أستاذ الأدب العربي في جامعة حيفا
لروحك السلام، يا أبا هشام، وراحة الأمن والأمان.. تركت لنا ولهم، للتابعين من بعدنا وتابعيهم، تركت من القيم النبيلة والأخلاق الأصيلة ما لا يتقادم ولا يصدأ ولا يبلى.
قبل الحديث عن أخلاق محمد نفاع لا بدّ من تذكير. لا تقرّ الجامعة اقتراحاتٍ لأطروحات دكتوراة اعتباطًا بجرّة قلم. كلّ اقتراح يخضع لنقاشات دقيقة، عميقة ومضنية بين الأساتذة الكبار في كلّ قسم. في سابقة مدوّية أقرّت لجنة الدراسات العليا في قسم اللغة العربيّة وآدابها في جامعة حيفا، بفارق سنوات قليلة، اقتراحين لأطروحتين مختلفتين عن أدب محمد نفاع وحده، عنه وحده. الأول صاحبته الدكتورة فاطمة شقير ريان، وقد أنجزت الأطروحة وأجيزت ثمّ نشرت في كتاب. والثاني صاحبه الشاعر إياد الحاجّ وقد وصل في كتابة الأطروحة إلى مرحلة متقدّمة تقترب من خطّ النهاية. لم يسبق أن خُصّصت أطروحة دكتوراة بكاملها، من الغلاف إلى الغلاف، في جامعة إسرائيليّة عن أديب فلسطينيّ واحد. كانت أطروحات الماجستير والدكتوراة حول الأدب الفلسطينيّ تأتي طوليّة امتداديّة وليست عرضيّة مقطعيّة. وهكذا كان هذان الاقتراحان سابقة أكاديميّة سيذكرها مؤرّخو الأدب كعلامة مفصليّة فارقة في اعتراف الأكاديميا الإسرائيليّة بقيمة الأديب الفلسطينيّ في الداخل. والفضل في ذلك، كلّ الفضل، لمحمد نفاع.
حديثي في هذا المقام ليس عن أدب محمد نفاع بل عن أدبه. ليس عمّا يكتبه بل عمّا يقوله ويفعله، عن أخلاقه وطبعه وفطرته. ليس الحديث عنه أديبًا بل مؤدّبًا (بالفوقانيّة والتحتانيّة). ألّفت بيننا صداقة حقيقيّة، متجرّدة منزّهة عرّفتني بمعدنه وجوهره وفطرته. جمعتني مع الرجل مواقف كثيرة. كثيرة هي المواقف التي تدلّل على نبل أخلاقه، أخلاق عزّت في زمن ترتخي فيه المواقف ويميع الرجال. أذكر ثلاثة أسحبها بعفويّة وفوضويّة بغير تعليق أو تقديم أو تذييل فائض.
الموقف الأول:
قبل سنوات كتبت مقالا ذكرت فيه ثلاثة عيوب تميّز بعضًا من بداياته الأدبيّة، وهي في الحقيقة عيوب السرد الفلسطيني كلّه، فاتّصل أبو هشام ليشكرني، ليشكرني لا ليعاتبني. ومن حديث إلى حديث، قال أبو هشام بنبر نقيّ صافٍ: "نعم، أعترف بأني كتبت بعض القصص الحزبيّة الضيّقة التي وصلت أحيانًا إلى درجة الإسفاف". هذا كلامه هو. وهذا "الاعتراف" منشور وموثّق.. لم أسمع مثله من قبل. لم أسمع ولم أقرأ!
الموقف الثاني:
محمد نفاع حزبيّ أيديولوجيّ حتى النخاع الذي في العظم. لكنها لم تكن حزبيّة مكفوفة، أعني لم تكن لتُذهب قناعاته وتطمس إحساساته. قال لي مرّة في مكالمة هاتفيّة تقافزت من موضوع إلى موضوع: "أنا أكتب للفلاحين والقرويّين. أكتب لأهل بيت جنّ وكابول وعرّابة (قبل ما تصير عرّابة مدينة – هكذا قال وهو يضحك)"... ثمّ زاد على قوله: "لامني بعضٌ من رفاق الحزب وعاتبوني طويلا لماذا لا تكتب عن العمّال، وهم أكثر ثوريّة من الفلاحين؟ فقلت لهم: لا أكتب ولن أكتب إلا الذي أعرفه وأُحِسُّه وأعيشه. وأنا فلاح من ظهر فلاح... والكتابة لا تكون بقرار من فوق، لا بقرار هيئة ولا تنظيم ولا حزب"!
الموقف الثالث:
محمد نفاع وإميل حبيبي (أبو هشام وأبو سلام) قامتان شامختان في السرد العربي كلّه... إميل حبيبي يكبر محمد نفاع بثمانية عشر عامًا. في النشاط الأدبي، محمد نفاع سبق إميل حبيبي بأربع سنوات. في الندوة التي أقامها المجلس الثقافيّ الأرثوذكسيّ في حيفا عن رواية "فاطمة"، تحدّث الصديق عصام مخّول، حديث عارفٍ عالمٍ بالنقد، ثم تبعته في الحديث وقلت لو نُشرت رواية "المتشائل" اليوم لما حظيت بكلّ هذا الاحتفاء والاحتفال. ولو نشرت "فاطمة" آنذاك لتجاوزتها كثيرًا. عاتبني بعضهم لأسباب خبيثة، ولم تطرِف عيني. لكنّ من فاجأني بعتابه كان محمد نفاع نفسه. قلت له إنّ حكمي هذا يتّكئ على دراسة متأنّية ودقيقة أجريتها.. أصغى الرجل إلى شرحي بهدوء حتى النهاية ثمّ قال: "ويظلّ إميل حبيبي قامة أدبية عالية لها مكانتها وقيمتها، رغم الموقف الحزبيّ منه"!
وبعد، هل تحتاج هذه المواقف إلى شرح أو تفسير أو تأويل؟! وفي جعبتي المزيد المزيد منها، وكلّها تقيم الحجّة على نزاهته ونبله وأصالته. وكلّ من جرّب فعل النقد الأدبي مثلي، على امتداد أربعين عامًا، لا بدّ أن يدرك قيمة هذه المواقف ودلالاتها!



.png)

.png)






.png)

