مصادرة الأراضي والممتلكات الفلسطينية على نطاق واسع، وعمليات القتل غير المشروع، والتهجير القسري، والقيود الصارمة على الحركة، وحرمان الفلسطينيين من حقوق الجنسية والمواطنة؛ جميع هذه الانتهاكات هي مكونات نظام عنصري تمييزي يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي"، كما تقول المنظمة. وهو ليس الأول من نوعه، فقد سبقه تقرير فريق لجنة للأمم المتحدة لغرب آسيا ( اسكوا)، والذي كشف معالم نظام الأبرتهايد الإسرائيلي باعتباره يضطهد الفلسطينيين في الداخل والأراضي المحتلة والخارج. لكن الأمين العام للأمم المتحدة رضخ للضغوط الإسرائيلية والأمريكية ومنع نشر التقرير على موقع الاسكوا، دون أن يحول دون ما أحدثه من تأثير إعلامي واسع. بعد ذلك، جاء تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، ليشرح بالوثائق والحقائق ما يتعرض له الفلسطينيون من منظومة وصفت بالـ"أبرتهايد". وترافق ذلك مع صدور تقرير مماثل عن أكبر منظمة حقوق إنسان إسرائيلية، "بتسيلم"، الذي أكد كذلك وجود نظام الأبرتهايد في إسرائيل.
هنا جاء تقرير منظمة العفو ليتوج هذه التقارير كلها، ويخطو خطوة مهمة نحو توسيع الادانة العالمية للنظام الإسرائيلي وممارساته بحق الفلسطينيين. ولتصاب الأوساط الرسمية الإسرائيلية بحالة من الهلع والفزع والاستنفار الكامل، إذ بدأت إسرائيل هجومها على المنظمة الحقوقية قبل يوم من نشر التقرير وبمجرد تسرب مضمونه إلى الرأي العام. كما بذلت كل الجهود ومارست كل الضغوط الممكنة من أجل ثني منظمة العفو الدولية عن نشره ودفعها للتراجع عن مضمونه. وبعد نشره جندت كل طاقاتها وعلاقتها الدولية لاستصدار إدانة له من أكبر حلفائها ورعاتها من قوى دولية عظمى. وجندت كل شبكة دعايتها الدولية من منظمات ولوبيات صهيونية ومنابر إعلامية، وآلة الـ"هسبرا" التي كانت دائمًا الذراع الإعلامي لجرائم الحرب الإسرائيلية والتي تأخذ على عاتقها تحسين صورة إسرائيل في المجتمع الدولي والتغطية على جرائمها، من أجل مواجهة هذا التقرير وتأثيره على الرأي العام العالمي.
هذه قضية "أمن قومي" كبرى بالنسبة للقيادة الإسرائيلية، فها هو تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي يدعو لمواجهة توجهات دولية متصاعدة تصنف إسرائيل كدولة نظام فصل عنصري، أبرتهايد، ويقدم عدة نصائح لكيفية الطعن بمصداقيتها، ويرى المعهد أن تقرير “أمنستي” جزء من توجهات ومحاولات متصاعدة لتصنيف إسرائيل كدولة آبرتهايد في الحلبة الدولية مما يستدعي التعامل معها بجدية واهتمام وفهم تبعاتها المحتملة. ويرى المعهد أن التوجهات المذكورة ومحاولة وصم إسرائيل كدولة نظام فصل عنصري، مقلقة وتقتضي الاستعداد الكبير من قبل الحكومة الإسرائيلية.
وتم الكشف عن خطة إسرائيلية جديدة سرية تعنى بالدعاية والدفاع عن إسرائيل وصورتها في العالم بعد التقرير، وقد أوضح المركز الإسرائيلي الدولي للدبلوماسية الجماهيرية أنه سيقوم بإرسال موفدين شباب لأغراض الدعاية في العالم للقيام بمهام علنية وسرية لمواجهة تصاعد الانتقادات الموجهة ضد إسرائيل.
لا أعتقد أن منصور عباس، "موفد شاب" ضمن إرساليات المركز الإسرائيلي الدولي للدبلوماسية أو مكلفًا من وزارة الخارجية الإسرائيلية بمهمة رسمية. لكنه مع ذلك قام بالمهمة على أكمل وجه "تبرُّعًا"، بل حقق المطلوب من مساعي مواجهة تصاعد الانتقادات الدولية ضد إسرائيل ووصمها بالأبارتهايد، أكثر مما يمكن أن تحققه آلة الهسبرا الصهيونية بأكملها. فها هو قيادي عربي فلسطيني، يجلس في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، عن حزب عربي فلسطيني وبأصوات مواطنين عرب فلسطينيين في إسرائيل، يدافع أمام جمهور أمريكي عن النظام الإسرائيلي ويرفض وصمه بالأبارتهايد، ضاربًا عرض الحائط بكل التقارير التي أصدرتها المنظمات والمؤسسات والجهات الدولية المرموقة. هل كانت لتحلم منظمات الهسبرا الصهيونية بأفضل من هذا "الإمداد" في حربها الشرسة التي تخوضها على الرأي العام الدولي؟
لقد رفض عباس وصم إسرائيل بـ”أبرتهايد” أو فصل عنصري، وقوله “لن أسمي هذا فصلاً عنصريًا"، لم يكن تصريحًا على وسيلة إعلام عبرية يضاف إلى تصريحاته المخزية الأخيرة حول يهودية الدولة وعنف المستوطنين وقانون القومية، بل جاء على منبر عالمي وأمام جمهور أمريكي، واقتبسته كبريات الوكالات العالمية. جاء خلال الفعالية التي نظّمها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، وهو الذراع البحثِّية للّوبي الصهيوني الأمريكي الأشهر "ايباك" الذي يقوم بتمويله ورعايته وتوجيه سياساته وأبحاثه الداعمة لإسرائيل ونهجها العدواني تجاه الشعب الفلسطيني. حيث تفاخر أنه عضو في الائتلاف الحكومي ويمكن أن ينضم إلى الحكومة نفسها إذا أراد ذلك، وأكمل "أفضّل وصف الواقع بطرق موضوعية.. إذا كان هناك تمييز في مجال معين، فسنقول إن هناك تمييزاً في هذا المجال المحدد".
إلا أن ما يسميه عباس "وصفًا موضوعيًا للواقع" هو في الحقيقة تجميل للواقع وشرعنة له ومساهمة في صد الانتقادات الدولية المتصاعدة ضد هذا الواقع اللا-انساني الذي يصنعه النظام الإسرائيلي على طرفي الخط الأخضر. فها هو يتفّه جرائم المنظومة الإسرائيلية التي يرفض وصمها بالأبارتهايد بالقول: "نقول إن هناك فجوات بين الطلاب العرب واليهود والميزانيات المخصصة لهم، ونحن نعلم أن هناك فجوات داخل المجتمع اليهودي وقطاع التعليم أيضاً. فالجميع يدرك وجود مثل هذه التفاوتات، وستجد أوصافاً موضوعية لها في الوثائق الحكومية، والتقارير الاصادرة عن مراقب الدولة أو محقق شكاوى الجمهور". فيختزل جرائم مصادرة الأراضي والممتلكات الفلسطينية على نطاق واسع، وعمليات القتل غير المشروع، والتهجير القسري، والقيود الصارمة على الحركة، وحرمان الفلسطينيين من حقوق الجنسية والمواطنة التي بحثتها أمنستي في تقريرها، لمجرد "فجوات بين الطلاب العرب واليهود وتفاوت في الميزانيات". هو حتى لا يذهب لما ذهبت إليه أوساط في اليسار الصهيوني التي رفضت وصف إسرائيل داخل الخط الأخضر على أنها دولة أبارتهايد، والاكتفاء بوصف ممارستها في الأراضي المحتلة على أنها سياسيات فصل عنصري، بل لم يتطرق لما يجري في الأراضي المحتلة أصلاً وغيبه بشكل كامل ومقصود.
وهذا التصريح، لقيمته الدعائية الكبرى في الحرب الإسرائيلية على الرأي العام العالمي، يستحق وصف "التصريح التاريخي"، كما وصفه الكاتب اليميني فولي برونشتاين، في مقال بصحيفة "يسرائيل هيوم" ونوه إلى أن تصريحات عباس هذه تضاف إلى "تصريح تاريخي" سابق له عن الدولة اليهودية، بالرغم من كل الهجوم عليه في أوساط الجمهور العربي، وقال إن عباس "الذي يتجول مع حراسة ملاصقة هو زعيم عربي، سواء اتفقنا مع طريقه أم لا، واضح أنه مصمم على أن يقود خطا مختلفا عن أسلافه". ورأى أن ما قام به عباس من "مظاهر الشجاعة التاريخية"، يتطلب من الائتلاف أن يقدره ويثبت التعاون معه فهو وشركاءه العرب في الحكومة يدفعون "ثمنًا باهظًا في أوساط جمهورهم، وعلى شركائهم أن يساعدوهم ليثبتوا أن العضوية في الائتلاف تحقق إنجازات غير مسبوقة". وربما كان ليقترح الكاتب على وزارة الخارجية الإسرائيلية منح منصور عباس وسام موظف الشهر المتميز في آلة الهسبرا الإسرائيلية، لهذه الجهود الـ"تاريخية".
لذلك، فتصريح منصور عباس الأخير، وفي السياق الذي أتى به، يتعدى في دلالته السيئة وخطورته كل تصريحاته السابقة، ويتعدى مجرد تحميله المسؤولية الأخلاقية والسياسية بالمشاركة في حكومة تمارس العدوان والاحتلال ضد شعبه الفلسطيني. فهو حين يساهم بشكل فاعل ومباشر في الجهود الإسرائيلي لرد تهمة الأبارتهايد وصد النقد المتصاعد ضد ممارستها في الرأي العام الدولي، هذا النقد الذي بامكانه على أن يحد على الأقل من سياسات الاحتلال العدوانية ويضعها تحت مجهر الرقابة الدولية؛ حين يساهم بشكل فاعل بالتصدي لمحاولة خلق مناخ عالمي بديل ونقيض عن المناخ الذي تسعى إسرائيل إلى خلقه، بتجاوز شعب فلسطين وحقوقه ودفن قضيته؛ حين يساهم في صد نقد دولي يمكن أن يشكل أداة بأيدي الشعب الفلسطيني لصد الظلم عنه والتصدي للاجرام الذي يمارس بحقه - فهو بذلك يمارس فعلا عدوانيا صريحا ضد الشعب الفلسطيني ويصطف إلى جانب النظام الإسرائيلي في الحرب على هذا الشعب برفد الجانب الدعائي الإعلامي الدولي لهذه الحرب، ويوجه طعنة في الظهر لكل المؤسسات والمنظمات والحركات والأفراد المتضامنين مع فلسطين حول العالم والذين يخوضون حربًا ضروس ضد آلة الدعاية الصهيونية في سبيل فضح جرائم الاحتلال وإدانته دوليًا.
.png)


.png)

.png)






.png)

