ناظم حكمت، صوت الزنزانة الثائر| رياض خطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

من خلال مواكبتي لما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر صحفنا المحلية وخصوصًا صحيفتنا الرائدة المميزة صحيفة الاتحاد، عنوان هويتنا الثقافية والحضارية والفكرية وإحدى الصحف المميزة على مستوى العالم العربي، ألاحظ اننا كأدباء ونقاد وصحفيين نسينا او تناسينا وجود تراث أدبي عالمي اصيل وحر، وان هنالك مدخرات لأدباء وكتاب عالميين هي ارث لكل الحضارة الانسانية الحرة، ولكل الناس الشرفاء الأحرار الباحثين عن الحرية والاستقلال.

ومن غيرنا نحن أبناء شعب فلسطين الذي ما زال يعاني منذ قرن ونيف من موبقات أخطر وآخر احتلال في العالم، هذا الاحتلال الذي كان افرازًا لأخطر مؤامرة ممنهجة على أيدي الدوائر الصهيونية والامبريالية العالمية، التي كان هدفها وما زال اقتلاع شعبنا من وطنه والاستيلاء على أرض وطننا فلسطين، وذلك من خلال اتباع أبشع عملية تطهير عرقي للهيمنة على الأرض وتفريغها من أهلها الأصليين.

لقد تعرضت شعوبًا قبلنا وبعدنا لعمليات قمع واحتلال أبشع، ودائمًا ما كان أدباء وكتاب هذه الشعوب في الخندق الأمامي مع ابناء شعبهم في طريق المقاومة والتحدي من اجل نيل الحرية والمساواة!

وكان للأديب الراحل الخالد حنا مينة من خلال رواياته الأصيلة الدور الأساسي لمقارعة الاحتلال التركي أولاً للواء الاسكندرونة، ومن ثم في مقارعة الاحتلال الفرنسي لبلاده على مدى عشرات السنين حتى تحقق الحلم وانتصرت سوريا وحصلت على حريتها واستقلالها. بالإضافة الى دوره في رفع سقف الوعي الوطني لدى أبناء شعبه الا انه كان مميزًا اذ انه قام بنقل تجربة شعوب أخرى بطريقها نحو الحرية والاستقلال، مثل تجربة الشاعر والثائر التركي الأصيل ناظم حكمت الذي ضحى بأيام عمره في محاربة نظام بلاده الفاشي والرجعي حينها، ودفع ثمن ذلك سنوات طويلة بالسجن والزنازين وذلك من خلال روايته تحت اسم " ناظم حكمت.. السجن والمرأة والحياة".

اصدار مميز حول تجربة شاعر وأديب مقاوم وضع انتاجه الأدبي وكل الامكانيات المتاحة من أجل تحرير شعبه من حكم الرجعية والاستبداد هذا النظام الذي حول تركيا إلى سجن واسع لكل من طالب بالعدل والمساواة، هذا الشاعر الأممي بامتياز الذي خاطب من خلال ابداعه كل أحرار العالم وكل المقاومين ضد الظلم والطغيان. استهل حنا مينة روايته هذه بحكاية أسطورية ترجع الى ايام السفاح تيمورلنك والذي سجل تاريخه بأحرف من دماء الشعوب وداس على اشلاء وجثث الشعوب من اجل الوصول الى المجد !

الحكاية تقول: اقام تيمورلنك احتفالاً بأرض الخباء على سجاد لا يضارعه روعة وبهاء انتصبت ثلاثمئة ابريق ذهبي من أباريق الخمر وكل ما يليق باحتفال ملكي وخلفه جلس الموسيقيون وعند قدميه جلس انسباؤه وجماعة من الملوك والامراء والزعماء! وكان أدناهم اليه شاعره كرماني فسأله تيمورلنك وقد أخذه العجب بنفسه: يا كرماني بكم تشتريني لو عرضت في سوق للبيع؟

فأجابه كرماني: بخمسة وعشرين دينارًا!

قال تيمورلنك في كثير من الدهشة: ولكن حزامي وحده يساوي هذه القيمة!!

فأجابه كرماني: انما كنت أفكر بحزامك وحده لأنك انت لا تساوي فلسًا واحدًا!

هكذا خاطب الشاعر كرماني ملك الملوك رجل الهول والشر تيمورلنك .

لكي يرتفع مجد الشاعر صديق الحق فوق مجد تيمور لنك، ولتسبح بحمد الشعراء الذين لا يعرفون غير كلمة الحق الجميلة التي لا تهاب. ان الكلمات مواقف وحين تتوحد الكلمة مع الموقف هذا هو البركان الهادر الذي يزلزل الأرض تحت اقدام الطغاة والمحتلين.

هذه الحكاية كانت نقطة الانطلاق وصفارة البداية التي وضعها امام عيبنه أديبنا الخالد حنا مينة للحديث عن الشاعر الثائر ناظم حكمت، فناظم حكمت بما خطه من أحرف وكلمات وأبيات شعرية ثائرة ومنتفضة، وضع حجر الأساس لفكره ونبضه الثائر، لم تسكته كل سنوات السجن والعذاب فقد قضى أكثر من نصف عمره متنقلاً بين السجون التركية زارعًا الأمل وروح المقاومة في نفوس أبناء شعبه التركي الذي ذاق الويلات من الفقر والقهر أمام بطش الرجعية التركية التي حولت شعبها الى عبيد من اجل تحقيق مصالحها الخاصة.

اذًا ايام السجن والعذاب هي الدفيئة والحاضنة لأجمل ما كتب ناظم حكمت من أشعار ومسرحيات لإخوته العمال والمسحوقين وكذلك أجمل ما كتب لزوجته ورفيقة دربه منور ولابنه محمد الذي لم يره إلا من خلف القضبان، وقد تجلت بكتاباته هذه أجمل وأبهى الصور الفنية الأصيلة والملتزمة بل كانت هي الشمعة التي كشفت الطريق نحو الحرية والاستقلال، ومرشدًا ثوريًا بالطريق نحو شمس الحرية.

لم يقتصر فكر وشعر ناظم حول مأساة شعبه التركي بل امتد لكل حدود العالم حيث يوجد ظلم واضطهاد وبرز تفاعل الشاعر الأممي الصادق مع كل الأحرار في العالم، خاصة فترة الحرب الفاشية النازية للسيطرة على العالم وعلى وجه التحديد الحملة على الارض السوفياتية التي تحولت الى محرقة تحت أقدام الغزاة النازيين. والتي انتهت بسحق الوحش النازي ودخول الجيش الاحمر الى العاصمة برلين.

ومن أجمل القصائد التي كتبها ناظم في تلك الفترة كانت قصيدة "زويا".. والتي تحكي بصورة ملحمية حكاية تلك الصبية الروسية الكوموسملية ابنة الـ 18 عامًا والتي قامت بعملية فدائية خلف خطوط العدو ودمرت خطوط الاتصال والامدادات ومخازن الاسلحة.

يقول حكمت :

- في اوائل كانون الثاني

 في ظاهر مدينة فيرابا

أعدم الألمان

فتاة نقية كالثلج

في الثامنة عشرة من عمرها

نصيرة،

من موسكو،

أحبت، فهمت، آمنت

وانخرطت بالحركة......وفي مقطع آخر

ها هي تتأرجح على حبل المشنقة

تتمثل فيها عظمة الانسان

ولما تقلب بشغف

صفحات "الحرب والسلام"

كانت يداها في الظلمة

تتحسسان اسلاك الهاتف

لتقطعها

او تحرق مستودعات الوقود

اعتقلت باليوم الثاني

قبل انجاز عملية جديدة

وعلى حين غرة

كانت النجوم تسطع بالسماء

وقلبها الفتي يخفق بهلع

ويدها المضطربة تحمل البترول

انقض عليها الاعداء

ساقوها

اودعوها بغرفة صغيرة... وفي مقطع اخر..

تانيا !!

 انت صغيرة أعدمت.

وانا شاعر سجين

انت ابنتي !

انت رفيقتي.....ويتابع في مقطع اخر خيوط هذه الملحمة على لسان تانيا لجلاديها..

- نحن مئتا مليون انسان !

هل بوسعكم أن تشنقونا جميعًا ؟...

وكان العالم كله يترقب هذه اللحظات العظيمة التي تكللت بالنصر وسقوط الرايخستاغ تحت ضربات الجيش الاحمر الذي دخل برلين ورفع العلم الأحمر..

بالفعل هذا الشاعر الثائر يعيش آلام وآمال الشعوب من خلف قضبان زنزانته، أممي بامتياز حتى انه كتب بعد ذلك بعدة سنوات عن الغزو الامريكي لكوريا وهو ما زال في السجن..

-  في الوقت الذي جاء فيه ولدي الى الدنيا

ولد أطفال يشبهون عباد الشمس

في كوريا

لقد ذبحهم " مارك ارثر "

فماتوا قبل ان يذوقوا حليب امهاتهم

عندما جاء ولدي الى الدنيا

ولد اطفال في سجون اليونان

أعدم آباؤهم رميًا بالرصاص...

ولو امتد به العمر وعاش مأساة شعبنا الفلسطيني بعد النكبة لكان خلد هذه الذكرى بقصائده الملحمية.. وكما كتب عن الثورة والثوار بالعالم كان لهذا القلب العظيم مساحة للحب والغزل برفيقة دربة وزوجته منور وابنه محمد لكي تكتمل الملحمة الانسانية بأجمل تفاصيلها وكتب لزوجته منور من السجن..

 - حفرت اسمك بظفري

على جلد سواري

فانت تعلمين بأنه لا يوجد

في السجن سكين ذات مقبض صدفي

ولا شجرة شربين ينطح رأسها السماء

بل توجد بالباحة شجرة صغيرة

ولكن ممنوع حتى على السحاب

ان يعلو رؤوسنا....

كانت منور نحلة ضائعة طوال ثلاثة عشر عامًا وكان ضياؤها مصدر الهام صاغ منه ناظم أجمل قصائده بالغزل والحنين الى الوطن ومناجاة الارض التي تطأ والهواء الذي يتنفس..

نحن الاثنين نعلم يا حبيبتي

فقد علمونا

كيف نجوع ونبرد

ونقضي من التعب

وكيف نعيش منفصلين

اننا لم نبلغ حد القتل

لم يتهيأ بعد ان نموت.

ولكننا نعلم يا حبيبتي نعلم

ونستطيع ان نعلم الآخرين

النضال في سبيل قومنا

ومحبة كل يوم اقوى

ومحبة كل يوم افضل..

ولدنا مريض !!

ووالده بالسجن

 ورأسك ملقى بين يديك

الخريف سينقضي مرة بعد مرة

والربيع سيعود مرة بعد مرة

ونحن سنقضي شتاء آخر

متدفئين بنار غضبنا الاكبر

ورجائنا الأقدس....

ملخص الأمر، انتصر ناظم حكمت على كل اعدائه ليس بشجاعته وحدها ولا بقوة أعصابه وحدها أيضًا بل بثقته في قضيته واستعداده للموت في سبيلها..

ان اضرابه عن الطعام كان آخر وسيلة في يديه للخروج من السجن  وقد اقدم على استخدامها بدقة وأحكام، وعرف على هذا النحو آلام الجوع، كما عرف آلام التعذيب والسجن وهذه الكلمات التي كتبها آنذاك الى رفاقه:

رفاقي!

اذا لم استطع ان اعبر لكم بوضوح

عما اريد ان اقوله. فلتغفروا لي يا رفاقي

لأني ثمل واشعر بدوار خفيف

لا من اثر الخمر

ولكن من اثر الجوع....

رفاقي !

انكم لن تتركوني وحيدا ابدا

ولن تنسوني

ولن تنسوا وطني وشعبي

لأنكم تحبوننا

انا اشكركم يا رفاقي

رفاقي !!

انا لا اريد ان اموت

ولكني لو قتلت

اي اذا مت قبل الخلاص

فاحملوني الى الاناضول

وادفنوني بمقبرة بإحدى القرى

فانا اعلم

اعلم انني سأبقى حيا بينكم

حيا في قصائد اراغون

حيا في حمامة بيكاسو

وفي اغاني روبسون

والابهى من ذلك

انني سأبقى حيا في ضحك رفاقي الظافر

عمال مرفأ مرسيليا...

رفاقي !

الحقيقة انني سعيد الى ابعد حدود السعادة.....

وفي نهاية رحلته لم يتحقق الحلم بأن يدفن بتراب بلاده بالأناضول لان الرجعية الحاكمة نفته الى الاتحاد السوفياتي فعاش لسنين في كنف الاشتراكية التي عشقها وأحب بأن تشرق  بنورها  وخيرها  على كل ربوع المعذبين بالأرض وفي نهاية رحلته المضنية عاش ناظم بظل النظام ثم رحل في رحلته السرمدية إلى عالم  الغيب هناك مع القديسين والأحرار، ثم وري الثرى بمقبرة العظماء في موسكو.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين