مواجهة حاسمة بين دولة المال اليهودي ودولة الشريعة اليهوديّة| أحمد أشقر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

يمكن القول إن (نتنياهو)، الذي يُعدّ ربيب ورمز دولة المال وفسادها، لم يتوقع ردّ فعل الطغمة الماليّة وأصحاب الأموال اليهود على محاولة انقلاب 'دولة اليهود' وحكومتها الفاشنازية على نظام الحكم القائم حالياً في الكيان. تغيرات كهذه يمكن أن تُفضي إلى انقلاب على السلطة القائمة ومراكز المال واتخاذ القرار والقيم التي أفرزتها، واستبدالها بنظام حكم جديد يضع الشريعة اليهودية فوق كل شيء، ولا يُدرك أهمية "البيئة الآمنة للاستثمار" وتراكم الرأسمال، وبالنتيجة من شأنه أن يعيق تدفق الاستثمارات إلى الكيان أو هروب بعضها إلى دول تنافس الكيان في استقطاب الاستثمار وجني الأرباح. استفادت هذه الفئة من "الثورة القضائية" التي قام بها (أهارون براك)، رئيس محكمة العدل العليا السابق، الذي عمل على إضعاف "الوضع الرسمي" الجامع للمجتمع مقابل الإعلاء من شأن القيم الفردية، وقد استفادت بشكل خاص من تشريعات تدعم الخصخصة والتكتلات الاقتصادية الكبرى والسوق على حساب الحقوق الاجتماعية للطبقات الشعبيّة. لذا رفضت تضمين الحقوق الاجتماعية في سجل قوانين وقيم حقوق الفرد.

في تقرير كل من (سوفي شولمان) و(مئير أورباخ) المنشور على موقع (كلكليست 23. 1. 2023) تحدث بعض الرأسماليين اليهود من منطلقات 'وطنية' ورغبة في الاستثمار في الكيان، تدفعهم للدفاع عن الديموقراطية فيه، 'ديموقراطيّة رأس المال' طبعاً. أي أننا أمام مواجهة بين دولة المال اليهودي القائمة ودولة الشريعة اليهوديّة التي ستقوم ضمن تسوية ما.

وفي هذا السياق جاءت مشاركة بعض رجال الأعمال والمصرفيين اليهود في مظاهرة مساء خروج السبت في العشرين من شهر كانون الثاني الفائت، وبيانات بعضهم؛ واستقالة (موشِه حازَن)، رئيس اللجنة النقدية في (بنك إسرائيل)؛ وتحذير عميد بنك إسرائيل العائد من مؤتمر (دافوس)، (أمير يرون)؛ تفادياً للضرر الذي سيلحقه الانقلاب القضائي بالتصنيف الائتماني لإسرائيل. فيما سارع العديد من بيوتات المال العالمية الى التهديد بالتوقف أو سحب استثماراتها فعلاً إذا نجح الإنقلاب.

لا بد للأحداث المتتالية المذكورة وغيرها أن تعيق أو توقف (نتنياهو)، رئيس حكومة دولة اليهود. فـ"نتنياهو غَيَّر في الرأسمالية، وتم تجنيد الطبقة الوسطى لتمويل مصلحة مسيانية [خلاصيّة]"- كما يقول البروفيسور (أرييه كرامباف)، الأستاذ في كليّة تل أبيب- يافا والمتخصص في اقتصاد المؤسسات المالية والنقدية (سنعود إليه فيما بعد- https://newmedia.calcalist.co.il/magazine-24-11-22/m02.html).

جاء تحرك دولة الرأسمال بسرعة هائلة لأنها أدركت أن مصالحها في خطر، وهي التي استفادت كثيراً في الفترة ما بين الانتخابات الخمس الأخيرة التي كانت بمثابة "شهر العسل للرأسمال والفاسدين اليهود الذين واصلوا مراكمة السيطرة الاقتصاديّة والماليّة في مفاصل حياة اليهود والكيان على حساب جودة المنتجات [...]" كما كتبت في مقالي (الانتخابات في (إسرائيل): يهودية- يمينية- متطرفة مقابل يهودية- يمينية- ليبرالية، 2022).

كما يمكن القول إن اللقاء الذي عُقد بين (عميد بنك إسرائيل) العائد للتوّ من مؤتمر (دافوس الاقتصادي) والمتهم (نتنياهو) فهم الأخير منه أن ما يقوم به غير مقبول على طغمة المال التي يمثلها منتدى (دافوس)، الذي يدعو إلى توثيق علاقات المال بالسلطة، وأن رفضه لخطته جدّي جدّاً ومن شأنه أن يطيح به وبحكومته. (نتنياهو) يفهم هذا جيّداً، ويعرف أن الطغمة المالية العالمية هي التي حرّضت على الإنقلاب على محمد مصدق في إيران سنة 1953، وسلفادور الليندي في تشيلي سنة 1973.. والقائمة طويلة. هذه ليست مبالغة، بل مقاربة.

أما حديث هذه النخب التي تدعي النضال للحفاظ على الديموقراطية- لاحظوا؛ لا تتحدث عن حقوق الإنسان- فهو ليس أكثر من تخاريف، فلم نسمع منها ولو كلمة واحدة ضد إعدام الشباب العرب، وهدم بيوتهم، ومصادرة أراضيهم وإهدار كرامتهم- رغم أن هذه الممارسات تُنافض شرائع حقوق الإنسان وتُعدّ جرائم حرب. فهدف تلك النخب الوحيد هو الحفاظ على نظام الحكم والسلطة في أياديها ترفض المساس به أو مشاركته مع آخرين، إلا إذا اضطرت لذلك نتيجة لعدم قدرتها الفوز بالغلّة كلها (بالمناسبة: نشأ (أهارون براك) الذي يدافع المتظاهرون عن ثورته في الشوارع كـ"زلمة" (مناحيم بيجن) في جهاز القضاء ورسول الطغمة المالية التي حاربت دولة الرفاه التي أقامتها "الحركة العمالية الصهيونية" في الكيان).

***

جاءت محاولة الإنقلاب على نظام الحكم والسلطة في الكيان خلال فترة صعبة لدولة المال لعدة أسباب، كانت بدايتها قيام الصين منذ سنة 2019 بتجميد استثماراتها في الكيان، وتدخل الأمريكان الذين حظروا على الكيان السماح للصين بالاستثمار في بنيته التحتيّة؛ إضافة إلى انخفاض الاستثمارات الروسية والأوروبية منذ بدء الحرب في أوكرانيا (كانت روسيا مستثمراً هاماً)؛ ووصول إسرائيل إلى قمة قدرتها في جذب الاستثمارات في المعلوماتية التي تعتبر عصب اقتصادها للتصدير. قبل أكثر من سنة، صرح رئيس الحكومة السابق، (نفتالي بينيت)، وهو أحد العاملين والمستثمرين في هذا القطاع قائلاً إن إسرائيل بحاجة إلى 15% من الرياضيين الموهوبين والعباقرة العاملين في هذا القطاع كي يصبح قطاعاً منافساً على مستوى العالم- في المقابل يوجد فيها 9% من الرياضيين الموهوبين والعباقرة الآن. يتضافر انخفاض الاستثمار في إسرائيل مع أزمة عالمية تتجلى بفصل مئات آلاف العاملين في قطاع المعلوماتية، وكان بعض المفصولين يتقاضون مليون دولار كراتب شهريّ. وهناك قطاعات أخرى كالغذاء تعاني من حالة ركود أيضاً. هذا عمليّا هو الذي دفع بالطغمة الماليّة، "دولة رأس المال"، إلى التحرك بسرعة وكأنها كانت مستعدة لذلك فتوجهت إلى وسائل الإعلام التي تعتبرها صنيعتها ومنصتها المركزية، لتتحدث وتدافع عن مصالح هذه الطغمة فقط، بينما أهملت وسائل الاعلام الأخرى التي بدت كبهاليل وبهلوانات السيرك.

***

يدّعي (كرامباف) أن (نتنياهو)، منذ بداية الألفية الحالية وخلال حكومات اليمين الستّ التي شكلّها منذ سنة 1996، عمل على بناء نموذج من الرأسمالية الفائقة. فقد صمم هذا النموذج وجسدّه من أجل تقليل اعتماد اقتصاد كيانه على الغرب- وبالتالي تحسين قدرته على تحمل الضغوط السياسية الدولية وعدم قبول أيّة تسوية سياسيّة ولو شكليّة يقبل بها العرب. أما الآن وأمام محاولة الإنقلاب على نظام الحكم والجهاز القضائي المُتبّعيّْن في الكيان فمن شأنه أن "يكسر" النموذج الاقتصادي الذي بناه، فانطلق (نتنياهو) في تبني وبناء نموذجه المذكور من منطلقات يهودية متطرفة ومتعصبة للغاية وسوبر رأسمالية، تؤمن بأرض إسرائيل الكبرى.

لجأ (نتنياهو) إلى نموذجه المذكور بمبادرة ومساعدة منظري اليمين اليهودي والأمريكي على خلفيّة "الإنتفاضة الثانية" وتزايد الضغوط على كيانه للقبول بتسوية ما، إلا أنه أتبع التسويف والمماطلة إلى أن أعلن في خطابة الشهير في جامعة (بار- إيلان) سنة 2009 تخليه عن فكرة التسوية بالمطلق. كنت قد حللت هذا الخطاب بمقال يلخص موقف (نتنياهو) من الصراع اليهودي- العربي بالقول: (نتنياهو للعرب: حربُنا ضدّكم أبديّة!) وهذا ما يحصل طوال فترة حكومات (نتنياهو) والحكومات التي تم تشكيلها من قبل آخرين مثل (أولمرت) الذي يعتقد البعض أن محاكمته وسجنة كانا بسبب عرضه تسوية على محمود عباس "أكثر كرماً" من جميع رؤساء حكومات الكيان. فنموذجه في هذه الخطة هو بقاء واستمرار الاحتلال منفصلاً عن الإدارة الاقتصادية والماليّة لكيانه.

عمل (نتنياهو) على الفصل ما بين المنعة الاقتصادية وثراء كيانه- ودولة الرفاه الاجتماعي منذ تأسيس الكيان حتى تسعينيات القرن الماضي، حين توقفت الدولة عن الاعتناء برفاهيّة مواطنيها وجعلت رفاهيتهم من مسؤوليتهم الشخصيّة. خلال هذه الفترة أزال (نتنياهو) العوائق والحواجز أمام طغمة المال متبنياً مبدأ إضعاف لجان ونقابات العمال وتسهيل التشريعات الاستثماريّة. تؤكد على هذا قضايا الفساد المالي والإداري التي تجري محاكمته عليها. يمكن التخمين والشكّ أن القضايا التي يُحاكم عليها (نتنياهو) لا تشكل إلا القليل مما اقترفت يداه ولم تجرؤ مؤسسات الدولة المعنية على كشفه لأنه محميّ من أمريكا، ومن المرجح أن يُفتح هذا الباب، ولو بعد حين.

* * * *

كان (نتنياهو) ومعه أركان سلطته من (أشكنازيين)، وشرقيين، ومتدينين و(حريديم) يدركون أن نجاح هذا النموذج بحاجة إلى تفويض من ناخبين ومصوتين يمينيين- عقائديين، فوجدوا في اليهود الشرقيين و(الحريديم) الحامل الانتخابي الأمين لهذا النموذج. يقول (داني جوطوين)، وهو مؤرخ اقتصادي واجتماعي، إن سياسة الإفقار أدت إلى إنتاج التصويت الطبقي عند المتديّنين وأبناء الطوائف الشرقيّة. ثم يشرح ذلك بالقول: "في ظل نظام الخصخصة الإسرائيليّ، أعطى اليمين لمصطلح "يهوديّ" مضمونًا اقتصاديًا توزيعيًا. أي أن "اليهوديّة" استخدمت كمعيار للفوائد الاقتصاديّة. هذا هو التفسير الذي يجعل الطبقات الدنيا التي تصوت لليمين أكثر "يهوديّة"، في حين أن الطبقات القائمة التي تصوت لليسار هي "ليبرالية" أكثر" (/danigutwein.wordpress.com/2017/11/30).    

بكلمات أخرى عملت هذه السلطة على توزيع الأموال على هذه الجماعات بواسطة المؤسسات التعليمية الدينية اليهودية والجمعيات الأخرى التي تعني بشؤونها. وتقدّر بعض التقارير الاقتصادية أن ثمن اتفاقيات ائتلاف الحكومة الحالية، السابعة والثلاثين، حوالي 20 مليار دولار من ميزانية الدولة، لكن وزارة الماليّة ستدفع 5- 6 مليار دولار فقط ليتمتع بها أتباع هذه الجماعات دون غيرهم (https://www.calcalist.co.il/local_news/article/sjdpzj73j). لتعمل بذلك على تقوية الهوية والإنتماء اليهودي وتوزيع كوبونات غذائية على فقرائهم بحوالي مليار شيكل (= 300 مليون دولار)، إضافة إلى هذه المناعم و'الرشاوى'، تشكل المستعمرات اليهودية في الضفة الغربيّة سوقاً رخيصة لاستئجار وشراء المساكن من قبل هذه المجموعات التي لم تكن قادرة على السكن أو شرائها في الأرض المحتلة سنة 1948. هكذا يتم تعزيز الإستيطان، وتقوية اليمين الصهيوني والمتدينين و(الحريديم)، وتعزيز الهوية اليهوديّة. وإذا ما تحدثنا عن الخلافات الجوهرية بين دولة رأس المال ودولة الشريعة لقلنا ما يلي: تريد دولة الشريعة القضاء على القيم التي أرستها ثورة (أهارون براك)- واستبدالها بمصالح قطاعات مصلحيّة منافسة؛ كما أن هذه الدولة- دولة الشريعة- تريد زيادة الإنفاق الحكومي على القطاعات غير المنتجة للأموال، بدليل كلفة الاتفاقيات الإئتلافية البالغة على الورق 20 مليار دولار لقطاعاتها هي، في المقابل بدأت هجومها على بعض مخصصات كبار السن لتمويل قطاعات أخرى استحدثتها هي- وبينما تريد دولة رأس المال تخفيض هذا الإنفاق؛ تريد دولة الشريعة تصعيداً عسكرياً، وأمنياً، وسياسياً في المنطقة بدليل العدوان على مصنع للصواريخ في أصفهان بإيران والتخلي عن شعار حلّ الدولتين- في حين ترغب دولة رأس المال بأن تحافظ على الوضع القائم. والدولتان تتفقان على اعتبار عرب فلسطين سكاناً/ جوييم وليس مواطنين كما جاء في قانون القومية الذي اتفق عليه (الكنيست) والجهاز القضائي.

ما ذُكر أعلاه من معطيات وتحليلات يُفسر لنا سبب أو أسباب الانسجام التام بين مكونات السلطة الحالية تحديداً (نتنياهو) والجماعات الدينية اليمينية الفاشنازية. فـ(نتنياهو) الذي أنتج هذا الوضع لم يتوقع شدّة الخلافات- ولا نقول التناقض- الدائر الآن بين حلفائه من دولة المال ودولة الشريعة.

* * * *

يختلف كلاً من أتباع دولة المال ودولة الشريعة على تعريف ما يجري بينهما. فأتباع دولة المال يرونه خلافاً (وإن كان حاداً) بدليل قيام مندوبين عنهم بالحديث عن ضرورة إيجاد تسوية ما بين الطرفين؛ أقصد رئيس الكيان، (بيني جانتس)، و(يئير لبيد) وغيرهم طبعاً ممن يتحدثون سرّاً- لا نقول يتفاوضون- عن ضرورة إيجاد تسوية. بينما يرى أصحاب دولة الشريعة أن ما يجري بينهم هو صراع (من صرَع يصرعُ) وعليه يجب تتويج انقلاب سنة 1977 بالإستثار بكامل السلطة اليوم؛ ينبع هذا الموقف كونهم متدينين يؤمنون بأنهم رُسل "ربّ الجنود"، لذا يكثرون الحديث عن القيم الدينية- من جهة؛ ومن جهة أخرى- يهتدون بنصائح اليمين الشعبوي الأمريكي كما يتم التعبير عنه في موقع (كوهيلت) اليميني، (https://kohelet.org.il/) المستقى اسمه من أهم أسفار الحكمة في (التناخ)، سفر الجامعة.

سيتم حلّ الخلافات المذكورة ضمن تسوية تضمن بالأساس ثبات أسس وتشريعات الإستثمار وتراكم رأس المال، وستتم التضحية بما عداها من تشريعات وضمان "حقوق الأقليات"، والحفاظ على الوضع السياسي القائم بدليل وصول وزير الخارجية الأمريكي (أنتوني بلينكين) بعد يوم واحد من العدوان على إيران، أما خطابه عن الديموقراطية فكان كسحابة في آب. فدولة رأس المال يهمها ارتفاع أو انخفاض مؤشرات البورصة ربع درجة (وربما أقل) أكثر مما يهمها ضمان حقوق كل الأقليات بمن فيها جماعة (دافيد) ابن رئيس الكيان. وسيصبح الكيان عندها ذا رأسين منسجمين، رأس المال والشريعة، أكثر شراسة على السكان الجوييم/ العرب. هذا التحول هو الحالة الثابتة لإسرائيل اليهودية الاستعماريّة وسيزداد شراسة مع الوقت.

(ملاحظة اعتراضية: يعتقد البعض أن هدف (نتنياهو) هو التهرب من محاكمته وإمكانية إدانته. هنا نقول ما يلي: طالما يشكل أسياده الأمريكان غطاءً لسياساته لن تتم محاكمته. ولو أراد الأمريكان والدولة لفصّلوا قميصاً على شاكلة القمصان التي فصلوها لكل من (يتسحاك مرخاي)، و(موشِه كتساف)... و(سيلفان شالوم).. وما أسهلها!)

 

//ص

نتنياهو وحفاؤه من أحزاب الشريعة اليهودية (تصوير: نوعم موشكوفيتس، اعلام الكنيست)

 

//ع

سيتم حلّ الخلافات المذكورة ضمن تسوية تضمن بالأساس ثبات أسس وتشريعات الاستثمار وتراكم رأس المال، وستتم التضحية بما عداها من تشريعات وضمان "حقوق الأقليات"، والحفاظ على الوضع السياسي القائم. سيصبح الكيان عندها ذا رأسين منسجمين، رأس المال والشريعة

 

 

 

إقرأ وقارن:

المواطنون الفرنسيون من أصول أفريقية مظلومون طبقياً وعرقياً

اسكندر عمل

الاضطهاد الذي يتعرض له المواطنون الفرنسيون من أصول إفريقية في المدن الفرنسية هو اضطهاد عرقي وطبقي، إذ أنّ هؤلاء يسكنون في الأحياء المحيطة بالمدن الفرنسية، أي في الضواحي، ويعيشون في فقر مدقع وبطالة واسعة، أي أنهم ينتمون للطبقة المسحوقة في المجتمع الفرنسي الرأسمالي وما مظاهرات هؤلاء الفقراء والعاطلين عن العمل إلّا للتعبير عن الغبن الطبقي الذي يعانونه.

إضافة إلى ذلك هم مضطهدون عرقياً لأنّهم من أصول ليست فرنسية، ورغم كونهم مواطنين فرنسيين، لا يتمتعون بالمساواة، وما رأيناه في الفترة الأخيرة أنه حتى لاعبي كرة القدم في المنتخب الفرنسي وفي الفرق الفرنسية المختلفة، الذين لهم دور أساسي في تحقيق الانتصارات في هذا المجال، لا ينجون من هذا التمييز العنصري فتصِلُهم الصرخات أن "عودوا إلى بلادكم" ونسوا أو تناسوا أن ممبابيه مثلاً وهو لأب كاميروني وأم جزائرية قد حقّق لفرنسا ما لم يحققه لاعب فرنسي قبله.

وللأسف نرى أنّ جمهوراً كبيراً منّا ينظر إلى الأمور بسطحيّة فينتقد ما يقوم به المسحوقون ويرون أنّ هؤلاء ناكرون لجميل الدولة الفرنسية عليهم.

لذلك سأورد بعضاً من ممارسات الاستعمار الفرنسي في الدول الإفريقية، تلك الدول التي امتص الاستعمار خيراتها وظلم شعوبها ولا تزال هذه الدول الاستعمارية مستمرة في سياسة التمييز ضد المواطنين الفرنسيين من أصول غير فرنسية!

 

//الهيمنة الفرنسية الاستعمارية

يعود تاريخ الهيمنة الاستعمارية الفرنسية في إفريقيا إلى القرن السابع عشر، فكان لها أًول نفوذ استعماري في السنغال في العام ١٦٢٤، ومع تأسيس شركة الهند الشرقية الفرنسية عام ١٦٦٤ زادت مساحة الاستعمار الفرنسي في إفريقيا من 3,5 مليون كيلو متر مربع إلى أحد عشر مليوناً و٥٠٠ ألف كيلومتر مربع بحلول عشرينات القرن العشرين.

عندما ضعفت الأمبراطورية العثمانية وأصبحت رجلاً مريضاً قابعاً على ضفاف البوسفور كما لقبته روسيا، سارعت فرنسا إلى احتلال الجزائر عام ١٨٣٠، وخلال فترة الاتجار بالرقيق استعبدت فرنسا حوالي ٥ ملايين أفريقي من السنغال.

كانت فرنسا قبل استعمارها للجزائر عام ١٨٣٠ ولتونس عام ١٨٨١ والمغرب عام ١٩١١، قد استعمرت غرب ووسط إفريقيا واتبعت في هذه المناطق سياسة فرِّق تسد، ففرّقت بين أبناء القبيلة الواحدة والأسرة الواحدة وهذا سهّل عليها الحكم لكنّه أدّى إلى صراعات بين العديد من الدول الإفريقية المستقلة فيما بعد.

استعملت فرنسا أثناء استعمارها كل الأساليب القمعية كالتهجير فعلى سبيل المثال قامت بتهجير آلاف الجزائريين، ولا يزال عدد القتلى في تونس والسنغال والنيجر وموريتانيا والكاميرون وبوركينا فاسو غابون وغينيا غير معروف حتى الآن وذلك نتيجة التعتيم الذي قام به الاستعمار الفرنسي.

وقامت فرنسا بالقضاء على القادة والعلماء في المجتمعات الإفريقية، كمثال قتلت حوالي ٤٠٠ عالم مسلم خلال مؤتمر في تشاد عام ١٩١٧.

لم يتوقف الاستغلال الفرنسي لخيرات الدول الإفريقية التي كانت تحت استعمارها، فبعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام ١٩٢٩ وظاهرة الكساد التي سادت أوروبا قرّرت فرنسا التراجع عن استعمارها وفضًلت الاهتمام بالتجارة، ففي عام ١٩٥٠ كانت الامبراطورية الاستعمارية الفرنسية تشكل ٦٠ بالمائة من حجم التجارة الخارجية الفرنسية. واليوم تظهر فرنسا اهتماماً بالنفط والغاز وتعتمد شركة" توتال" الفرنسية على أفريقيا في إنتاج ٢٨ بالمائة من انتاجها للنفط والغاز، وأكّد فريدريك مونيه الاستاذ الفرنسي في الجغرافيا أنّ 36,4 بالمائة من إمدادات النفط الفرنسية تأتي من أفريقيا.

عانت الدول الأفريقية تحت الاستعمار الفرنسي من الجوع والجهل والتهميش وقد زوّرت الانتخابات لصالح عملائها، واغتالت المسؤولين الذين لم يخضعوا لتعليماتها، ونهبت موارد هذه الأوطان، وعاثت في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية الفساد.

لم تتوقف أعمال الإبادة التي قامت بها فرنسا الاستعمارية في مستعمراتها وفي فرنسا نفسها ضد رعاياها من الدول المستعمَرة ومثال على ذلك ما قامت به السلطات الفرنسية عام ١٩٦١. فقد دعت جبهة التحرير الجزائرية، التي كانت تقود حرباً على سلطات الاستعمار الفرنسي في الجزائر، العمال الجزائريين في فرنسا للخروج في مسيرات سلمية في باريس احتجاجاً على حظر التجول المفروض عليهم من الثامنة والنصف مساءً إلى الخامسة والنصف صباحاً، فخرج عشرات آلاف المتظاهرين السلميين الجزائريين من الأحياء العشوائية إلى شوارع وسط باريس، فقامت أجهزة قمع المظاهرات بالتصدي للمتظاهرين، واندلعت مواجهات دامية في شارع سانت ميشيل وحي سانت سيفرين وأحياء أخرى في باريس وضواحيها، وكان القمع غاية في الضراوة والوحشية ويصف مؤرخان بريطانيان في كتابهما "الجزائريون، الجمهورية ورعب الدولة" ما حدث في ١٧ تشرين الأول عام ١٩٦١ بأنّه" أعنف قمع لمظاهرة في التاريخ المعاصر".

يذكر المؤرخون أنّ الشرطة اعتقلت ١٤ ألف جزائري كذلك رحّلت السلطات الفرنسية آلاف العمال الجزائريين من باريس وضواحيها إلى الجزائر، ويقدر المسؤولون الجزائريون ضحايا قمع المظاهرات في ١٧ تشرين الثاني ١٩٦١ ب ٤٥٠ قتيلاً وأُلقي بعشرات الجثث في نهر السين.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين