نص سردي| أسمهان خلايلة 

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

بدايات الحب

بدأ موسم الزيتون وهو أحد المواسم المحببة التي تثير في الفلاح الفىسطيني ذكريات واحداثًا عايشها بصحبة شجر الزيتون، أراض قد انتزعت من أصحابها فأتى قوم يفترشون ظل الزيتونة ويغتصبون حضنها ويتعربشون جذعها، أنينها يصل مسامع أصحابها الذين ابتعدوا كثيرا. ابتعدوا بأجسادهم وظلت ارواحهم معلقة وقلوبهم يفطرها الشوق لزيتونتهم قبل الحزن على فراقها عنوة لا حيلة لهم فيه.

كان أبي يصطحبنا معه. يركب الصغيران على الدراجة الهوائية واحد أمامه والآخر خلفه. على الكرسي الخلفي جدا فوق العجلة الخلفية يربض صندوق يلم عدة النشر والفأس والبلطة.

على المقود علق ابي كيسا هو كيس الأكياس التي سيسحبها واحدا تلو الاخر لتعود ممتلئة بالزيتون. كلما عملنا أكثر انفتحت شهية أبي، وضحكت أمي ولهج لسانها: الله يطرحلنا البركة، ساعات الأكل رائعة، نتناول وجبة من الأكل الذي يسند القلب ويشد الركب كما رددت جدتي ام علي. مجدرة او برغل مع رب البندورة والخضار المتوفرة من كوسا وباذنجان وبصل طبخة شعبية تدعى الشلباطة، من عائلة المجدرة بلا عدس. يكسر ابي رأس البصل فلقتين فنتسابق على انتزاع لب الرأس فهو طري أقل حدة من الأوراق الخارجية. في موسم الخريف كانت البندورة عزيزة فاستعضنا عنها بالزيتون الأسود فالق نيعو مكبوس بالزيت حباته كأنها زبيب العنب، والبصل هو بطل المطبخ لا ينقطع كما تتدلل البندورة، وكثيرا ما يصاحب هذا لبن رائب ناصع البياض كأنه قرص جبنة. أمي قامت بترويبه في اول المساء الفائت لنأخذ منه صباحا.

بعد الوجبة نجد فرصة للاختفاء عن عيني أبينا، لنلهو في بوق الزيتونة العمارية. عمرها من عمر جد جدي مصطفى. يعني مائة وخمسون سنة نحسبها لأمي: هذا ع القليلة. تجيب أمي. نجمع حجارة من جوانب كرم الزيتون ونجعلها حواجز بين بيوتنا التي بنيناها تحت الزيتونة وقد انتهى أبي من اسقاط ثمارها بشقشاقته التي أحضرها قبل الموسم بأسابيع.

يفتقد أبي عمٌاله الصغار الذين أتوا ثقل على الدواب وقطيعة للزهاب (الزهاب هو الحاجات التي بحوزة الأهل وخاصة الأغذية والاكل والشرب) يعني هذا أننا مثل الدخان إشي ما منا وبنعمي العيون.

هكذا نحن؟ لم نفهم ان كل ما جمعناه سوية، اقصد نحن الصغار لا يملأ دلوا.

أبي مضغوط: اذا أمطرت الدنيا يا زينب سنتعطل سبعة أيام ع الأقل. أرض النيرب الجنوبية ارض منخفضة لن نتمكن من العودة بسهولة اذا امطرت علينا هناك، وينادي أبي بعصبية يلا يا اولاد وينكو؟ تعال يا حسين ساعدني بدي اقفل اكياس الزيتون. ويتناول ابي عودا رفيعا أخضر لا ينكسر ويحدد رأسه ثم يدخله في كيس الخيش كما تخيط الخياطة الماهرة قطعة قماش.يقفل الكيس ويضعه جانبا: سيأتي أخي محمود ليشحنها الى المعصرة حيث حجزنا مكانا. بارك الله بأخي يساعدني وينسى نفسه.

هذه الذكريات رغم بساطتها فإنها مبهجة للنفس حين نستعيد جلوسنا في "بوق" الشجرة الكبيرة، او امتطاء الجذع الأعوج كأنه حصان ثم نصعد تدريجيا نحو الاغصان العالية نتأرجح فوقها وسط هلع امي وجدتي: سينكسر بكم فرع الشجرة انزلوا. لكنه لا ينكسر تحت اوزاننا الخفيفة. نظل كعصافير تحلق ثم نتأرجح ممسكين أكثر الاغصان انخفاضا لنقف على الأرض بخطى جامدة تتعالى قهقهاتنا، كنا نفرح كثيرا حين يخبرنا أبي بأننا سنتوجه اليوم الى كرم الزيتون الذي يقع الى جانب محطة الوقود الغربية فهناك يتوفر طريق غير معبد لكن يمكن للسيارات المرور عليه. سيأتي بائع الهريسة لنهرع مسرعين نشتريها وناكل حصتتا قبل ايصالها لأبي. استنوا يا اولاد اذا كان مجموع تنكات الزيت حتى خمسين تنكة سأحضر لكم جورعة كبيرة. والجورعة هي التحلاية آخر موسم القطاف او الحصاد. لعلها من تجرٌع. وغالبا ما يحضر أبي الكنافة وقد عُرف بكرمه فكان عمال المعصرة يستبشرون بتحلاية عليها القيمة حين يحضر أبي ليعصر زيتونه.

نرافقه قليلا في المعصرة ونعود الى البيت نجلس على أحر من الجمر. وبقلق نستفسر متى يعود أبي؟ وعند منتصف الليل نسمع هدير عربة التراكتور التي استأجرها أبي لإحضار الزيت الى البيت، تهرع أمي وتقف متشوقة لرؤية الزيت وتبسمل عند بداية التنزيل. وتعد. يا رب يا كريم. سبع وخمسون تنكة كل تنكة فيها ستة عشرة لترا ما شاء الله … ونلتهم الكنافة التي وعدنا بها ونستلقي على جنب واحد لا نتقلب لفرط تعبنا ونعاسنا…

يا أهل بلدنا ويا أمهات اولادنا يا أباء الجيل الحالي والقادم، شجعوا أبناءكم على زيارة كروم الزيتون وازرعوا فيهم حبها. ليس من خلال الفعاليات المدرسية فحسب، فإن بعضها يتقولب بحال الارستقراطي الذي يريد العيش مع عامة الشعب لبضعة ايام حتى يخوض تجربة الشعور بالفقر والحياة الشعبية. لا تفعلوا هذا. خذوهم ليعيشوا موسم الزيتون وألا يترددوا في توسيخ ملابسهم. بل حُثٌوهم على  تخصيص بعض الملابس القديمة لموسم الزيتون شجعوهم على المجيء وسماع  المفردات المتداوَلة: فرٌاط الزيتون، الجوٌالة وهي التي تلتقط الحب عن الأرض، تنسيف الحب، فصل الورق عن الحب برفعه وتذريته على طبق، تعريب حب الزيتون الأخضر لجعله مرصوصا والحب الأسود لكبسه مملحا، جمع الزيتون المبعثر أثناء عملية إسقاط الحب عن الشجرة. الجلوس على التراب وتناول الوجبة. كثيرة هي المفردات التي تندثر بسبب تغيٌر الآلات والأدوات. كثرة هم من لا يعرفون عن الزيتون الا كما يعرف السائح الذي يستمع الى عجالة وبعض الشرح السريع. الالتحام بالأرض لا يكون بفعاليات اسبوعية في المؤسسات فحسب وليجيبني أحد الطلاب عن الزوادة التي تعدها امنا قائلا: ان الوجبة تحت الزيتون ونحن نجمعه هي الشنيتسل. خليط عجيب متفرنج على مستعرب. الا من رحم ربي.

اذهبوا أنتم لقطف الويتون ليلحق بكن اولادكم ولا تتذرعوا بالوظائف والعمل. وارجوكم لا تأتوا الى كروم الزيتون وأنتم تضعون النظارات الشمسية على عيونكم.

كل موسم ونحن باقون كشجر الزيتون.

 

*النيْرَب: ارض تقع في الجهة الجنوبية من قرية مجد الكروم وهي منخفضة نوعا ما.

 

تشرين الأول 2022.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين