نصراوي من ساحة العين- سيرة ذاتية- الحلقة السادسة| أ.د. هاني صباغ

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

طريق العودة إلى الناصرة

بدأت بإعداد العدة للرجوع. ذهبت وأخي يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر شباط سنة 1925 إلى مبنى بلدية سانتي سبيريتوس عاصمة الولاية حيث كنا نقيم وقتئذٍ وحصلنا على شهادتَي حسن سلوك. ثم اشتريت صندوقَي سفر كبيرين للأمتعة وضعنا فيهما ملابسنا جميعًا، بِعت عملي ومنزلي وأثاثه. أغلقت حسابي في البنك واشتريت تذاكر السفر.

 

حافظت على علاقتي وصداقتي مع عيسى الزريني طيلة السنوات الخمس والعشرين التي قضيتها في المهجر. كان عيسى قد رجع قبل بضع سنوات من هجرتنا إلى الناصرة وتزوج من فتاة تدعى نهيل الرزق. دعانا عيسى عشية يوم سفرنا إلى منزله حيث أعدت لنا زوجته بعض الأطباق النصراوية الشهية وانتقلنا بعد العشاء إلى غرفة المكتب في بيته نتحدث ونشرب القهوة. قال عيسى:

- مرت السنون علينا يا صديقي في بلاد الغربة كلمح البصر. إني أغبطك يا أخي على قرارك بالرجوع ويا ليتني أستطيع أن أفعل ذلك، فظروفي وأسرتي لا تمكنني من الرجوع.

 أخرج من درج مكتبه علبة خشبية مليئة بالسيجار الهافاني الفاخر. قدم لي سيجارًا وأخذ واحدًا. أشعلنا السيجار وجلسنا على الأريكة الوثيرة. تحدثنا قليلًا بمواضيع شتى وما لبث أن توجه إلى مكتبه وأخرج منه مغلفًا ناولني إياه

أخي راجي كما تعلم ما زلت أمتلك بعض العقارات في الناصرة وهذه وكالة عامة مسجلة في المحكمة ولدى القنصل البريطاني عيّنتك فيها وكيلًا عامًّا على أملاكي فليس في الناصرة من أثق به ليمثلني مثل ثقتي بك، أرجو أن تقبل القيام بأعبائها. أخذت الوكالة منه وشكرته على حسن ظنه وثقته وصداقته. ودّعته وتعانقنا طويلًا لفراق لا لقاء بعده.

في الغداة ركبنا القطار قرابة ست ساعات إلى هافانا. مكثنا في أحد الفنادق ليلتين حتى حان موعد الصعود إلى السفينة. وأثناء الصعود على السطح الخشبي المائل أراد يوسف أن ينظر إلى البحر، فاقترب من الحافة كثيرًا مما أصابه بدوار فوقع في الماء. وفي الحال قفز أحد البحارة وانتشله وحمدنا الـله كثيرًا على نجاته.

 

  • اختفت طيور النورس وأصبحنا على بعد من الشاطئ

بعد أسابيع عديدة مرت كأنها شهور رست بنا السفينة في ميناء هافر في فرنسا على شاطئ بحر المانش أو القنال الإنجليزي كما يسميه بعض الناس بعد مدة طويلة. من هناك ركبنا القطار إلى مرسيليا. كم كانت الرحلة جميلة. كان شهر آذار، السماء تمطر، بدأت الحياة تدب في الحقول وأخذت الأزهار البرية تلون السهول والتلال. استغرقت الرحلة قرابة ثماني وأربعين ساعة نمنا خلالها في القطار. وصلنا مرسيليا في مساء اليوم التالي وبتنا ليلتين في فندق في مركز المدينة. في صباح اليوم الأول نزلنا إلى السوق حيث اشترت إميليا بعض الحلي الذهبية، أما أنا فاشتريت طقمًا كتابة مُذهبًا يتكون من قلم حبر وقلم رصاص ميكانيكي.

**

انطلقت صفارات الإبحار ومخرت بنا السفينة الفخمة "أدرياتيك" عباب المتوسط وما كان أجملها من رحلة، البحر هادئ وسطح الماء يلمع كالزيت. اختفت طيور النورس وأصبحنا على بعد من الشاطئ. كانت الأدرياتيك من أكبر بواخر ذلك العصر، فيها برك للسباحة وملاعب للتنس وطاولات للعب الورق وأشياء أخرى كثيرة مسلية وكان الطعام والشراب مما لذ وطاب.

 

  • في حيفا أناس يتكلمون لغات غريبة

وصلنا حيفا صباح يوم الخميس السادس عشر من نيسان سنة 1925 المسمى خميس قراءة الأناجيل من أسبوع الفصح. شعرت وكأن يوم غادرت وعيسى كان البارحة. في حيفا أخذتنا عربة من الميناء إلى ساحة الحناطير. كان المشهد مختلفا أشد الاختلاف. في ساحة الحناطير اختلطت العربات التي تجرّها الجياد بالسيارات الجديدة وكان الباعة ينادون بأعلى أصواتهم على بضائعهم. ولشدة دهشتي كانت فيها كثرة من أناس يتكلمون لغات غريبة غير العربية، علمت فيما بعد أنهم مهاجرون يهود قدموا من سائر أقطار العالم لأن هذه هي "أرض الميعاد" التي وعدهم اللـه بها كما يزعمون لأنهم شعبه المختار. شعرت بانقباض وامتعاض شديدين. هل يمكن لله العلي القدير أن يعد أناسا بحقوق وممتلكات شعب آخر؟ وهل يميز الله شعبًا على شعب؟

 

  • ليت كل من هاجر رجع لنبني هذا الوطن ونحميه

اقتربت من سائق سيارة وضع على سيارته لافتة مكتوبًا عليها بالعربية "الناصرة" وطلبت منه أن يقلنا إلى الناصرة. أنا اعرف هذا الرجل قلت في نفسي، سألته:

_ ما اسمك يا سيد؟

_ محسوبك أبو عزيز، إسكندر ابو العسل.

يا اللـه !! يا لها من صدفة.

_أتشرف بلقائك مرة أخرى. بالطبع لا تذكرني. نقلتني وصديقي قبل خمس وعشرين سنة من الناصرة إلى حيفا لما هاجرنا.

_ لا واللـه يا سيد. كثيرون هم المسافرون ويصعب عليّ أن أتذكرهم، أما أنت فيمكنك ان تتذكرني بسهولة. على كل حال أهلًا وسهلًا بك في وطنك، إنه لشرف عظيم لنا جميعًا أن تعود إلى الوطن وقد غادره التركي الظالم. ليت كل من هاجر رجع لنبني هذا الوطن ونحميه.

قلت في نفسي لو أن الأتراك بقوا في أرضنا لكان ذلك أفضل. ليس هذا إلا وسيلة لتنفيذ إقامة وطن لليهود في فلسطين تنفيذًا لوعد بلفور الذي قطعته بريطانيا على نفسها. فما الذي يخبئه القدر لنا يا ترى؟

انطلقت بنا السيارة. ثمة تغيير ملحوظ: الشوارع مزفتة وعلى قمة العبهرية مستوطنة جديدة من بضعة بيوت يسكنها بعض هؤلاء الأجانب. مررنا ببسمة طبعون ومعلول فالمجيدل ثم يافة الناصرة وبير الأمير لم يكن هنالك ما يلفت النظر من تغيير أو تغيّر منذ أن غادرتُ وعيسى.

 

  • هل حقيقة هذا الأفندي هو راجي ابني؟

توقفت بنا السيارة أمام بوابة شرقية لبيتنا لم يكن لي بها عهد. واندفع يوسف ابن السنوات الخمس خارجًا من السيارة ينظر حواليه مندهشًا ومستطلعًا هذا المكان الغريب الذي قدمنا إليه.

 

مجموعة من الأشخاص تقف داخل البوابة الجديدة. كانت البلدية قد أخذت من ملكنا وملك دار عمي سليمان ودار العودة ودار سلمان وأملاكًا أخرى مجاورة لبيوتنا من الجهة الشرقية مساحات من الأرض لإنشاء شارع عريض تتمكن السيارات من المرور فيه. وقفت سيارة الفورد التي اقلتنا من حيفا. كانت أمي تقف داخل البوابة المفتوحة وقد أحاط بها ابنتها وزوج ابنتها الياس التوما وأولادهما أمين وبشارة وميخائيل وسامي وابنتهما أمينة. أظنها أصيبت بصدمة لما رأتني عند نزولي من السيارة! نظرت إليها ولم أكد أعرفها، فقد تغيرت وأنا كذلك تغيرت، وكأني بها تتساءل وتقول في نفسها "هل حقيقة هذا الأفندي هو راجي ابني"؟ تقدمت منها. لم تفتح ذراعيها لتضمني فلقد أصبحت غريبًا يرتدي بذلة بيضاء وعلى رأسه قبعة بيضاء من القش الناعم، أصبحت رجلًا مثل بقية الرجال. تقدمت منها :

- مرحبا يما.هياني رجعت متل ما وعدتك.

 قلت بصوت خافت وضممتها إلى صدري. عانقتني بهدوء لم يعكر صفوه سوى صوت تدحرج قطرات دموع الفرح الممزوجة بألم الانتظار على وجنتيها الممتلئتين بالتجاعيد. كم حلمت في الغربة بذلك الموقف وكم خفت منه.

 

  • ونمت على الدوشك كما كنت أنام قبل خمسة وعشرين عامًا

كان الوقت ظهرًا. أدخل الشباب صناديق الملابس إلى الغرف السفلى وصعدنا جميعًا إلى العقد الكبير. نظرت من إحدى النافذتين الشرقيتين المطلتين على الحاكورة إلى ما بعد السور الجديد الذي يلي الشارع ، الشارع الرئيسي مزفّت. وعلى الجهة الأخرى الشرقية من الشارع بناء لم أعهده من قبل. سألت: ما ذلك البناء؟ وأشرت بإصبعي. أجاب زوج أختي:

 _ هذا بابور صليبا الكردوش للطحين والبرغل والفريكة. وهنالك بابوران آخران قريبان على الشارع الغربي الفوقاني إلى الجنوب من دار سلمان، واحد لتوفيق الكردوش والآخر لجرجورة قنازع .فصار في المنطقة ثلاثة بوابير. ومتل ما بتعرف في كمان بابور الألماني يوهنس اللي هو أول واحد في البلد، بعده موجود. ما بيقدرش الواحد ينام في الصبح لما البوابير الثلاثة بدوروا بكير.

 

جلسنا جميعا نتغدى. كانت أمي وأختي راضية على عادتهما صائمتين صيام عيد الفصح، فلم تأكلا من الطعام المعدّ لاستقبالنا. كبّة نيّة ومحمّر بالطابون.

شعرت بنعاس وتعب بعد الغداء، استأذنت وتوجهت إلى أحد العقدين الصغيرين العلويين، ونمت على الدوشك كما كنت أنام قبل خمسة وعشرين عامًا.

 بعد أكثر من ساعة بقليل شعرت بباب العقد ينفتح . خلعت أمي نعليها خارج الباب ودخلت بهدوء تحمل صينية القهوة . جلست على الحصير بجانبي وأخذت تنظر إليّ مليًّا تتفحصني. أخذت دموعها تترقرق على وجنتيها لتسيل في تجاعيد وجهها العميقة. كانت صبية في مقتبل العمر لما تركتها. لم أدر سبب دموعها. لم تصدق عينيها أو لربما شعرت بانني غريب عنها لا تعرفني، فلست ابنها اليافع الذي فارقها قبل خمسة وعشرين عامًا! أمسكتُ يدها فأصابتها رجفة حادة ونوبة من الشهيق والبكاء. قبّلت يدها ودعت لي.

 - رجعتلك يمّا متل ما وعدتك.

- يا ميت أهلا وسهلا فيء، هدا بيتء. الله يرضى عليء يا ابني. قالت ووضعت يدها قرب رأسي تباركني برسم علامة الصليب. شربنا القهوة، استرحت قليلًا.

_سَخَّنتلء مَيّ تتحمم وتروح عءراية الأناجيل. عشان الله يبارءء.

 

  • هاي المسكوبية بنتها الدولة الروسية قبل أكتر من عشرين سنة

استحممت ولبست إحدى بدلاتي وتوجهت خارجًا من البوابة الغربية إلى الكنيسة لحضور القداس، قداس خميس قراءة الأناجيل.

- خالي آجي معك؟ سأل بشارة. فأشرت له بيدي أن يلحقني.

مشينا قليلًا وسالته مشيرًا بيدي إلى الغرب:

- ما هذا البناء الكبير؟

- هاي المسكوبية بنتها الدولة الروسية قبل أكتر من عشرين سنة وفيها غرف كثيرة ينام فيها الحجاج الروس الأرثوذكس لما يأتون لزيارة البلاد المقدسة وللصلاة في موسم عيد الكبير.

- ويبقى البناء فارغًا كل السنة عندما يغادرون؟

- لا لا، السمينار الروسي كمان كان في هذه البناية حتى قامت الثورة الروسية حين أغلق.

وأثار الجواب فيَّ ذكريات حلم جميل لم يتحقق. ماذا لو تحقق الحلم! هل أكون معلما ذا دخل ضئيل محدود مثل ابن عمي نعمة؟

- اسا فيها مركز حاكم الجليل الإنجليزي. قال بشارة موضحًا.

 

  • مين هدا الخواجة اللي معك؟

كان بين الشارع الرئيسي وبناء المسكوبية حرش صغير من أشجار الصنوبر والسرو في نصفه الشمالي، يمتد من أمام كنيسة البشارة إلى ما قبل البوابة الرئيسية الشرقية لدير المطران للروم الأرثوذكس بنحو ثلاثين خطوة، مثلث الشكل رأسه من جهة الدير وقاعدته مقابل الكنيسة وما زال على عهدي به.

مررنا بعين العذراء مقتربَين من الكنيسة. كان سورها الخارجي قديمًا، مبنيًّا من الحجر الناري، وقد بدا عليه القِدَم والحاجة إلى الترميم.

بدأ الناس المتجمهرون في باحة الكنيسة ينظرون إلينا مندهشين يسودهم حب الاستطلاع. بادر أحدهم بشارة ابن اختي بالسؤال هامسًا:

_ مين هدا الخواجة اللي معك؟

_ هدا خالي راجي أجا اليوم من بلاد برّا.

 أجاب بشارة مفتخرًا.

_ وخالك هادا بحكي عربي؟

_ أيوه واسبنيولي كمان.

اقتربنا من باب الكنيسة حيث تجمهر الناس. كانت الكنيسة ملأى بالمصلين من الرجال. كانت النساء في "الشعاري". رفعت قبعتي القش من على رأسي وانحنيت قليلًا لأتمكن من الدخول حيث إن عتبة الباب العليا منخفضة، وكأنما قُصِدَ ذلك لتجعل الداخلين يحنون رؤوسهم إجلالًا لقدسية المكان. شققت طريقي بين المصلين. وقف أحدهم وقدم لي مقعده مشيرًا بيده أن تفضّل بالجلوس، وما أشد ما كان استغرابه حين قلت له بالعربية "شكرا، ممنونلك كثير".

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين