من صهوة الخيل إلى صهوة الشعر! (2-2) قراءة في شعر يحيى عطاالله| د. محمد هيبي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

للشعر القديم وعمود القصيدة سطوتهما على الشاعر يحيى عطاالله. فهما مصدر جنونه وهيامه وإلهامه. وعلى ما يبدو، سيظلّ هائما بهما يستجدي شيطانه بحثا عن ليلاه، كما هام مجنون بني عامر في وادي عبقر. وليلى يحيى عطاالله هي القصيدة التي يهيم بها ويسعى وراءها، ولكنّه لا يلهث بل يتمكّن منها بسهولة ويُمسك بقرونها التي لا تلبث أن ترفّ عليه بسهولة ولطافة أيضا. ويظهر ذلك جليّا في قصيدة "أهيم ملءَ جنوني" (صهيل، ص 68):

أهيمُ مِلئَ جنونـي في هـوى سَفَرٍ

مَرُّ المسافة، بين الروح والحبرِ

إني مضيتُ، شراعُ الشعر يحملني

عـبر الهواجـس من بحر إلى بحرِ

وقد فتحت على الأوزان خاصرتي

وسِلْتُ من مهجتي في العجز والصدرِ

وكم سهرتُ على عـنّات قافيتي

والنظم شاغلني عن طلعة الفجرِ

يسري الخيال فيأتيني بما رسمت

يداه في عالم الأوهام والسحْرِ

أُمسي وأُصبِحُ مأسورا بهاجسه

ولستُ أطلَقُ مــن دوامة الأسرِ

حـتى أصُفَّ خيالاتي عـلى ورقٍ

وأفرش الوهم في سطر ورا سطرِ

ذلك وغيره يُؤكّد أنّ الله لن يتوب على مجنون وادينا كما تاب على مجنون بني عامر. سيظلّ يحيى عطاالله يهيم في وادي عبقر يبحث عن خيمة الخليل ليرفع عمودها. ويتجسّد ذلك أيضا وبكل عنفوانه، في "بساط الروح"، ديوانه الجديد الذي صدر مؤخّرا.

* * * * *

عَلى قَلَقٍ كَأَنَّ الريحَ تَحتي

أُوَجِّهُها جَنوباً أَو شَمالا (?!)

بغضّ النظر عمّا إذا كانت مفردة "قلق" في بيت المتنبّي أعلاه، تُقرأ بفتح اللام أو كسرها، فإنّ قلق البعير أو الحصان الذي يمتطيه المتنبّي هو تعبير عن قلقه هو أيضا. وما دام قلق الشاعر هو المهيمن على صدر البيت فإنّ عجزه يكون تساؤلا يُؤكّد قلقه في صدر البيت، وليس جوابا. فالمتنبّي الحائر القلق يتساءل إلى أين يوجّه ريحه، أي بعيره أو حصانه الذي يُشبّهه بالريح لسرعته، أيُوجّهه جنوبا أو شمالا؟ ويأتي الجواب الذي يُنهي قلق المتنبّي وحيرته في البيت التالي مباشرة:

إِلى البَدرِ بنِ عَمّارِ الَّذي لَم

يَكُن في غُرَّةِ الشَهرِ الهِلالا

الجواب هو بدر بن عمار الذي يُشبّهه بالبدر الذي أنار طريقه وبدّد قلقه وحيرته كما يُبدّد نور البدر الظلام. وقد قال "إلى البدر" ليُشبّه بدر الأرض ببدر السماء، وقد قصده ليبحث في شموخه عن شموخه.

ويحيى عطاالله، هو أيضا شاعر الشموخ والقلق الذي يجد في المتنبّي بدره الذي يُنير طريقه ويُبدّد قلقه وحيرته ويُرسّخ شموخه. وهل سيجد عطاالله شاعرا وعَلَما أفضل من المتنبّي في شموخه وقلقه، ليُوجّه إليه ريحه. شموخ عطاالله وقلقه في ديوانيه السابقين لا يخفيان على القارئ، أمّا في ديوانه الأخير فهما امتداد أكثر بروزا، خاصّة وأنّه خصّ المتنبّي بقصيدة رائعة أراها جوهرة دواوينه الثلاثة.

شعره في نظري يُماثل بشكل ما شعر المتنبّي في شموخه وقلقه، وإن اختلفت الأسباب والظروف، أنّ قلقهما، الذاتيّ والجمعيّ، كلّه أو بعضه على الأقلّ، صادر من المنبع ذاته. فعمّا بحث المتنبّي عندما يمّم وجهه شطر طبرية قاصدا بدر بن عمار الذي أولاه برائعتين من شعره: "ورد إذا ورد البحيرة شاربا ..." و"على قلق كأنّ الريح تحتي ...". ألم تكن أوضاع أمّته التي قال فيها: "يا أمّةً ضحكتْ من جهلها الأممُ"، هي ذاتها مصدر قلقه الذي دفعه إلى بدر بن عمار باحثا عن شموخ تلك الأمّة في شموخ أبطالها؟

أليست تلك الأوضاع كذلك هي ذاتها مصدر قلق يحيى عطاالله على لغته وأمّته؟ تلك الأوضاع السيّئة هي ما دفعه نحو المتنبّي باحثا في شعره وشموخه عن تاريخ تلك الأمّة وشموخها الذي كان؟ بتاريخ المتنبّي وشموخه يُعزّز يحيى عطاالله شموخه بالانتماء إلى أمّته في واقع راهن أفقدها الكثير الكثير من أعمدة شموخها؟ وهذا الشموخ وذلك القلق، أليْسا هما مصدر تلك الإشراقة الفكريّة التي ذكرها بروفيسور إبراهيم طه في تقديمه للديوان الأخير (بساط الروح، ص 5-15) حين قال: "قرأت المجموعة الشعريّة الأخيرة ليحيى عطاالله بيتًا بيتًا، قصيدة قصيدة، ولم تكن بينها قصيدة واحدة لم تترك فيّ أثرًا طيّبًا. بعض الأثر مردود إلى إشراقة فكرية مبتكرة، وبعضه إلى صورة شعرية فاتنة تتبعها فتنة، وبعض ذاك الأثر يتّكئ على تعبير عربيّ قحّ أصيل"؟

وإذا نظرنا إلى واقعنا الراهن، الفلسطينيّ خاصّة والعربيّ عامّة، سنفهم ونتفهّم ذلك القلق الذي يجعل يحيى عطاالله يدخل في شعره، كما يقول بروفيسور إبراهيم طه أيضا: "من الأبواب المشرعة نفسها التي يدخل منها أدباؤنا في الحلّ والمرتحل. وليست هذه خطيئة ولا خطأ. وهل يحيى عطاالله مقطوع من شجرة حتى ينتبذ؟ وما هي هذه الموضوعات أو الثيمات التي يستنفر قلمه لأجلها؟ بعضها موضعيّ آني تاريخيّ كالقضية السوريّة، ومسألة المهجّرين الفلسطينيّين. وبعضها موضعيّ آنيّ فرديّ كتكريم الشاعر الراحل مفيد قويقس ورثائه رحمه الله. وبعض المعاني امتداديّ كقضيّة العروبة والانتماء إليها، والموقف العدائي من الدين، ومناصرة المرأة وحقّها، والاحتكام إلى قيم التآخي الإنسانية، واللحاق بركب الزمان والحضارة. وبعض مواضيعها غزل عفيف بالمرأة، وغزل جغرافيّ إن جاز هذا التعبير على نحو ما يفعله في وصفه لحيفا والجليل وجبال الكرمل ويركا (قرية الشاعر). وبعض المعاني موصول بالدعوة القديمة إلى تجديد اللغة العربية".

* * * * *

 

سبق لي أن تحدّثت عن غزل يحيى عطاالله وموقفه من المرأة، وعن تعصّبه لعمود الشعر رغم أنّه لا يرفض الجديد والتجديد. لكن سأتوقّف هنا عند قلق الشاعر وغضبه لأستجلي أثرهما في بعض القصائد، على الشاعر وعلى موقفه الاجتماعي والسياسي الذي قد لا أتفق معه فيه أحيانا، ولكنّني أتفهّم قلقه وغضبه في كثير من جوانبهما.

في كثير من قصائد الديوان يصبّ يحيى عطاالله غضبه على أمّته العربية، ولكن في اعتقادي من منطلق حبّه لها وشوقا لعودتها إلى غابر أمجادها وحرصا على لغتها الجميلة التي يفتتن بها ويراها تستحقّ منّا اهتماما أكبر بكثير ممّا يراها تناله اليوم من أبنائها "البررة". تلك الأمّة وما بلغته في الماضي من مجد ورفعة، وخلّفته لنا من تراث وأدب رفيعين، وعلى رأسهما عمود الشعر، تسودها اليوم أوضاع سياسية واجتماعية مزرية ومحزنة تُثير قلق الشاعر وغضبه.

في قصيدته "مرايايَ الاثنتا عشرة"، وهي أشبه بديوان قصير مؤثّث باثنتي عشرة قصيدة، يبرز في بعضها شموخ الشاعر وطموحه، وفي بعضها الآخر يبرز قلقه وغضبه. وسأكتفي منها ببعض النماذج.

في قصيدة "فتاتي"، القطعة الأولى من "مراياي الاثنا عشر" (بساط الروح، ص 63)، تتجلّى نفس يحيى عطاالله الشامخة وروحه الطامحة إذ يقول:

وإنّي بعيدُ الشأوِ استشرف المدى

ولـكـنْ بقـلــبي لا بعيْنَيّ أبـصِرُ

وإنّي أرى دُنيا الرجـالِ مفازةً

توغّل فـيها طـامـحٌ مُتشمِّـر

أمّا في القطعة الثانية بعنوان "أمّتي" (ص 68)، فيبرز قلق يحيى عطاالله متمثّلا بغضبه الذي يصبّه على أمته العربية لأنّها تخلّفت عن ركب الحضارة وتركت الغرب يُسيطر على أقدارها. ويتمثّل قلقه أيضا بموقفه من الدين الذي يراه يلعب دورا سلبيا في حياة الأمّة. وربّما في البيتين التاليين يبلغ غضبه حدّ الحقد على أمّته لهبوطها إلى ذلك الحضيض. ولكنّي لا أرى حقده رجعيّا قاتلا، بل هو حقد ثوريّ يستفزّ ويستنهض به أمّته لتبحث عن طريق خلاصها ولتسطع شمسها من جديد. يقول:

وللعُـرْب لا حــولٌ ولا قوّةٌ سوى

على حمل عبءِ الخزي وهو مقَنطِرُ

مُثلّث قهر العُرْب: جهلٌ مهيمنٌ

وفـقـرٌ مُـذِلٌّ ثــمّ ديــنٌ مُـخــدِّرُ

من حقّ يحيى عطاالله علينا أن نتفهّم غضبه، لأنّه من جهة، لكلّ إنسان فكره ومواقفه، ومن جهة أخرى لأنّ تلك الأوضاع البائسة للأمّة، أفقدت الشاعر وطنه، فلسطين التي لم تعد هزيمتنا الأولى، وبسبب سوء حال الأمّة،  لا يراها الشاعر الهزيمة الأخيرة. ستستمرّ الهزائم إذا تمادت الأمّة في جهلها واستمرّت في خنوعها لتلك الأوضاع ومسبِّبيها. في القطعة الثالثة بعنوان "هزيمتي" (ص 69)، يقول:

فلسطين ما أولى هـزائمنا ولا

أخيرتها والسّوس في العـظمِ ينخرُ

فهذي عيون القدس ترنو لواحةٍ

وما غير وجه الرّملِ في البيدِ تُبصرُ

وتلك الأوضاع وإن دفعت الشاعر للتّنكّر لأمّته وأحوالها، إلّا أنّها لم تُعْمِه عن موروثها المتمثّل بلغتها التي تكفي ليشكرها عليها ويضحّي من أجل دفع الجفاف والتّصحّر عنها. يقول في قطعة "لغتي" (ص 73):

فمـا نلت من قومي سوى لغتي وما

على غيرها أبناءَ قومي أشكرُ

حريص عليها مثل حرصي على دمي

وفي قلب قلبي جذرُها يتجذّرُ

وحرص الشاعر على لغته ليس إلّا صورة عن حرصه على أمّته التي يكاد يُهينها ليستفزّها. ولكنّ أقوال الشاعر التي تبدو في منتهى القسوة، ليس فيها بحال من الأحوال دعوة لليأس والتشاؤم، بل فيها استفزاز واستنهاض للهمم كما أسلفت، يتّفقان مع ما يُظهره من شموخ وقلق في شعره بشكل عامّ، وبشكل خاص في تمسّكه واعتزازه بعمود الشعر وفي تدبّره لقصائده كما جاء في قطعة "شراعي" (ص 75):

أقيم عمود الشعر من عظم أصابعي

وأنسجُ من روحي بيوتا وأضفّرُ

ولا تُـفهـم الأشــعار بالـفــكـر إنّـمـا

تُـدبّـر بـالإحسـاس حـيـن تُـدبّـرُ

أمّا في قطعة "بُعدي" (ص 83)، فتتجلّى دعوة الشاعر لأمّته لتتوحّد آخذة العبرة من وحدة مجتمعه العربي الفلسطيني في الداخل، والذي لم يتمكّن الكيان الصهيوني من تمزيقه رغم كلّ محاولاته. يقول:

هنا في بلادي حيثُ شعبي روافدٌ

تصبُّ مصبًّا واحــدًا حين تنهرُ

وفي قطعة "كفاحي" (ص 85)، يتجلّى شموخه بكفاحه من أجل الحفاظ على كرامته وحياته الكريمة في وطنه. يقول:

نُكافـح من أجل الحياة كريمة

لنحيا كراما لا أقلُّ وأكثرُ

على أرضنا نبني، نضيء تُرابنا

ونغرس أشجار الحياة فتثمرُ

وأكثر ما يتجلّى شموخ يحيى عطاالله وعظمته، وكذلك قلقه وغضبه بشكل صارخ، ففي قصيدته للمتنبّي، "المتنبّي قمّة القمم" (ص 40). تلك القصيدة، رائعة شعره، خاطب بها "المتنبّي" ورفعه فيها نبيًّا. فأيّ شموخ إذًا سيطغى على شموخ يحيى عطاالله حين يرى المتنبّي يتربّع على قمّة قمم الشعر والشعراء، ويُضيء تلك البقعة التي سطعت بشعره في تاريخ الأمّة وتراثها؟ وما دام الحديث يدور عن المتنبّي وشموخه وعظمة شعره، فلا أقلّ من المركب العسير، البحر الطويل الذي يخشى كبار الشعراء الخوضّ فيه، ليركبه يحيى عطاالله بشموخ ويُوجّه ريحه نحو تلك القامة الشامخة:

خرقتَ جدارَ الصوتِ والكلُّ زاحِمُ

ولكنْ بذاك الزّخمِ وحدَكَ قادمُ

أبـا الطيّبِ استـوهَجتَ أيَّ قريـحةٍ

وأنـتَ بمـا فوق القريحة ناظمُ

معانيكَ مـن وهجِ النبوءة والرّؤى

وما الشِّعرُ إلّا بالرّؤى يتعاظم

ويستمرّ يحيى عطاالله في مديح المتنبّي وتعظيمه، إلى أن يرى في شعره كتابا مقدّسا ينفع لكلّ العصور، ماضيها وحاضرها ومستقبلها:

وأنتَ مـنَ الأزمانِ آتٍ وحـاضر

جـديـدٌ عتـيـقٌ محـدثٌ متـقـادمُ

أبا الطيّبِ افخر فالمعالي مفاخرٌ

لقد حُمْتَ فيما لا تحومُ القشاعِمُ

فخارُكَ عندي لا غرورًا عددتُه

ولكن إباء الضّيم إذ جـار ضائمُ

وبهذا الفخر الذي يُسَوِّغه الشاعر للمتنبّي، فهو في عُرفه ليس عيبا ولا حراما ولا غرورا عند أولئك الذين يستحقّونه والمتنبّي أحقّهم، بهذا الفخر أرى يحيى عطاالله يُمهد الطريق لنفسه بنفسه، لنفهمه ونتفهّمه ونتفهّم فخره واعتزازه بها. وما دام المتنبّي كما يراه ويفهمه يحيى عطاالله في الأبيات التالية، يرى نفسه في مدائحه قبل ممدوحيه وأعظم منهم:

مــلأتَ الدّنى مثلَ الهواء فما بها

مـكـان خـلـيٌّ مـنكَ أو عـنـكَ صائـمُ

فوالله مــا ذاك الزئير الذي عـلا

سوى صيتِك العالي وليس الضراغم

ووالله أنـتَ الوردُ والواردُ الذي

شــرابُـكَ مـن قـلـبِ البحـيـرةِ ساجـمُ

إذًا ما الذي يمنعنا، نحن قرّاء يحيى عطالله، من أن نراه على تلك الشاكلة؟ فهو حين يمدح المتنبّي ويُفاخر به، والفخر في عرفه ليس غرورا بل هو المعالي التي تستحقّ أن يفاخر بها كلّ من يصل إليها، إذًا فالممدوح في قصيدة يحيى عطاالله ليس المتنبّي وحده، بل هو يحيى عطاالله نفسه أيضا. والشموخ الذي يتجلّى في القصيدة في مواجهة الظلم، هو ليس شموخ المتنبّي فقط، بل هو شموخ يحيى عطاالله أيضا:

أبا الطيّب واجهتَ ظُلمَكَ شامخا

وقد كنتَ بالفخرِ الجريحِ تُقاوِمُ

هكذا هو يحيى عطاالله أيضا، يقلق لكنّه يُواجه الظلم بشموخ. فهو ما أن يُذكَر الظلم حتى يبدأ قلقه من جهة، وتبدأ حمم غضبه تنصبّ من جهة أخرى، على الأمّة الساكتة على ظلمها وظالميها. ويصبّها بشكل خاصّ على الأوغاد الظَّلَمَة، قادة الأمّة. ولكن "واحسرتاه" كما قال يحيى عطاالله نفسه، الفرق بينه وبين المتنبّي، أو بين عصريهما، هو أن المتنبّي رغم سوء الحال في عصره، فقد وجد بعضا من قادة العرب يلوذ بهم ويمنحهم شرف مدحه لهم، بينما يحيى عطاالله في عصره، عصرنا هذا وواقعنا الراهن، لا يجد من بين أولئك القادة، وغدا واحدا يستحقّ أن يرفعه هذه المرتبة ويمنحه شرف مدحه له. وهذا ما يقوله صراحة للمتنبّي وكأنّه يقوله لنفسه ولنا:

وجدتَ لمن تُجزي المديح وتأتوي

إلى ظلّه إن أحرقَتْك السَّـمائِمُ

ولـكـن أنـا يـا حـسـرتـاه فـلـم أجِـدْ

جديرا بما تنشقّ عنه المباسِمُ

فـما قـائد مـن قادة العُـرْب ليس لا

تجـوز علـيه اليوم إلّا الشّتائِمُ

غضبُ يحيى عطاالله على أمّته عظيم بقدر سوء حالها ودوام خنوعها وتركها للآخرين ليتحكّموا باقدارها. لهذا فهو يراها في قصيدة "زلزال" (ص 99)، بلغت من سوء الحال مبلغا لا يُصلح إلّا بزلزال يمحو جمودها، جمودنا، و"يغسل العقلَ من إرث وذاكرةٍ" و"يخلقنا من جديد":

لن يَصلح الحال إن لم يأتِ زلزالُ

يهدم حالًا ليُبنَى بعـدَه حالُ

... ... ...

يُفني الجمود فلا يُبقي على جمدٍ

غطاؤه الله والميراثُ والآلُ

الزلزال الذي يرمي إليه يحيى عطاالله هنا، هو رمز  يُحيل إلى الثورة التي تحتاجها الأمّة العربية، الثورة على ما لم يعد يُلائم العصر من موروثها، وعلى أصنامها الجدد الذين لا همّ لهم إلّا منع قيام تلك الثورة، لأنّ الثورة هي ما سيقضي عليهم ويصنع من أمّتهم خلقا جديدا.

كان الشاعر مدركا أنّ الزلزال الحقيقي يهدم ويمحو ولا يَبني، لذلك حين قال "يخلقنا من جديد"، قصد به الثورة. ولذلك وظّف الفعل المبني للمجهول "ليُبنَى"، لأنّ الزلزال الحقيقي كما أسلفت، يهدم ولا يبني، بينما الثورة تبني أمّة قادرة على البناء. ولكنّ المشكلة التي تؤرّق يحيى عطاالله هي أنّ ثورة الأمّة العربية ما زالت في علم الغيب. يحيى عطاالله بفكره ونظرته الثاقبة، يُدرك حاجة الأمّة إلى الثورة، لكنّه بسبب أوضاعها المزرية، لا يُدرك متى ستأتي تلك الثورة، أو إن كانت ستأتي أصلا؟!

* * * * *

 

لا يُمكن في هذا المقال رغم طوله، أن نقول كلّ ما يُمكن أن يُقال حول يحيى عطاالله وشعره، ولكن ما لا شكّ فيه، هو أنّه في دواوينه الثلاثة، ورغم أنّه ما زال في بداية عطائه، فقد استطاع أن يبني صرحا أدبيّا وشعريّا، قويّا وشامخا، يعكس مدى توهّج إحساسه ومدى تمكّنه من تدبير قصائده، شكلا ومضمونا، كما سبق وقال عنها، رغم أنّ المعنى يصلُح على حدٍّ سواء، كتعبير ذاتيّ يُوجّهه الشاعر لنفسه، ويصلح كتعبير عن تجربة الشاعر الحكيم، يُوجّهه للشعراء الآخرين وللقرّاء عامّة:

ولا تُـفهـم الأشـعار بالـفكر إنّـما

تُـدبّـر بـالإحسـاس حـيـن تُـدبّـرُ

(انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين