نجاتي صدقي.. مندوب الكومنتيرن متعدِّد المهمَّات| سعود قبيلات

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ثمَّة نماذج عديدة للكتابة عن الانطباعات والمشاهدات الَّتي تشكَّلتْ لدى شخصيَّات أدبيَّة أو فكريَّة عربيَّة زارت الغرب، أو عاشت في بلدانه، في فترات مختلفة من العصر الحديث، وعبَّرت عن ما سُمِّي بالصَّدمة الحضاريَّة (الأصحّ الصَّدمة الثَّقافيَّة) الَّتي يتسبَّب بها الاختلاف الجذريّ بين المجتمع الأصليّ وبين المجتمع الجديد. بعض هذه الكتابات جاء على شكل أعمال أدبيَّة (رواية، قصَّة، قصيدة). وبعضها الآخر اتّخذ أسلوب السَّرد العاديّ الَّذي قد يُصنَّف بعضه في باب «أدب الرِّحلات». وقد اشتهرت في هذا المجال كتابات رفاعة الطَّهطاويّ الَّتي مثَّلتْ حالة مبكِّرة من الاحتكاك الثَّقافيّ بالغرب في طوره الرَّأسماليّ.. وخصوصاً في مرحلة ما بعد عصر التَّنوير. أمَّا خلال النِّصف الثَّاني من القرن العشرين، فكانت هناك روايات سهيل إدريس والطَّيِّب صالح الَّتي عبَّرت عن الصَّدمة نفسها.

وإذا كان الغرب قد كتب كثيراً عن الشَّرق العربيّ، في إطار التَّمهيد للفتوحات الاستعماريَّة، وهو ما اُصطُلِحَ على تسميته بـ«الاستشراق»؛ أو في إطار محاولة الفهم والبحث العلميّ البحت، وهو ما اُصطُلِحَ على تسميته بـ«الاستعراب»؛ فإنَّ المحاولات العربيَّة للكتابة عن الغرب تُعَدّ محدودة جدّاً بالقياس مع ما كتبه الغرب عن العالم العربيّ، كما أنَّها اقتصرت في الغالب على تسجيل بعض الانطباعات مع بعض الاستنتاجات السَّاذجة في الكثير من الأحيان.

أما في ما يتعلَّق بالجانب الآخر من العالم القديم، وأعني روسيا، فالكتابات العربيَّة عنه أقلّ بكثير. وفي المقابل، فقد كانت صورة العالم العربيّ والإسلاميّ حاضرةً دائماً في كتابات الأدباء والمفكِّرين الرّوس.

كما أنَّ موقف روسيا من العالم العربيّ ومن الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة كان دائماً (ولا يزال) يختلف عن موقف الغرب؛ إذ بينما يتحدَّث كثير من الغربيين عن أنَّ ثقافتهم مزيج مِنْ ثقافتين، هما: المسيحيَّة واليهوديَّة، وينظرون إلى العالم العربيّ الإسلاميّ بوصفه «الآخر»، يتحدَّث كثير من الرّوس، في الماضي والحاضر، عن ثقافتهم بوصفها مزيج مِنْ ثقافتين أساسيَّتين أيضاً، هما: الأرثوذكسيَّة، والإسلاميَّة. وفي هذا الكلام فرقٌ واضحٌ ومهمّ. ويشترك في هذا التَّصوُّر معظم التَّيَّارات الفكريَّة والسِّياسيَّة والثَّقافيَّة الرّوسيَّة، باستثناء التَّغريبيَّة منها والمتصهينة بالطَّبع، كما أنَّه طابعٌ اتَّسمتْ به معظم عهود الحكم في روسيا.

 

***

وروسيا، على أبعد الاحتمالات، تنظر إلى نفسها بوصفها دولة «شرقيَّة» تتطلَّع إلى «الغرب». ولعلَّ شعار الدَّولة الرّوسيَّة القديم الَّذي أعيد العمل به بعد انهيار الاتِّحاد السّوفييتيّ، يعبِّر تماماً عن هذه الحالة الخاصَّة لروسيا؛ فهو عبارة عن نسر برأسين؛ أحدهما ينظر إلى «الغرب» والآخر ينظر إلى «الشَّرق».

 وفي «الوصيَّة» المنسوبة إلى بليخانوف، ثمَّة إشارة واضحة إلى استناد الثَّقافة الرّوسيَّة إلى دينين عظيمين بحسب تعبير «الوصيَّة» هما: الأرثوذكسيَّة والإسلام، مع دعوة إلى أخذ هذا الأمر المهمّ بعين الاعتبار.

ورغم يقيني بعدم صحّة تلك الوثيقة، إلا أنَّ ما جاء فيها عن هذا الموضوع يعبِّر في النِّهاية عن ثقافة لها حضور كبير في روسيا إلى حدّ أنَّه لا يمكن تجاهلها حتَّى في وثيقة مزوَّرة.

واشتُهِرَ عن لينين، نداؤه، الَّذي وجَّهه إلى شعوب الشَّرق، في بداية الثَّورة، داعياً إيَّاها إلى التَّصدِّي للاستعمار الغربيّ الَّذي يهيمن على بلدانها، ومعبِّراً عن تضامنه القويّ معها. بل إنَّه (لينين) أجرى تطويراً مهمّاً على الماركسيَّة ليعطي أهميَّة خاصَّة، من خلال هذا التَّطوير، لحركة التحرُّر الوطنيّ في المستعمرات في المواجهة مع الرَّأسماليَّة العالميَّة وهزيمتها. في حين كانت الماركسيَّة قبل ذلك تركِّز فقط على دور البروليتاريا في البلدان الغربيَّة المتقدِّمة.

 أمَّا الأدباء الرّوس، فهناك الكثير الكثير من الأمثلة على نظرتهم الإيجابيَّة إلى الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة. فـ«تشيخوف»، على سبيل المثال، في قصَّته «الرَّاهب الأسود» يتحدَّث عن النَّبي محمَّد بمزيجٍ من الودِّ والإعجاب والتَّفهُّم. كما أنَّ ليو تولستوي درس اللغة العربيَّة، وتأثَّر في كتاباته بالثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة، وله العديد من المراسلات مع شخصيَّات دينيَّة مصريَّة، لعلَّ من أبرزها الشيخ محمَّد عبده.

وكان تشيرنيشيفسكي يعرف العربيَّة أيضاً، وقد تأثَّر بـ«ألف ليلة وليلة»، وكتب على منوالها قصَّة بعنوان «قصَّة في قصَّة». في حين يبدو شاعر روسيا الأشهر بوشكين شديد التَّأثُّر والإعجاب بالأدب والثَّقافة العربيّين القديمين في العديد مِنْ قصائده. وكان ليرمنتوف مثله أيضاً في تأثُّره بالثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة. وقد ظهر ذلك جليّاً في شعره ونثره. أمَّا ريمسكي كورساكوف، الموسيقي الكلاسيكيّ الرّوسي الشَّهير، فقد اشتهر بسيمفونيَّته «شهرزاد» المتأثِّرة بأجواء «ألف ليلة وليلة» وحكاياتها.

وغير هؤلاء الكثير الكثير من الأدباء والمفكِّرين الرّوس الَّذين تأثَّروا بالثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة، وأبدوا الكثير من الودّ والمحبَّة تجاه هذا الجزء من العالم.

وحتَّى بطرس الأكبر، القيصر الَّذي اُشتُهر بانفتاحه على الغرب، فقد عُرِفَ عنه أيضاً سعيه للانفتاح على الشَّرق، وخصوصاً على العالم العربيّ، حيث أوفد عدداً كبيراً من الدَّارسين المختصّين إلى البلاد العربيَّة للتَّعرُّف على ثقافتها. كما أنَّه أمر بترجمة القرآن، وقد تمَّت ترجمته آنذاك عن اللغة الإنجليزيَّة. وتُعدّ روسيا البلد الرَّابع في العالم، بعد تركيّا ومصر وإيران، في حيازة المخطوطات العربيَّة القديمة.

وما بين أواخر القرن التَّاسع عشر وأوائل القرن العشرين (1882 – 1914)، نشطت البعثة الإمبراطوريَّة الأرثوذكسيَّة الرّوسيَّة في فلسطين ولبنان وسورية، وفُتحت العديد من المدارس والمعاهد الَّتي تتلمذ فيها ألوف من الطّلاب والطَّالبات. وكانت تلك المدارس تدرِّس التَّلاميذ اللغة العربيَّة والحساب والغناء والدِّين والتَّربيَّة البدنيَّة، كما كانت تدرِّسهم الزِّراعة وتدرِّس الفتيات الخياطة.

(د. نقولا زيادة ـ مراجعة لكتاب صفحات مِنْ تاريخ مدارس الجمعيَّة الرّوسيَّة في فلسطين. لعمر محاميد).

أمَّا في معاهد المعلِّمين والمعلِّمات التَّابعة للبعثة الرّوسيَّة، فكان التَّلاميذ يدرسون اللاهوت واللغة العربيَّة واللغة الرّوسيَّة، ثمَّ اليونانيَّة، والجغرافيا والتَّاريخ والحساب والخطّ العربيّ والرَّسم والنَّشيد. (المرجع السَّابق).

ويلاحظ أنَّه بينما كانت المدارس والمعاهد التَّابعة لبعثات الدّول الغربيَّة تركِّز على تعليم لغة البلد الَّذي تنتمي إليه وتقتصر على التَّدريس بها، كانت مدارس البعثة الرّوسيَّة تعتني عناية ملحوظة باللغة العربيَّة وتستخدمها كلغة تدريس لطلّابها. كما أنَّها كانت تهتمّ بإعطاء منهاج متكامل لطلّابها يشمل العلوم الطَّبيعيَّة والإنسانيّة. وقد تخرَّج في هذه المدارس والمعاهد عددٌ من رموز الثَّقافة العربيَّة في ذلك العصر، منهم: خليل بيدس، واسكندر الخوري البيتجالي، وكلثوم عودة فاسيليفيا، وبندلي جوزي. (المرجع السَّابق نفسه).

ومعروف كذلك أنَّ الأديب العربيّ ميخائيل نعيمة قد تتلمذ في هذه المدارس هو أيضاً. وقد كان لهذه المدارس دورٌ مهمّ كذلك في ترجمة الأدب الرّوسيّ إلى اللغة العربيَّة في ذلك الوقت المبكِّر.

ولا نريد هنا أن نتحدَّث عن الدِّراسات والصِّلات العربيَّة الرّوسيَّة في العهد السّوفييتي، فهي على درجة كبيرة من الاتِّساع بحيث تصعب الإحاطة ولو بنسبة قليلة منها.

 

***

أمَّا ما كتبه العرب عن روسيا فهو قليل جدّاً، كما سبق وأوضحنا. ومن هذا القليل ما كتبه الأديب والسِّياسي العربيّ الفلسطينيّ نجاتي صدقي الَّذي سافر إلى الاتِّحاد السّوفييتي في عشرينيَّات القرن الماضي، حيث كانت ثورة تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1917 السُّوفييتيَّة في بداياتها.

وكان نجاتي صدقي من أوائل الطَّلبة العرب المبعوثين للدِّراسة في الاتِّحاد السّوفييتي مِنْ أحزاب شيوعيَّة كانت ناشئة. وفي فلسطين الَّتي انطلق منها الفتى – آنذاك – نجاتي صدقي، كانت الحركة الشّيوعيَّة في بدايات نشوئها على يد مهاجرين يهود. ولم يكن للعرب دورٌ يُذكَر في تلك الحركة آنذاك.

كان الكومنتيرن، الَّذي نشأ في موسكو آنذاك، قد أصبح هو المرجعيَّة المعتَرَف بها للحركة الشّيوعيّة العالميَّة. وحين سعى القائمون على الحركة الشّيوعيّة في فلسطين إلى الاعتراف بهم كحزب شيوعيّ، واجههم الكومنتيرن بطلبٍ حازمٍ لتعريب قيادة الحركة قبل النَّظر في طلبهم. وقد ظلَّت هذه المسألة مدار أخذ وردّ بين الطَّرفين لسنواتٍ طويلة، حيث كانت القيادة اليهوديَّة للحركة تتجاوب مع مطالب الكومنتيرن بصورة جزئيَّة على أمل أنَّ هذا القدر أو ذاك من التَّعريب قد يكفي ويتمّ الاعتراف بالحركة، ولكنَّ الكومنتيرن كان يتفحَّص الأمر جيِّداً ثمَّ يعرب عن عدم رضاه بمستوى التَّقدُّم الَّذي أُحرِز، ويطالب بالمزيد من التَّقدُّم في موضوع التَّعريب.

وقصَّة هذا الموضوع بالذات موجودة بالتَّفصيل، ومدعَّمة بالوثائق المتعلِّقة بها، في كتاب سميح سمارة «العمل الشّيوعي في فلسطين». الأمر الَّذي يعيد التَّذكير بالموقف الإيجابيّ الواعي للحركة الشّيوعيَّة العالميَّة من القضيَّة الفلسطينيَّة في ذلك الزَّمن البعيد، قبل أن يتعرَّض هذا الموقف لشيءٍ من التَّعديل بسبب التَّحالفات الطَّارئة والمؤقَّتة لـ«الحرب العالميَّة الثَّانية»، وما رافقها مِنْ أطروحات مغايرة لما كان عليه الحال في السَّابق.

وفي هذا السِّياق، أي سياق الشَّدّ والجذب في ما يتعلَّق بموضوع التَّعريب، جاء كما يبدو إيفاد شبابّ عرب مِنْ فلسطين إلى الاتِّحاد السّوفييتي. وكانت البداية في العام 1925 بإيفاد نجاتي صدقي، الَّذي كان قد انضمَّ حديثاً إلى الحركة الشّيوعيَّة في فلسطين، إلى موسكو ليدرس في جامعة كوتف الَّتي كانت الثَّورة قد أنشأتها حديثاً لأبناء الشّعوب الشَّرقيَّة. وقد ظلَّ هناك حتَّى العام 1929، حيث أنهى دراسته وعاد إلى فلسطين.

وفي بلاده، اضطرّ نجاتي صدقي لخوض غمار العمل السِّياسيّ السِّرِّي، ثمَّ اعتقلته سلطات الانتداب البريطانيّ وقدَّمته للمحاكمة. وبعد خروجه من السِّجن، أوفده الكومنتيرن إلى باريس ليُصدر مِنْ هناك صحيفةً ناطقةً بالعربيَّة، اسمها «الشَّرق العربيّ»، تعبِّر عن وجهة نظر الكومنتيرن. ثمَّ عاد إلى موسكو بعد قيام الحكومة الفرنسيَّة بإغلاق الصَّحيفة. وما لبث الكومنتيرن أن قرَّر إيفاده في مهمَّة جديدة، إلى إسبانيا هذه المرَّة، حيث كانت الحرب الأهليَّة مشتعلة بين الفاشيّين بقيادة الجنرال فرانكو وبين الجمهوريّين.

وقد توافد إلى إسبانيا، آنذاك، متطوِّعون مِنْ مختلف أنحاء العالم للقتال إلى جانب الجمهوريّين. مِنْهم الأديب الأميركي الشَّهير أرنست هيمنجواي الَّذي كتب مِنْ وحي مشاركته في تلك الحرب روايته الشَّهيرة «لمن تُقرع الأجراس». ومِنْهم أيضاً الأديب البريطانيّ كريستوفر كودويل الَّذي دفع حياته في تلك الحرب، والأديب البريطانيّ جورج أورويل. وكذلك الأديب الفرنسيّ أندريه مالرو.. وآخرون.

كانت مهمّة نجاتي صدقي الأساسيَّة في اسبانيا هي مخاطبة الجنود المغاربة الَّذين جُنِّدوا للقتال إلى جانب فرانكو لكي يوضِّح لهم أنَّهم إنَّما يقاتلون إلى جانب عدوِّهم وعدوّ الشَّعب الإسبانيّ. وهناك، رأى مشاهد بائسة للجنود المغاربة الأسرى وشعر بالأسف لهذا الأمر.

ثمَّ أرسله الكومنتيرن للعمل في الحزب الشّيوعي السّوريّ. لكنَّ علاقته بالحركة الشّيوعيَّة انقطعت بعد اتِّفاقيَّة عدم الاعتداء بين هتلر وبين ستالين في العام 1939، حيث أنَّه اعترض على تلك الاتِّفاقيَّة من ناحية مبدئيَّة.

 

***

وهنا، نعود إلى الموضوع الرّوسيّ في نشاط وكتابات نجاتي صدقي؛ حيث أنَّه ألَّف أكثر مِنْ كتاب في التَّعريف ببعض أبرز رموز الأدب الرّوسيّ، وترجم بعض النّصوص الأدبيَّة الرّوسيَّة. ومِنْ هذه المؤلَّفات والتَّرجمات: كتاب عن بوشكين وآخر عن تشيخوف وثالث عن مكسيم غوركي ورابع بعنوان «قصص مختارة من الأدب الرّوسيّ».

وفي مذكِّرات نجاتي صدقي، الَّتي أعدَّها وقدَّمها حنّا أبو حنّا، وصدرت عن مؤسَّسة الدِّراسات الفلسطينيَّة، نرى صورة دقيقة ومشوِّقة لروسيا في فترة تحوُّلها الكبرى؛ نرى الآثار الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة السَّيِّئة الَّتي خلَّفتها الحرب الأهليَّة؛ الفاقة، وأطفال الشَّوارع المشرَّدين. ثمَّ نرى بدايات الصِّراع بين ستالين وبين تروتسكي. ثمَّ يحدِّثنا عن أجواء الطَّلبة العرب في موسكو آنذاك، وكانوا قلَّة قليلة جدّاً، جاءوا إلى روسيا الَّتي كانت تسود فيها الأفكار التَّحرُّريَّة على كلّ المستويات، آنذاك، وهم يحتفظون بتقاليدهم وقيمهم وثقافتهم المحافظة.

ويقدِّم لنا نجاتي صدقي العديد من الطَّرائف في هذا المجال؛ حيث نرى في إحداها أحد الطَّلبة المصريّين يتسرَّع في لحظة غضب فيحلف بالطَّلاق بالثَّلاث على زوجته الرّوسيَّة. ولكنَّه وزوجته لم يكونا يرغبان في الانفصال في الواقع، فيفتي الطَّلبة العرب الآخرون بأنَّ الطَّلاق باطل لأنَّ زواجهما تمَّ بحسب الإجراءات المدنيَّة السّوفييتيَّة، ولم يتمّ وفق الطّقوس الدِّينيَّة الإسلاميَّة.

ويتعرَّف بين الطَّلبة الآخرين على ناظم حكمت الَّذي كان يدرس في الجامعة نفسها، وذلك قبل أن يصبح ناظم حكمت شاعر تركيا الأشهر. وبعد مدَّة يختفي ناظم من موسكو ثمَّ لا يلبث زملاؤه أن يسمعوا أنَّه عاد إلى تركيا وأُلقي القبض عليه هناك وحكم بالسّجن لسنواتٍ طويلة.

ويصف نجاتي صدقي، بدقَّة وأسلوب فنِّي جميل، معالم موسكو وحياة النَّاس فيها آنذاك. كما نجد في مذكِّراته إشارة عابرة عن بوخارين قبل نهايته الفاجعة. ثمَّ في ما بعد، ومن خلال العمل في الكومنتيرن، نجد أحاديثاً عن لقاءاتٍ مع شخصيّاتٍ أصبح لها شهرة كبيرة في فترة لاحقة؛ مثل: الزَّعيم الشُّيوعي البلغاريّ الشَّهير جورجي ديمتروف، الَّذي اشتهرت محاكمته في برلين في بداية حكم النَّازيين. وهناك أيضاً ماوتسي تونغ الزَّعيم الشّيوعيّ الصّينيّ المعروف.

والمذكِّرات تحوي الكثير من المعلومات المهمَّة والحكايات المشوِّقة عن المراحل المختلفة لنشاط نجاتي صدقي في الحركة الشّيوعيَّة العالميَّة؛ في موسكو وفي باريس وفي إسبانيا وفي فلسطين وفي دمشق وفي بيروت. ومن الصَّعب أن نورد هنا كلّ ما نحبّ إيراده واطلاع القارئ عليه من هذه المذكِّرات؛ فمعنى ذلك أنَّنا سنورد الكتاب كلّه.

والمهمّ أنَّ هذه المذكِّرات، تعكس في جانبٍ منها صورة إنسانٍ عربيٍّ قادمٍ من مجتمعه التَّقليديّ المحافظ، إلى مجتمع مختلف بصورة جذريَّة عن ما اعتاد عليه. وأنا كقارئ كنتُ طوال الوقت أنظر بعينيْ ذلك الإنسان المنبهر بكلّ ما يراه.. خصوصاً أنَّه سجَّل ذلك كلّه بدقَّة واقتدار ووفق جماليَّات خاصَّة.

وقد رأيت في أجزاء الكتاب التَّي تتحدَّث عن روسيا نوعاً من سدّ الفراغ في الكتابات العربيَّة الَّتي تكاد تكون معدومة عن تلك الفترة بوجهٍ خاصّ. وخطر لي أنَّ هذا النَّوع من الكتابة يمكن أن يُدرج تحت باب «الاسترواس»، وهو ما يقابل «الاستعراب» الَّذي يحمل معنىً إيجابيّاً، بخلاف «الاستشراق» الَّذي يرتبط بأهداف سلبيَّة للأبحاث والدِّراسات والانطباعات الَّتي كتبها باحثون ومفكِّرون غربيُّون بهدف تسهيل (وتسويغ) سيطرة الاستعمار على البلدان العربيَّة وغيرها من البلاد الشَّرقيَّة.

الصورة: لينين في مؤتمر للكومنتيرن

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين