من عجائب الترجمة في الزمن الترللي: "صدام جبهوي".. في مدينة البشارة!| فتحي فوراني

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

صدفة.. وقع بين يديّ عدد من مجلة "الضوء الأخضر" التي تصدرها وزارة المواصلات العليّة باللغة العربية. والمجلة ترجمة ليست طبق الأصل عن الأم العبرية אור ירוק المختصة بقوانين السير وحوادث الطرق والعنتريات البطولية على شوارع الإمبراطورية. وقعت عيناي (حماهما الله من الوقوع!) على الخبر الصادم عن "صدام جبهوي" عنيف في الناصرة!

ولا أخفي عليكم أنني صدمت.. ووقع الخبر عليّ وقوع الصاعقة!

فأنا أفهم وأتفهم أن تكون هنالك جدالات واجتهادات ونقاشات وخلافات في البيت الواحد بعيدًا عن الاختلافات والمكابشات والمناطحات.. أما أن يصل ذلك إلى النقاش المدجج بالعصي والكراسي؟ فهذا خط أحمر.. لا يليق بنا أبدًا! وحضارة العنف.. ليست حضارتنا.. والعنف ليس من شيمنا!! (والسؤال الذي يطرح نفسه: هل هذا صحيح!؟)

لقد عزّ عليّ كثيرًا أن يكون هنالك "صدام جبهوي" عنيف بين الإخوة والأحبة في السفينة الواحدة.. حاملي البوصلة الواحدة!

وأصابني ما أصاب المتنبي عندما علم بنبأ رحيل أخت سيف الدولة.. "ففزعت فيه بآمالي إلى الكذبِ".. راجيًا أن يكون النبأ فرية ساقطة سقطت علينا وبرع في صنعها أساطين الأقبية المخابراتية، وهي -لا شك- من إنتاج "أجهزة الخفافيش" التي لا تخفى عليكم هُويتها.. والتي لا تريد الخير لشعبنا أبدًا!

**

"صدام جبهوي" وفي الناصرة؟ رابع المستحيلات.. بل سابع المستحيلات!

ولكي يطمئن قلبي وأهدئ من روعي.. هرعت إلى الهاتف، فهاتفت أحد أصدقائي القدامى من أيام الزمن الجميل في مدينة البشارة، مستفسرًا عن مدى صحة النبأ.. وفيما إذا كان هنالك إصابات وجرحى وربما قتلى –لا سمح الله- سقطوا نتيجة هذا "الصدام الجبهوي" العنيف.

في أول الأمر.. أنكر صديقي الأمر إنكارًا مطلقًا.. فضرب قبضته على الطاولة.. وقال: مستحيل!

هذا كلام السرايا! كفانا الله شرهم!

والهوة كبيرة بين كلام السرايا وكلام القرايا!

**

ثم نضا عن ساعديه.. وراح يجري اتصالات محمومة ومكثفة.. مع ذوي الشأن..

فاتصل بـ"أهل مكة" الخبراء في شعابها.. وفي أسرار جبهتها وفي ثنايا حاراتها وشوارعها وأزقتها وصولًا إلى عين عذرائها عندما كانت عذراء.

 واتصل بالجبهويين والشيوعيين والقوميين والقومجيين.. والأصدقاء و"الأعداء".. والزعلانين المعتزلين.. والمناضلين الميدانيين.. بدءًا من المستشار برهوم مرورًا بالمحمدين.. وانتهاء بكوادر المؤيدين.. لكي يتوصل إلى الخبر اليقين.

ونفى جميع هؤلاء هذه الإشاعة نفيًا قاطعًا.. واستنكروا هذه الفرية المفبركة الخارجة بالتأكيد.. من الدهاليز المعتمة لمخرجها "الأخ الكبير"!

ورغم هذا.. لم يطمئن قلبي.. فركبت رأسي.. وظلت ثورة الشك القاتل تسرح وتمرح عارية في داخلي.. وانطلق الخط البياني صاعدًا وتسارعت وتيرته لتبلغ رقمًا قياسيًا.. وتعانق القمّة!

وفي لحظة إشراقة رحمانية.. لمعت كالبرق الخاطف.. مخترقة غيوم المشهد الرمادي.. انطلقت البشارة التي أطفأت حرائق الفضول التي انتشرت في داخلي فزعزعت أركاني وزلزلت وجداني.

وقضى ربك العليّ القدير إلا أن يفرجها عليّ وعلى عباده السائرين على الصراط المستقيم!

وقلت في نفسي.. فُرجت.. فُرجت.. "وكنت أظنها لا تفرج"!

من ناصرة البشارة.. جاءت البشارة!

جاء الخبر اليقين.. حاملًا راية النصر المبين.. من مؤسسة "أبو الأمين"!

لقد استل الأديب أبو خالد من حقيبته "قنبلة الموسم" وبشرني بعثوره على "اللص" المطلوب وألقي القبض عليه مدخنسًا بين السطور وبحروف صغيرة في المجلة العبرية.

قال أبو خالد: بعد البحث والتحقيق والتنقيب والتفتيش بسراج وفتيلة.. اكتشفت سر "الصدام الجبهوي"!..

ثم ابتسم الأديب الأديب وأردف قائلًا: المجلة باللغة العبرية.. موجودة بين يديّ وأمام عينيّ.. ففي الصفحة الثالثة أقرأ نبأ عن حادث اصطدام وقع فعلًا "وجهًا لوجه" بين سيارتين.. يقودهما مشاعيط السياقة أبطال الشوارع.. الذين لا يردعهم رادع!

 اسمع يا طويل العمر.. ماذا يقول الخبر:

התנגשות חזיתית!! בין שתי מכונית وبالعربية الفصحى.. حادث اصطدام "وجهًا لوجه" بين سيارتين!

ولم يشأ المترجم الذكي إلا أن يظهر براعته في الترجمة، فترجم العبارة العبرية התנגשות חזיתית!! وجعل منها "صدامًا جبهويًّا"!

لا أكثر ولا أقل!

**

يقول الراصد اللغوي:

سوّد الله وجهك أيها المستعرب "الخبير" المتخفّي بأقنعة اللغة العربية.. لقد حولت الاصطدام "وجهًا لوجه" بين السيارتين.. إلى "صدام جبهوي"!

هذا ما كنت ترجوه وتحلم به.. ولكنك فشلت وفشرت وسقطت.. سقوطًا مريعًا!

 وسقط القناع عن وجوه يومئذ عليها غبرة .. فخلع الملك ثيابه.. وسقط سرواله.. وراح يمشي عاريًا!

11-7-2020

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين