يتميّز الفصل الخامس من الأطروحة المنعقدُ حول مبدأ الرفض في "الكتاب" لأدونيس بكونه فصلًا مغايرًا عمّا سبقه من فصول، إذ يهيمن على تلك الفصول السابقةِ تماهي أدونيس مع المتنبّي في قضايا ومضامينَ مشتركةٍ كثيرةٍ، كالشعور بالاستياء، الوحدة والغربة، التيه، القلق، والارتحال، وعلاقة كلّ منهما بالسلطة، ونحو ذلك، حتّى لِيشعرَ القارئُ بالتطابق التامّ بين الشاعرين، ممّا يعكس تأثّر أدونيس بمعاني المتنبّي، أساليبِه، لغتِه، إضافة لتأثّره بشخصيّة المتنبّي وسلوكه، وغير ذلك من وجوه التشابه بينهما.
يأتي الفصل الخامس ليهزّ القارئَ ويقوّضَ الانطباعَ الذي تتركه تلك الفصول في نفسه، حين يظهر أدونيس رافضًا ومعارضًا لمتون المتنبّي وخارجًا عن التماهي معه، وفي هذا المقام يعنّ لنا السؤال: من أين يأتي الرفض؟ وما هي النوازع الداعمة له؟
لا يتأخّر الباحث في استحضار إجابةٍ شافيةٍ وافيةٍ، موضّحًا أنّ نزعةَ الرفض هي ركيزةٌ أساسيّةٌ في شعر أدونيس، وقد صرّح بها في مواضعَ عديدةٍ من شعره؛ ففي ديوانه "أوراق في الريح" يقول:
"قال لي تاريخي الغارسُ في الرفض جذورَه:
"كلّما غبتَ عن العالم أدركْتَ حضورَه".
وفي ديوانه "أغاني مهيار الدمشقيّ" يقول:
"مسافرٌ تركتُ وجهي على
زجاج قنديلي
خريطتي أرضٌ بلا خالق
والرفضُ إنجيلي"
يشير إيهاب إلى أنّ عقيدة الرفض المتجذّرةَ في فكر أدونيس تبرّر خروجَه عن مسارات التماهي والتجاور مع مثاله، وهو لا يتنازل عن ثوابته الفكريّةِ الرافضة لكلّ ما لا ينسجم مع رؤاه وفكرِه، وكأنّه يرفض المساومة على أجندته الآيديولوجيّةِ، فمهما جاور المتنبّي فهو لا يحيدُ عن مقوّماتِ فكره، ثقافته، وإنسانيّته. وفي الجزء الثالث من "الكتاب" يوضّح أدونيس دور الرفض والهدم في بلوغه القمم قائلًا:
"لا اكتشاف ولا ذروات
دون رفضٍ وهدم".
يعلّق إيهاب على ذلك بأنّ أدونيس يرى في الرفض وما يصاحبه من هدم، شرطًا من شروط الاكتشاف والتجدّد، فلا وصول إلى الذروات دون تبنّي نهجِ الرفض، رغم تماهيه مع المتنبّي في محاورَ عديدةٍ.
يتمحور رفض أدونيس لفكر المتنبّي في الجزء الثاني من "الكتاب"، ويدور حول موقف الشاعرين من الحرب ضدّ الروم، وهو موقف يتوزّع على أربعة فروع هي؛
- حرب إبادة مقابل دعوة للسلام.
- . تباين صور الخيل لدى الشاعرين.
- الثواكل والسبايا بين نصّ احتفاء وبين نصّ تفجُّع.
- فظاعة الصورة الشعريّة في ساحات القتال. وفيما يلي التفصيل؛
حرب إبادة مقابل دعوة للسلام؛ في هذا الفرع يتكاتب أدونيس مع المتنبّي في ثيماتٍ ثلاث هي؛ إبادة العدوّ، هدم ومحو معالم العدوّ المكانيّة، إزالة رموز العدوّ الدينيّة. وتؤكّد هذه الثيمات حضور الموت والدمار، واحتفاء المتنبّي بل تغنّيه بإنجازات سيف الدولة العسكريّة ضدّ الروم، ويَظهر الشاعر في تلك الحرب مشاركا فاعلا، كما يشهد القارئُ في كثير من شعره، إذ يقول محتفيًا بانتصار سيف الدولة:
"لا يَعْتَقِي بلدٌ مسراهُ عن بلدٍ كالموتِ ليس له رِيٌّ ولا شبعُ".
والمعنى أنّه لا يؤخّر سيفَ الدولة فتحُ بلدٍ عن السير إلى فتحِ غيرِه، فهو كالموت لا يُروى ولا يشبعُ، فالغزو في عُرفِ سيف الدولة مشروعٌ لا ينتهي، إنّه مشروع إبادة وإذلال للإنسان والمكان. ومثل ذلك نجد في قول المتنبّي:
"سحائبُ يُمطرْنَ الحديدَ عليهِمُ فكلّ مكانٍ بالسيوفِ غسيلُ".
فالموت هو الأمر الوحيد الذي ينشده المتنبّي لأعدائه، فكأنّه يغسل المكان بالسيوف فلا يُبقِي منهم شيئًا.
مقابل ذلك يجعل أدونيس المحتلَّ المُضطَّهَدَ في المركز، معارضًا المتنبّي، فيقول:
"ماتَ أبناؤنا، فلتمُت
هذه الحرب، لا بأس باللهو، حينًا،
وبآلائه،
ولتعُدْ هذه السيوفُ لأغمادها
لتمُت هذه الحرب. حول بيوتنا
بيوتٌ لأطفالنا
عمّروها وماتوا".
يصوّر أدونيس في هذه السطور إلحاحَ الضحيّة في طلب السلام لينتهيَ مسلسلُ الموت الذي يتغنّى به المتنبّي، وبذلك يرفض موقف المتنبّي وما يجرّ من مصائبَ على الناس.
لا يكتفي المتنبّي بالنيل من الإنسان في شعره، إنّما يدعو لتقويض وإذلال رموزه الدينيّة، فيجعل الحرب شاملةً لتأتيَ على الإنسان، المكان، والرمز، يقول مبيّنًا صنيع سيف الدولة:
"حتّى أقامَ على أرباضِ خرشنةٍ تشقى بها الرومُ والصلبانُ والبيَعُ"
وفي هذا خروجٌ عن تعاليم الدين الإسلاميّ الداعية إلى صيانة دور العبادة، الشيوخ، النساء، والأطفال، الأمر الذي يبرّر شغف المتنبّي في النيل من عدوّه.
أمّا أدونيس فيدعو في متونه إلى التآخي والسلام، ومن ذلك قوله:
"اذهبْ وغنِّ الرومَ
أغنيةَ الصداقة والإخاء
اغسل عنِ الأرض الجراح
وعن وجوههم الدماء".
هكذا يرفض أدونيس فكر المتنبّي، جاعلًا قصيدته مساحةً ترتقي فيها إنسانيّة الإنسان التي يعتبرها السقفَ الأعلى للحياة.
ينقل إيهاب تصريحَ أدونيس ورأيَه في الآخر، فهو لا يرى في الآخر مجرّدَ عنصرٍ للحوار أو التفاعل، بل هو عنصرٌ مكوّنٌ لذاته، يمكنه بواسطة الآخر أن يكتشف ذاتَه، وبذلك ينسجم رأيُه في الآخر مع متنه الشعريّ الذي يدعو فيه إلى الحبّ بين العرب والروم، الشرقِ والغرب، الأنا والآخر، كقوله:
" شاعرٌ
قاده الحبُّ في كلّ درب
وَلَهًا، واحتفاءً
يسكبُ الشرقَ في غربه،
الغربَ في شرقِه،
ويُوحِّدُ فيه شتاتَ الوجود".
//تباين صور الخيل عند الشاعرين؛
تبرز الخيل عنصرًا أساسيًّا لدى الشاعرين، إلّا أنّهما يختلفان في توظيف الخيل، وهذا جانبٌ آخرُ من جوانب الرفض لدى أدونيس، فالمتنبّي يرى في الخيل أداةً من أدوات الحرب متجاهلًا كونها كائناتٍ حيّةً محدودةَ الطاقّة والإمكانيّة، بل يجعلها لا تعرف التعبَ، مجرّدةً من الإحساس والشعور والعاطفة، بينما يرى أدونيس في الخيل موطنًا للإحساس والعواطف، رافضًا تشيييء المتنبّي لها، إذ يجعل الحصان في صدر قصيدته؛ لأنّه يراه الأهمّ في نصّه وفكره، ويمنحه الحياة التي حرم منها في أبيات المتنبّي الذي يقول فيها:
"وخيلٍ براها الركضُ في كلِّ بلدةٍ إذا عَرّسَتْ فيها فليس تَقيلُ"
أمّا أدونيس فنسمعه يقول:
"الحصانُ يُسرِّحُ عينيه في غابة الدموع
سقطَ الفارسُ الرفيقُ، مضى
حيثُ لا شيء:
لا قومةٌ، ولا رجوع".
وفي هذا الكلام ما يثير عاطفة القارئ، فيتضامنُ مع الحصان، وهو يطلب الخلاصَ من ساحة الحرب. يعقّب إيهاب على هذا المقطع مشيرًا إلى أنّ صوت الحصان هنا يمثّل صوتَ أدونيس ومخزونَه الآيديولوجيَّ المناهضَ للحرب، والرافض إقحامَ الخيول فيها، إنّه الصوتُ المؤْذِنُ برفعِ لواء الرفض في وجه المتنبّي وخروجِه من دائرة التماهي معه.
//الثواكل والسبايا بين نصِّ احتفاء ونصِّ تفجّع؛
يلتقي القارئ في نصوص المتنبّي صورَ الثواكل والسبايا المنتحباتِ؛ ليمجّد انتصاراتِ سيف الدولة التي يتغنّى بها الشاعر، رغم الصور المفجعة التي تفرزها أبياتُه، إذ يقول في وصف الخيلِ، مادحًا سيفَ الدولة لنيله من الروم:
"وَكَرّتْ فمرّتْ في دماءٍ مَلَطْيَةٍ ملَطْيّةُ أمٌّ للبنين ثكولُ".
يبيّن إيهاب أنّ المتنبّي ينشغل بالعامّ قبل الخاصّ، فانشغاله بالنصر يُقصيه عن الالتفات للأمور الصغيرة، بينما ينشغل أدونيس بالخاصّ قبلَ العامّ، فيلتفتُ لآلام الأمِّ الثكلى قائلًا:
"كلّ يومٍ قُبَيلَ الغروب
تجيء إلى الموقف القريب إلى بيتها،
تتفقّدُ أبناءها وأحفادها
في يدٍ
وتتمتمُ: يا موتُ خذني إليهم".
أدونيس يتعاطفُ مع الأمّ الثكلى، وهي ترى في موتها تجدّدَ لقائها بأبنائها، فهو بذلك يحوِّلُ في شعرِه الأمرَ المهمَّشَ إلى المركز، فيدفع القارئَ إلى التعاطف معها، مقابلَ انشغال المتنبّي بعرض لوحاتِ الانتصار على حساب معاناة الآخر وجروحه، ممّا يدفع أدونيس إلى معارضتِه والثورةِ عليه.
يلتفتُ أدونيس لتصوير ظاهرة اليُتمِ نتيجةَ الحرب الدائرةِ، فيصوّر طفلًا يتيمًا يسأل عن أبويه عند جارٍ لهم، وآخرَ يسقي العابرين الماءَ، فينقلُ واقعَ الشخصيّاتِ الجريحة في الحرب لتصبحَ واقعًا مألوفًا في فكر القارئ ومخيّلتِه، فيتفاعل معها، بذلك ينقلُ هذه الصورةَ من مستوى المقام إلى مستوى الفكرة، أي من المستوى المحلّيّ إلى المستوى العالميّ، ولتصبح ظاهرة اليتم همًّا إنسانيًّا.
يرى المتنبّي في أطفال الحرب متاعًا لسيف الدولة، فيعمل بذلك على تشييء الأطفال، ممّا يثير حفيظةَ أدونيس على المتنبّي، لانشغاله في الحرب، والأوْلى، وهو الشاعر، أن ينشغل بالكتابة والشعر، وأن يجعل شعرَه طِرسًا (كتابَا) لا تُرسًا يُستخدَمُ في الحرب، وفي ذلك يقول أدونيس وكأنّه يعنِّفُ المتنبّي:
"أخَذَتْه لغاتُ السلاحِ وأصواتُها:
الصفائحُ مثلُ الصحائف،
والتُرسُ طِرْسٌ".
//فظاعة الصورة الشعريّة في ساحات القتال؛
ينقل كلٌّ من المتنبّي وأدونيس عبر متونهما مشاهدَ الحرب المأساويّة، لكن بنوازع متباينة، فحين يطرب المتنبّي لهذه المشاهد المؤْذِنةِ بالنصر ينفرُ أدونيس منها، يحزن، ويتألّم، وينقل هذه المشاعر للقارئ الذي يتضامن معها. يقول المتنبّي طَرِبًا لتلك المشاهد:
"لهُ عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى بها عسكرًا لم يُبقِ إلّا جماجمَه"
تدرك طيور السماء الجارحة مصيرَ الروم وتستعدُّ لتتغذّى بجثث القتلى منهم، ممّا ينسجم مع مشروع الإبادة الذي يطربُ له المتنبّي. أمّا أدونيس فيصف تلك المشاهد قائلًا:
"حفرةٌ، رأسُ ميّتٍ
وغرابٌ على الرأسِ يجثو:
صورةٌ تتكرّرُ في كلِّ شمس".
تزعزع هذه الصورةُ كيانَ الشاعر وتثير غضبَه، مؤكّدةً رفضَ أدونيس لمشروع الإبادة لدى المتنبّي، وفي ذلك كشفٌ للواقع الإنسانيّ المؤلم برأي كمال أبو ذيب.
الطيور الكواسر لدى المتنبّي تُفني جثثَ القتلى ولا يكتفي بذلك، بل يجعل تلك الطيور تصلُ إلى الأحياء، فيقول:
"يطمعُ الطيرُ فيهم طولَ أكلِهم حتّى تكادُ على أحيائِهم تقعُ".
في المقابل تدفع هذه الصور المأساويّة أدونيس لأن يعتبرَ الأرضَ مخنوقةً هامدةً بقوله:
"حقلُ موتى، كواسرُ من كلِّ فجٍّ
بُرَكٌ من دم: مائدة
إنّها الأرضُ – مخنوقةً، هامدةً".
هذه الأجواء المؤلمة المحزنة في نصّ أدونيس تعكسُ نزعةَ الرفض لمشروع المتنبّي، ممّا جعل كثيرًا من الدارسين يؤكّدون أنّ الدّوْر الذي يقوم به أدونيس هو إعلاء ثقافة الرفض، إضافةً لرفض انتهاج أسلوب التجاوز.
يوضّح الدكتور إيهاب في نهاية الفصل الخامس من دراسته أنّ منهجيّة الرفض واضحةٌ في هويّة أدونيس الفكريّة، وفي نتاجِه الشعريّ والفكريّ والنقديّ، وهذه المنهجيّة تشكّل أرضيّةً تقوم عليها عمليّةُ البناء، فلا يقتصرُ دورُه على الهدم والرفض، إنّما ينطلقُ إلى مشاريعِ البناء، علمًا أنّه يتماهى مع كلّ ما ينسجم مع فكره ورؤاه، كما تقدّم.
وبعد، فإنّ طروحاتِ الدكتور إيهاب في جُلِّ الدراسةِ عامّةً، وفي الفصل الخامس خاصّةً، تقومُ على نهجٍ أكاديميّ صرف، يعتمد فيها على ما يستحضرُه من قرائنَ نصّيّة من شعر المتنبّي وأدونيس؛ ليَدخلَ في عمليّةِ مقارنةٍ بين ما يقوله كلٌّ منهما، فيأتي بقولٍ للمتنبّي ويقابله أو يقارنه بآخرَ لأدونيس؛ ليثبتَ الفكرةَ التي يطرحها فيما تقدّم، وهو في طروحاتِه التي يعرضها يُثبتُ سعةَ ثقافته ومدى اطّلاعه على آراء المتقدّمين من الدارسين والنقّاد، داعمًا طرحه بآرائهم ونتاجاتهم الأدبيّة، أمثال كمال أبو ديب، محمّد بنّيس، أدونيس، زهيدة جبّور، خالدة السعيد، إبراهيم طه، وغيرهم من دارسي الأدب ونقّادِه في العالمين الغربيّ والعربيّ، يؤكّد ذلك قائمة المصادر الغنيّة بالعربيّة والإنجليزيّة التي يعتمد عليها.
يلتفت إيهاب في نقاشه للمتنبّي وأدونيس إلى ظواهرَ لغويّة أو أسلوبيّة تؤسّس وتدعمُ ما يُفرزُه نقاشُه في كلِّ فصل من فصول الدراسة، كنهجِه المقارِن في توظيف الفعل "اغسل" لدى الشاعرين، واختلاف مفهوم ذلك الفعل لدى كلٍّ منهما، كما يلجأ لتوضيح بعض الظواهر الأسلوبيّة كحديثه عن توظيف ظاهرة تسكين أواخر السطور عند أدونيس، ممّا يولّد، برأيه، نغمةً وموسيقى حزينة تنسجم مع جوّ الحزن المهيمن على القصيدة، إضافةً لتوظيف أسماءِ الاستفهام، في شعر أدونيس خاصّةً، ذلك الاستفهام الذي يتّخذُه الشاعرُ وسيلةً في تعاملِه مع الواقع المأساويّ. يرى إيهاب في تلك التساؤلات بدايةً لمسيرة التثوير، فالتساؤلُ يستحضرُ التشكيكَ، والتشكيكُ يعكس نزعةَ الرفض الحاضرةَ في فكر وشعر أدونيس.
ومن الآليّات التي يلجأ إليها إيهاب في طروحاته ظاهرة جدولةُ النتائج الحاسمة التي يستخلصها في نهاية كلّ فصل، وهي ظاهرة تنسحب على كلّ فصول الدراسة، ممّا يعكس الجهدَ البالغَ الذي بذله الباحث فيها.
وبعد، فقد تجشّمَ إيهاب في هذه الأطروحة مركبًا وعِرًا، لكنّه تألّقَ في خوض غمار موضوعٍ شائقٍ وشائكٍ لشاعرين عملاقين من عمالقة الشعر العربيّ بجرأةٍ بالغةٍ، لا نعتقدُ توفّرَها عند كثير من الباحثين.
نبارك للدكتور إيهاب هذا الإنجاز العظيم، آملين له مزيدًا من العطاء والتقدّم.



.png)

.png)






.png)

