من قرش شدمي حتّى نهب ممتلكات العرب، المؤرخ آدام راز في حوار خاص بـ"الاتحاد"| مريم أبو الهيجاء

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

المؤرخ آدام راز في حوار خاص بـ"الاتحاد" عن مجزرة كفر قاسم

حلّت بالأمس، الذكرى الرابعة والسّتون لمجزرة كفر قاسم، لهذه المذبحة الجماعية الّتي راح ضحيتها أكثر من خمسين عربيًا من النساء والرجال والأطفال، تحت إمرة "الله يرحمه"، و"بلا عواطف"، بالتزامن مع العدوان الثلاثي على مصر، وفي نفس اليوم الّذي شنّ فيه الاحتلال متآمرًا لضرب حركة التحرر الوطني ونهب ما يمكن بالاستعمار والهيمنة خارجًا، و"ابتكار" ظروف داخلية يشتد وقعها عند الشريط الحدودي الشّرقي، تهدف إلى دبّ الرّعب في أفئدة العرب لترحيلهم، كما قال ضباط إسرائيليون في ذلك الحين.

هذه المأساة، التي وُثّقت شعرًا ونثرًا وبحثًا، تظلّ ندبة، أو لنقل جرحًا غائرًا على درب آلام الفلسطيني القابع في وطنه، بنفس الدرجة التي تشكّل فيها وعيًا ذاتيًا مخضوبًا بالنّضال، بإفشال مخطط التشريد "الخلد" الذي كُشف بعد سنوات، وإسدال الستار عن الواقعة بجسارة الحزب الشيوعي وقيادييه، إذ حاولت حكومة إسرائيل، وما زالت مع اختلاف أشكال تطبيق إجرامها وفاشيتها، أن تجلي هذه الجماهير بالقوّة والترهيب عن وطنها، وطنها الأم الذي خُلقت على ترابه وكانت تبتغي الصبر والصمود فيه لعلّ عودةً للحقّ مكتوبةً لهم، وأن تلحقهم بركب اللاجئين بعد ثماني سنوات من قيامها على أنقاض شعبٍ نهبته عصاباتها، هجّرته واحتلته، لتعود بترانسفير شيطاني مُعلن بالحصاد بلا هوادة، وإرساء صهيونيتها، بالاقتلاع وترسيخ سياسة التمييز والاضطهاد والقهر القومي وجعل هذه الأقلية كما تأمّل أذناب بن غوريون، "حطابين وسقاة ماء"، لتفضح كفر قاسم سر العواصف وتعلّمنا أن هذه اللطمة كما قال درويش لن تجعلنا قط نساوم.

في هذه الذكرى الاستثنائية ومع انبثاق الكثير من الدلالات والإثباتات على الجريمة التي ما زالت حكومة إسرائيل تتنكّر لها أجرينا في الاتحاد مقابلة، مع المؤرخ آدام راز، المختص بالتاريخ السياسي والأيديولوجي، متحديًا التّيار الصهيوني السائد الذي حاول أن يُخفي لطخةً في جبين حكام إسرائيل سنتذكرها دومًا، ليخطّ ببحثه باللغة العبرية كتابًا يفضح مآرب المجزرة بعنوان: "مجزرة كفر قاسم، السيرة السياسية"، نستقي من حوارنا هذا أهميّة كشف النقاب عن الوثائق وعن السيرورة التاريخية التي مرّت بها حكومات إسرائيل بعدائيتها المفرطة تجاه الجماهير العربية، ونبرز أهم ما جاء في كتابه الذي تُرجم للعربية، ليُضاف إليه حديثًا كتاب آخر بعنوان "نهب ممتلكات العرب في حرب الاستقلال".

 

"الاتحاد": ما الذي دفعك كمؤرخ لتوثيق مذبحة كفر قاسم، وما أقدمت عليه حكومة إسرائيل وفضح سياسة بن غوريون؟

راز: أثارت القضية اهتمامي من عدة اتجاهات وجوانب مختلفة. أوّلًا، المجتمعان اللذان يتشاركان البلاد، الفلسطيني واليهودي/ إسرائيلي، إذ يروي الاثنان لأنفسهما قصصًا مختلفة ومتضاربة حول المذبحة. بالنسبة لليهود، فالحديث يدور عن قصة مروعة أصدر المسؤولون عنها حكمهم، وبالطبع كل الإرث الحقوقي الهام، لأمر "غير قانوني بشكل واضح". لكن بالنسبة للفلسطينيين، القضية أكثر تعقيدًا: ليس فقط فكرة العيش تحت حكم عسكري منذ نهاية 1948 وحسب، وإنّما أيضًا "ما وراء الكواليس" لهذه المذبحة. وأعني بهذا تحديدًا "مخطط الخلد"، والذي كان هدفه طرد وتهجير سكان القرى الواقعة في المثلث، من كفر قاسم جنوبًا وحتّى أم الفحم شمالًا. ثانيًا، الكتاب عن المذبحة. الكتاب عن المذبحة هو في الواقع جزء من سلسلة أخرى في أبحاثي تحاول إعادة بناء وفك شيفرة التاريخ السياسي لتلك السنوات. ونظرًا لأنني أمضي قدرًا كبيرًا من وقتي في البحث في الأرشيفات في جميع أنحاء البلاد، فقد أردت استرجاع تاريخ المجزرة والإحاطة بها من اتجاهات مختلفة، باستخدام مواد من أرشيفات متنوعة. ثالثًا، لا أريد أن أبدو رومانسيًا، ولكنّني أحب بحقّ منطقة المثلّث، وأرى بنفسي جزءًا لا يتجزّأ من البيئة هناك. البحث عن المجزرة أتاح لي التعرف على تاريخ القرى والحكم العسكري بشكل خاص من خلال سجل تاريخي مثير للاهتمام لم يكن معروفًا حتى ذلك الحين. رابعًا، كنت شديد الفضول لمعرفة التاريخ السياسي للمجزرة، وقد كتبت في مقدمة الكتاب، أن استرجاع الأحداث يشبه قصة بوليسية، ومن الصعب الكتابة بلا دافع ومحفّز.

 

التنقيب عن وثائق المجزرة أصعب من بحث تاريخ إسرائيل النووي

"الاتحاد": كم كان صعبًا العثور على وثائق تكشف حقيقة ما حصل في كفر قاسم، في ظل الحكم العسكري، ومحاولات التعتيم الكبيرة، والتي كان الحزب الشيوعي جزءًا هامًّا وفاعلًا للكشف عنها؟

راز: سأخبرك قصّة طريفة، عندما نُشر الكتاب، أقيمت عدة ندوات، واحدة منها في يافا. واستدعي النائب أيمن عودة ليلقي كلمة آنذاك، صعد إلى المنصة وقال شيئًا من هذا القبيل: "آدم راز صديق، ونشكره جزيل الشكر على أبحاثه، لكنّنا في الحزب الشيوعي عرفنا حقيقة المجزرة منذ سنوات عديدة".

لعب نشطاء الحزب الشيوعي دورًا هامًا جدًّا في فترة ما بعد المذبحة، في نشر المعلومات حول المجزرة وتنظيم النضال الجماهيري ضد الحكم العسكري وسياسة دافيد بن غوريون. لكن في مجالي، التاريخ، تلعب الوثائق والسجلات دورًا حاسمًا.

لقد تمكنت من الوصول إلى وثائق جديدة، تتعلّق بـ"مخطّط الخلد" وعن غاياتها. علاوة على ذلك، آمل أن أكون قد تمكنت من إثبات أن المحاكمة، والتعامل السياسي مع القضية وتعتيم التاريخ الحقيقي للمذبحة، كلّها مرتبطة بـ"مخطط الخلد". قلتُ مرارًا، إنني قرّرت تأليف كتاب عن المجزرة، بعد كتابتي العديد من الدراسات حول تاريخ الأسلحة النووية في إسرائيل- ربما يكون هذا الموضوع الأكثر تعقيدًا الذي يمكن البحث حوله والكتابة عنه، بفعل تدخل وزارة الأمن، الرقابة وهيئات أخرى. اعتقدت أن الخبرة التي اكتسبتها بعد إصدار كتابي حول الموضوع، ستعدّني لجهود إخفاء المؤسسة الإسرائيلية كل ما يتعلق بالمجزرة.

وهكذا، أستطيع اليوم أن أقول بثقة أنه من الأسهل الكتابة عن التاريخ النووي الإسرائيلي أكثر من الكتابة عن جوانب معينة من السياسة الإسرائيلية تجاه المواطنين العرب. في مرحلة ما وصلنا إلى المحاكم، ولفترة طويلة كانت هناك محاكمة في محكمة الاستئناف العسكرية بخصوص طلبي بالكشف عن 550 صفحة من البروتوكولات التي لا تزال سرية. لقد مضى أكثر من عامين على جلسة الاستماع الأخيرة وما زلنا ننتظر قرار اللواء دورون بيلز، رئيس المحكمة العسكرية.

 

الحزب الشيوعي "محرّك الضّمير"

"الاتحاد": كتابك "مجزرة كفر قاسم، السيرة السياسية"، ماذا يضمّ بين طيّاته وأي الجوانب التي ركزت عليها أكثر؟

راز: يروي الكتاب تاريخ المجزرة من اتجاهات مختلفة. يصف الفصل الأول الجدل الدائر داخل حزب "مباي" الحاكم بشأن الحكم العسكري ويظهر أن هناك خلافًا جوهريًا بين القيادة اليهودية بشأن ذلك. ويتناول الفصل الثاني بشكل مكثف "مخطط الخلد"، ويظهر الارتباك الذي ساد داخل القوات الإسرائيلية فيما يتعلق بتنفيذ الخطة. اعتقد الجنود على أرض الواقع أنهم يجب أن ينفذوا "خطة الخلد" على الرغم من عدم إصدار أمر رسمي بعد. كانت الفكرة هي طرد سكان المثلث. أما الفصل الثالث، والأصعب على الاطلاق، يسمى "وقائع المذبحة"، ويصف المذبحة دقيقة بدقيقة، على امتداد عشرات الصفحات. الكثير يعلمون أن مجزرةً حدثت في كفر قاسم، لكن لا يعلمون أنها استمرت مدة ساعة كاملة، قتل فيها النساء والرجال والأطفال بوحشية، بينما كانوا عائدين إلى بيوتهم. ورغم أنني كتبت هذا الفصل إلّا أنني لا أستطيع قراءته اليوم البتة. وفي الفصل الرابع، أتناول تمويه وإخفاء أحداث المجزرة، وأوضّح كيف تصرفت المؤسسة الإسرائيلية لمنع الجمهور اليهودي والفلسطيني من معرفة حقيقة ما حدث. بينما يتطرق الفصل الأخير، إلى النضال الطويل نحو كشف الحقيقة. وقد أشرت سابقًا إلى حقيقة أن الشيوعيين لعبوا دورًا مفتاحيًا لكشف المجزرة، لذا دعيني أخبرك، أنني أتحمس بالفعل، كلّما تذكرت أسماء القادة مثل توفيق طوبي، إميل حبيبي. وبصراحة تامة، ما فعلوه تطلب الكثير من الشجاعة وأفعالي لم تكن كذلك.

 

 

"الاتحاد": المجزرة لم تكن نابعة من مجرد الشعور بالغضب مع اندلاع العدوان على مصر، انما كانت هنالك أوامر عسكرية محددة وواضحة، فكيف كشفت عنها في كتابك؟

راز: أخذ "مخطط الخلد" بالحسبان، أنه سيكون هناك قتلى عرب. هذا مذكور بوضوح، وصعب قراءة هذه الأمور. وقد ذكرت في الكتاب على طول صفحاته، عقلية منفذي الأوامر، والتدريب الّذي تلقوه. بدون أدنى شك، إن مرتكبي المجزرة رأوا بالعرب أعداء (وأنا أستخدم هنا كلمات ناعمة). تمكنت من استعادة جزء كبير من الأوامر التي صدرت كجزء من "مخطط الخلد"، وكذلك الفهم الذاتي الخاص بالجنود حيال المخطط، من خلال وثائق قانونية ومستندات التحقيق الخاصة بالشرطة العسكرية.

بالإضافة لذلك، فإنّ أهم المواد التي تمكنت من الحصول عليها، كانت المواد والقوائم الشخصية لشموئيل مالينكي، قائد كتيبة حرس الحدود -توفى منذ عقود- وكنت مضطرًا لإقناع عائلته كي تفصح عن المواد التي جمعها هو في القضية. وفي النهاية، سمحت العائلة لي بالاطلاع على المواد، ووجدت معظم ما احتجته للكتاب عن خطة الخلد، والنقطة الرئيسية للخطة، ألا وهي إخطار "شيوخ القرية"، إخلاء الحدود خلال 3 ساعات فقط من وقت الإخطار.

 

"قرش شدمي"، واللقاء شبه المفتوح

"الاتحاد": أخبرني أكثر عن مقابلتك لشدمي كمحاولة لتوثيق المجزرة، عن كلامه حول ما حصل، والمحكمة التي انتهت بحكم هزيل "محكمة القرش الواحد"، ما الحوار الذي دار بينكما، وكيف استنبطت منه أن ما حصل هو فعلاً مذبحة وليس أقل من ذلك؟

راز: أجريت عددًا من المقابلات مع يسسخار شدمي، وقد استغرق إقناعه بالتحدث بشكل مفتوح وصريح (نسبيًا) بعض الوقت. لقد مرّ وقت طويل منذ محادثاتنا، ولكنني أتذكر أنه بعد المحادثة الأولى فهمت أن هنالك قصة لم تُروَ بعد. وقال شدمي إن محاكمته كانت محددة مسبقا، هناك صفقة (ومن المعروف أن عقوبته كانت دفع قرش واحد)، والغرض من المحاكمة هو منع توريط من هم أرفع شأنًا عسكريًا منه، مثل الجنرال تسفي تسور، رئيس الأركان موشيه ديان، ورئيس الحكومة دافيد بن غوريون.

لقد أخبرني عن التدخل السياسي في المحاكمة وخوف النظام السياسي من انبثاق الحقيقة. كما قال لي أن من جهته فحتّى يومنا هذا يدفع ثمن ذلك. لو لم يصمت كما فعل في المحاكمة فمن المحتمل أن تبدو بعض الأمور مختلفة عمّا هي. وقد أشار لي أنهم علموه أن يضحي بنفسه إذا لزم الأمر، وهكذا فعل حينما سكت.

 

"الاتحاد": كيف حصلت على وثائق تفضح من يقف وراء شدمي، وما الهدف من محاكمته بالفعل إذا كان الحكم سخيفًا ويتم تعويضه لاحقًا (وقد قلت سابقًا إنها محاولة للتستر عن مسؤولين وضباط أرفع منه)، هل كانت إسرائيل تحاول بعد 8 سنوات على قيامها أن تثبت "ديمقراطيتها" أو خوفها من رد فعل دولي بمحاكمة كهذه؟

راز: لو كان الأمر متعلّقًا ببن غوريون أو بموشيه ديان، فلن تكون هناك محاكمة مطلقًا. في الواقع السبب ما وراء محاكمة الجنود الأحد عشر في محاكمة واحدة ويسسخار شدمي بمحاكمة أخرى، كان الضغط الشعبي وهو أمر استثنائي في تلك الأيام. الحزب الشيوعي وجهات مدنية ويسارية أخرى، هم الذين حافظوا على إبقاء القضية في الوعي العام. من وجهة النظام السياسي، كان من الممكن اغلاق الأمر بلا ضجة كبيرة. ولكن بمجرد أن خرجت القضية إلى الحيز العام، محليًا وعالميًا، كان يجب معالجة الأمر ولم يعد الصمت خيارًا جيّدًا. لذلك كان هنالك محاكمات، ولكن النقاش حول مخطط التهجير، عُقد خلف الأبواب المغلقة.

في مرحلة ما، أدرك الجنود أنهم يدفعون ثمن الأوامر التي أعدّت لهم. وأنا لا أدافع عن الجنود أبدًا، ولكن هذا يتضح ممّا جمعته من مواد. لقد قالوا: "علّمتمونا وحضرتم لنا مهمة تنفيذ "مخطط الخلد" فما الذي تريدونه منّا؟"، ولكن الناس لم يعرفوا شيئًا عن هذه النقاشات، لأنّه بينما كانت معظم المحاكمة مفتوحة، كل الجلسات التي عقدت حول خطة الخلد كانت مغلقة، وحتّى اليوم هذه البروتوكولات مخفية. وقد تمكنت من الحصول على جزء كبير من المواد عن المخطط، من مواد مالينكي التي لم تكن في الأرشيف إنّما بحوزة العائلة. وبدون هذه المواد، مئات الصفحات منها مكتوبة باليد، لم ولن يكن بإمكاني كتابة تاريخ المخطط. وما زلنا حتّى الآن نكافح في المحكمة لتلقي المواد المتعلقة بكل هذه القضية.

ليس هناك خطط خفيّة اليوم – فالقمع تطوّر

"الاتحاد": حكومة إسرائيل تنطلق نحو اليمين بشكل متطرف وسريع ولم يعد حل الصراع قائمًا على الطاولة في ظل صفقة القرن وتطبيع الدول العربية، ولكن هناك بندًا هامًا ورد في صفقة القرن يعيدنا إلى أحداث كفر قاسم، وهو بند الترانسفير، وهذا البند لا يُعامل بنفس الشكل الذي عومل فيه العرب سابقًا وخاصة سكان المثلث وكفر قاسم مع خطة الخلد.. ولكن لا شك أنها نفس العقلية الاقتلاعية.. كيف تصف وتعبر عن هذا الاختلاف الشكلي بعد 64 عامًا على طريقة تعامل حكومة إسرائيل مع المواطنين العرب، وما الغاية برأيك، في حين أن اسرائيل تحاول بهدوء تام أن تفرض سياستها في صفقة القرن دون الحاجة للتستر عليها.

راز: أنا اعتقد أن صفقة القرن سيئة. ولكن مع ذلك، عارضت فكرة أن ضم المثلث للسلطة الفلسطينية هو "ترانسفير". أشدد أنني ضد ضم المثلث، ولكن هذا لا يعدّ "ترانسفيرًا". قبل شهرين، سكنت وعائلتي في "كتسير" بالقرب من برطعة عند مدخل وادي عارة. أعتقد أنه من الواضح بشكل حتمي، ان صفقة القرن لم تكن خطة صالحة حقيقية يجب تنفيذها، ولكن إذا حاولنا "اللعب" في "خطط السلام"، فمن المحتمل أن يتم ضم كتسير كذلك للسلطة الفلسطينية. هل يدور الحديث حول طرد اليهود الذين يسكنون هناك؟ لا. وبالطبع سوف يمرون من خلال ضوء مختلف في إسرائيل. وبالتأكيد، أنا لا أعتقد أن إخلاء المستوطنات من غلاف غزة هي "تهجير/طرد" لليهود الذين استوطنوا هناك. للدولة، حتّى لدولة يقودها حزب رجعي، لها الحق في اتخاذ قرارات كبيرة بشأن الأراضي. 

أنا أتفهم الاعتبارات السياسية لأيمن عودة وآخرين الذين قارنوا بين "مخطط الخلد" وصفقة القرن. ولكنني لا أتعامل مع السياسة إنّما مع التحليل السياسي. لو أن أحدًا قد روّج لضم المثلث للسلطة كنت سأذهب لكل مظاهرة مناهضة لهذا، ولكن برأيي هذا ليس ترانسفيرًا.

في ما يتعلّق بخطة الخلد، اليوم: كثيرًا ما يسألونني عمّا اذا كانت هنالك خطط كهذه مخفية في مكان ما لدى النخبة السياسية، وأنا أعتقد أن الاجابة لا. العالم تغيّر (جزئيًا للأفضل أو للأسوأ)، وأصبحت أشكال القهر والاضطهاد والرقابة والهيمنة التي تمارسها المؤسسة الإسرائيلي على الجمهور الفلسطيني أكثر تطورًا. لا أعتقد أن من وجهة نظر بنيامين نتنياهو على سبيل المثال، يجب طرد قراء الصحيفة. على العكس، التواجد العربي يتيح لليمين الاستبداد، التفرقة والتدمير. تعلّمنا من كارل ماركس، وجورج أورويل أن وجود عدو وهمي ومتخيل، من خلاله يمكن ترهيب الجمهور هو أفضل طريقة للهيمنة والحكم.

 

الامتيازات: رجل يهودي أشكنازي

"الاتحاد": ما هي التحديات التي تواجهك كشخص يسير عكس التيار السائد، خاصة وأن عليك أن تثبت "صهيونيتك" على الدوام كما قُلت سابقًا لئلا يُظنّ أنك غردت خارج السرب، ومؤخرًا أنت تثبت أنك مستمر بفضح ما جرى تاريخيًا للعرب في البلاد، والكتاب الأخير نهب ممتلكات العرب إبان النكبة، هو استمرار لجهودك هذه.. والتي قد يراها البعض تسيء لـ"سمعة" دولة إسرائيل.

راز: قيل لي مرات عديدة (خاصة من قبل أصدقائي العرب)، أنت شجاع. صديقي العزيز والشخص الذي أهديت له كتاب المذبحة، محمد ناصر، دائمًا ما يضحك ويقول إنني سأورط جميعنا مع جهاز الأمن العام (الشاباك). حقيقة أنا لا أشعر أني شجاع ولكن هذا لا يعني أنني جبان أيضًا. أنا أكتب الحقيقة، وأعلم أنني لو كنت فلسطينيًا مواطنًا في إسرائيل لكان الأمر أصعب بالنسبة لي. ولكنّني أنا رجل ويهودي أشكنازي. وفي عالمنا هذه نقطة بداية غير سيئة بتاتًا.

قبل نحو شهر، نشر كتابي الجديد "نهب الممتلكات العربية في حرب الاستقلال"، ونشرت قبل أسبوع مقالًا قلت فيه إنّ شلومو غازيت كان مهندس الاحتلال الإسرائيلي (على عكس كل الأشياء الجميلة التي قيلت بعيد وفاته قبل ثلاثة أسابيع). ونشرت قبل أشهر مقالات عن ترحيل سكان الجولان في حرب 1967، وكتبت عن الغيتوهات التي وضع فيها العرب خلال الحرب عام 1948. كل هذه المنشورات حازت على الكثير من التعليقات (وأنا سعيد جدًا بذلك)، لكنني لست شجاعًا مثل أولئك الذين يعانون يومًا بعد يوم من التمييز والقمع والعنف. في مثل هذه الأيام، حتى أن أمسك بقلم وأكتب الحقيقة شيء مهم، لكنني لست شجاعًا.

لقد تطرقتِ لحقيقة أني صهيوني، هذا صحيح، والكتاب مخصص لجدي الذي قاتل مع الـ"بلماح". الحرب هي جزء من تاريخ عائلتي وفي يوم الاستقلال أنا أخرج للاحتفال مع أطفالي في الشوارع. في الوقت ذاته، أنا أتذكر أن بالنسبة لصديقي محمد، وبالنسبة للشعب الفلسطيني هذا يوم كارثيّ. بالنسبة لي هذه ليست روايات مختلفة، إنّما عن نفس الرواية من منطلقات مختلفة. وحول الصهيونية، هذا يتطلب نقاشًا مطولًا ومفصلًا، وقد تلقيت انتقادات قاسية حول عنوان الكتاب، لمَ لمْ أكتب "نكبة" أو "الممتلكات الفلسطينية" بدلًا من "العربية". لدي إجابات لذلك. الآن سأقتصر على الفهم البسيط لماهية الصهيونية بالنسبة لي. أوافق تمامًا على تعريف "خطة بازل" المتفق عليه في المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897: "تسعى الصهيونية إلى إقامة وطن للشعب اليهودي في أرض إسرائيل على أساس القانون العام". كما هو معروف، كحركة قومية، كانت هناك تيارات مختلفة ومتعارضة في الصهيونية: أولئك الذين لم يرغبوا في رؤية العرب في أرض إسرائيل، وأولئك الذين اعتقدوا أنه يجب إقامة دولة ثنائية القومية هنا. الاثنان ​​"صهاينة" لذا فإن الحديث عن "الصهيونية" كأنّها خط واحد أمر مثير للسخرية.

ناهبو العرب: شركاء في الخطّ السياسي السائد!

"الاتحاد": حدّثني عن تجربتك الجديدة في الكتاب الذي صدر مؤخرًا، ما تفسير مقولة بن غوريون إن "معظم اليهود لصوص"، وبم فكر السارقون حينما أقدموا على السرقة، خاصّة وأن ما سُرق كان يعبّر عن تراث عربي فلسطيني كان حيًّا قبل قيام إسرائيل، وعلى ماذا اعتمدت باستنتاجاتك؟

راز: كتابي الجديد مقسم إلى قسمين. الجزء الأول يصف نهب ممتلكات العرب في القرى التي تم احتلالها. من أول مدينة احتلت، طبريا (مختلطة)، إلى آخر مدينة عربية وهي بئر السبع. في الجزء الأول، خصصت أيضًا فصلاً طويلاً لنهب القرى الفلسطينية ونهب المساجد والكنائس. الجزء الأول يتعامل بشكل أساسي مع الوصف وليس التفسير. بينما يتناول الجزء الثاني من الكتاب شرحًا اجتماعيًا وسياسيًا، وهو مخصص للمواقف السياسية المختلفة التي انبثقت في البلاد، في ما يتعلق بالنهب ونتائجه ومعانيه.

الجزء الثاني من الكتاب، وهو الأساسي، يشكل جزءًا من سلسلة أخرى في كتاباتي حول السياسة الإسرائيلي والصراعات داخلها في تلك السنوات. وقد كتبت في مقدمة الكتاب أن أحد ادعاءاتي الرئيسية هو أن النهب الفردي، وليس المؤسساتي على يد الدولة، جنّد اليهود لدعم سياسة سعت إلى طرد السكان العرب في نهاية الحرب.

كان نهب الممتلكات، أحد مظاهر الخط السياسي الذي تضمن إجراءات إضافية: التهجير، تدمير القرى، حرق البساتين، وقتل الحيوانات الموكلة للعمل الريفي وغير ذلك. ومع ذلك، شارك القليل في تنفيذ هذه الأعمال، ولكن في النهب اشترك الكثيرون.

برأيي كان للنهب نتيجتان كبيرتان على اللصوص: أوّلًا، مَن نهب بيت جاره، اقترف جريمة بكل ما في الكلمة من معنى. ثانيًا، في عملية النهب، أصبح حتمًا، شريكًا في الخط السياسي المذكور. على الرغم من أنه بالنسبة للسارق، ما فعله هو مجرد سرقة، إلا أن عددًا لا يحصى من عمليات النهب الفردي أصبح يتراكم في الواقع الاجتماعي والسياسي. من دخل إلى البيوت التي هجر أصحابها للتوّ، في القدس أو في عكا، أو في اللد، وسرقها، فعل ذلك بمبادرة منه وبمسؤوليته. بكلمات أخرى، أعمال النهب، شكّلته بالفعل دون أن يدرك بالضرورة عواقب أفعاله. ماذا فعل؟ ليس فقط الجريمة التي كان مسؤولاً مباشرًا عنها، لكن طلب منه أن يبرر أفعاله لنفسه، هو لم يرد أن يرى ما قام به، ويرى جاره الفلسطيني أو سكان القرية المجاورة يعودون إلى البيت الذي سرقه هو. ماذا يقول هذا الأمر عنه؟ لسبعين ألف يهودي في حيفا على سبيل المثال، لم يكن أدنى فكرة إذا كان السبعون ألف فلسطينيًا سيعودون في النهاية. لكن مشاركتهم في نهب الممتلكات التي تركها سكان بلدهم وراءهم جعلهم منوطين وراغبين بألا يعودوا فعلاً. أي في الحاضر، هم شركاء في خط سياسي تجاوز تأثيره أيام الحرب نفسها.

لكتابة الكتاب الجديد، عملت في ما يقارب الـ30 أرشيفًا في جميع أنحاء البلاد. من أكثر الأشياء المثيرة التي صادفتها كانت الرسائل التي كتبها سكان فلسطينيون يخبرون فيها عما حدث لهم، نظرًا لوجود القليل جدًا من التوثيقات من منظور عربي وكان ذلك مهمًا للغاية.

 

هدف الحكم العسكري تحقّق، فماذا الآن؟

"الاتحاد": في السابق، قلنا إن حكومة إسرائيل حاولت التستر على المذبحة، ولكن اليوم قد نرى أن لا مانع ولا مشكلة بتاتًا لدى الحكومة بأن تعترف أحيانًا أنها قتلت أحدًا من الجماهير العربية في البلاد، كما حصل مع يعقوب أبو القيعان مثلاً وبعد تحقيقات ومراوغات كبيرة. برأيك ووفقًا للسيرورة التاريخية كيف تحوّل هذا الوضع من الشعور بأنّ على إسرائيل أن تخفي جريمتها حتّى باتت تعترف بها في بعض الأحيان، ما التأثير الدولي، وما الذي تغير بالفعل في جوهر السياسة الإسرائيلية اليوم تجاه المواطنين العرب، هل باتت اللعبة نفسية أكثر من كونها تنفيذًا لأمر عسكري مع أن الأمرين لا يختلفان جوهريًا؟

راز: سابقًا، كانت هنالك حاجة إلى حكم عسكري، تصاريح وأذونات للتنقل، للسيطرة على الفلسطينيين في إسرائيل. اليوم لم يعد هناك حكم عسكري، ولكن جوهره لا يزال قائمًا. علاوة على ذلك، نعلم اليوم أن الحكم العسكري ألغي عام 1996، ليس لأن الجميع أصبحوا اشتراكيين فجأة وقرروا أن العرب شركاء في إعمار الدولة، التي يعيش فيها قومان، ولكن لأن الأهداف الرئيسية في وجود الحكم العسكري قد تحققت. مثلاً، أحد المهام السرية الموكلة (أقول سرية لأن الهدف المعلن كان الحفاظ على أمن الدولة) هو الحفاظ على الأراضي وتركيزها بأيدٍ يهودية ومنع إنشاء بلدات عربية جديدة، أو عودة اللاجئين الفلسطينيين في القرى التي هجروا منها عام 1948. في العام 1966 تم تحقيق هذه الغاية. وهكذا حال نظام التصاريح والحكم العسكري، دون تطوير البلدات العربية. واليوم، لا تزال الدولة تسيطر على مناطق معينة لمنع توسع وإعمار البلدات العربية. وهذا الأمر ليس فقط في النقب، إنما أيضًا في المثلث وفي أماكن أخرى. وفي كانون الثاني من العام 2021، سيطلق كتاب حررته حول الحكم العسكري بواسطة معهد "عكِفوت".

العلاقة بين اليهود والفلسطينيين مركبة وخاضعة للتلاعب السياسي. لن أشير هنا للطريقة التي تتشكل بها هذه العلاقة من الأسفل بين المواطنين، ولكن إلى حقيقة أن هناك اليوم جناح سياسي سيطرته مشروطة بشرذمة الشعبين وتقسيمهما. وأنا أقصد طبعًا الجناح السياسي الذي يقوده نتنياهو. المعضلة الكبرى، هي أنه وبسبب طبيعة سياسته، ولأنّه متمسك بـ"العرش" منذ زمن طويل، فإن طبيعة هيمنته انزلقت لسياسات أخرى. إذ نحتاج اليوم لأن نكون "صارمين" مع الفلسطينيين هنا، وفي الأراضي المحتلة، للحصول على الشرعية من قبل الجمهور اليهودي.

كنت أقل قلقًا، بشأن الشريط الذي قال فيه نتنياهو إن العرب يتدفقون الى صناديق الاقتراع، مقارنة بالفيديو الانتخابي المثير للاشمئزاز لبيني غانتس، والذي أظهر فيه عددًا من القتلى في غزة حينما كان رئيسًا للأركان. لماذا؟ لأنه إذا نحيّنا السخرية جانبًا، فإننا لا نتوقع التفاخر باحتساب وعدّ جثث الفلسطينيين لإثارة اليهود في صناديق الاقتراع ممّن يعتبرون في مركز أو حتّى مركز يسار الخارطة السياسية.

 

"الجانب الفلسطيني لا يقلّ أهمية عن اليهودي"

"الاتحاد": بعد هذه الأبحاث الكبيرة حول جرائم حكومة إسرائيل مع العرب، ما الذي استنتجته وأخذته لنفسك كمؤرخ، وكإنسان له قومية ومبادئ خاصة، هل تأثرت أفكارك بالأبحاث؟

راز: يجب التفرقة بين أمرين، هنالك أنا، آدم راز، المؤرخ الذي يتعامل مع التاريخ السياسي، وهنالك آدم راز الناشط السياسي والحقوقي، الذي يعمل في معهد عكِفوت لبحث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كمؤرخ، أنا ملزم بقواعد الانضباط والنظام التاريخي. لا أتعامل في أبحاث بإلقاء اللوم والمسؤولية، أنا أصف وأحلل التاريخ ما استطعت وفهمت؛ وكشخص له مبادئ وآراء سياسية واجتماعية، أسعى جاهدًا لاستخدام معرفتي كمؤرخ لتحقيق العدالة. لذلك ليس من قبيل الصدفة أنني أعمل في هذا المعهد الذي تتمثل أحد وظائفه في تقديم المساعدة لمنظمات حقوق الإنسان من خلال التوثيق التاريخي من الأرشيفات.

خذي على سبيل المثال، مذبحة كفر قاسم، كمؤرخ حاولت الحصول على أكبر قدر ممكن من المواد ونقل قصة حقيقية عن المجزرة. وباعتباري ناشطًا سياسيًا، فأنا أشارك في الفعاليات المتعلقة بالمذبحة والتي تقام هناك، وألقي محاضرة حول القضية، وقمنا بإنشاء موقع خاص في عكِفوت، يحتوي على آلاف الوثائق والمستندات المتعلقة بهذه القضية.

ومما لا شك فيه أن خياري للتعامل مع القضايا المذكورة يتعلق أيضًا بموقفي السياسي والاجتماعي. العلاقة بين اليهود والعرب في البلاد موضوع يشغلني ويقلقني كثيرًا، وحياتي الشخصية مرتبطة بهذه القضايا: زوجتي أنشأت روضة أطفال ومدرسة ثنائية اللغة، أولادي درسوا في مدرسة ثنائية اللغة، والفرقة الموسيقية المفضلة لدي هي فرقة SOUL  47.

أريد بالطبع أن تُقرأ أبحاثي لدى الجانب اليهودي، لكن الجانب الفلسطيني لا يقل أهمية بالنسبة لي. ومثلما أريد أن يعرف اليهود عن الأشياء التي حدثت عام 48، من المهم بالنسبة لي أن يفهم الفلسطينيون لماذا أعرّف نفسي بهذه الطريقة وكتبت "حرب الاستقلال" في كتابي عن النهب وليس نكبة. أعتقد أنني اخترت كتابة معظم بحثي من منظور قيمي وسياسي، بغض النظر عما إذا كانت كتبي عن القنبلة النووية أو عن ثيودور هرتسل والصهيونية أو أبحاثي عن كارل ماركس.

منصة نشاط احياء الذكرى الـ 20 للمجزرة

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين