كان المجتمع العربيّ وما يزال من - وجهة نظري المتواضعة - يحمل في صُلب هُويّته عوائقَ كثيرةً، منعته من التّقدّم في جميع أصعدة عدّة؛ منعته من مجاراة المجتمعات والحضارات الأُخرى، مجاراتها في المعرفة والانفتاح والتّحرّر من قيود الهُويّة والذّاتيّة.
هذا المجتمع أنا وليدته، ترعرت فيه، عرفته بأنظمته وقوانينه الّتي أثّرت في تشكيل جزءٍ مهمٍّ من هُويّتي والّذي أفخر به، لكنّ للأسف ما يجب إصلاحه فيه أكثر ممّا يجب الإعتزاز به.
اليوم، بعد طورٍ من المعرفة واكتشاف الذّات، أجد نفسي أحمل على عاتقي رسالةً إلى مجتمعي، أحمل في نفسي أصواتًا كثيرة؛ كلّ صوت يجاهد من أجل البوح، أريد أن أبوح وقد آن الأوان أن ننهض...
استفزّني مفهوم "الإغتراب" وما يحتويه من دلالاتٍ فحثّتي أن أستطلع المخبوء فيه؛ في هذه المقالة الصّغيرة سأشارككم جزءًا ممّا عرفته.
هذا الاصطلاح يشكّل جزءًا مهمًّا من البحث الفلسفيّ، بل ويدخل في مجالاتٍ عدّة، سأناقش فلسفة هذا المصطلح وكيف يمكننا أن نفهم الاغتراب على ضوء واقعنا اليوميّ ؟ وكيف يمكننا أن نفهم أنفسنا من خلاله تحت الظّروف المضطّربة والمشحونة الّتي نعيشها ؟
حاولت قدر الإمكان أن أتّخذّ منحًى موضوعيًّا محضًا، مُتَنَصِّلةً من كلّ ما يمكن أن يُترجمَ موضوعيّة الأفكار لعواطف شخصيّة، لكنّ قضيّة الاغتراب بالتّحديد تدخل في صُلب حياتنا، عواطفنا وأفكارنا، فاخترت أن أعرض الفكرة كما هي، كما نشهدها.
أعتقد أنّ أيّ مجتمعٍ مثل مجتمعنا، هو مجتمعٌ يُرتّب لنا حياتنا قبل أن نولَد، يُلبِسُنا ثوبًا أبديًّا على قياسه هو، يشتري لنا ما يحلو له، يُصمّم لنا أفكارنا، يرسم لنا معتقداتِنا، يحضّر لنا قائمة من المسموحات والممنوعات، يُجهّز لنا أقنعة لا تُحصى، كي نكونَ كلّ يومٍ بذاتٍ مختلفة، يقرّر لنا كيف نعيش، كيف نلبس، ماذا نأكل، متى نتزوّج وكيف نتزوّج، ما شكل الخزائن والأثاث الّذي سنضعه في بيتنا، كم من الأولاد ننجب، كيف نرّبيهم وماذا نعلّمهم !!
في مجتمع كهذا يمكننا أن ندرس معنى الاغتراب بحذافيره؛ لأنّه في هذا المجتمع بالتّحديد تتجلّى أوضح صوره.
ثقافتنا العربيّة الّتي تحاول دائمًا أن تلعب على وتر الهويّة والتّمسّك بالجذريّة العرقيّة، القوميّة والدّينيّة شكّلت حاجزًا عندنا بين الذّات والجوهر؛ جوهرنا في الدّاخل يحلم بالحريّة، بينما ذاتنا في الخارج محكومٌ عليها بالصّمت، جوهرنا يحلم بالحقيقة، بينما ذاتنا محكومٌ عليها أن تكذب كلّ يوم، جوهرنا يحلم بالانطلاق، بينما ذاتنا مسجونة بحكم الاعتبارات الاجتماعية والقوانين التّقليديّة. أصبح الفرد في مجتمعنا لا يحقّ له أن يكون ذاته، بل يجب أن يكون "واحدًا من الآخرين" كي يكون مقبولًا ومُعترفًا به.
هذه الثّقافة الّتي حاولت دائمًا أن تربط ماهيّة الحقيقة بماهيّة الأخلاق والّتي نظرت إلى الدّين كمنظومة أخلاقيّة، قضائيّة وسلطويّة، لم تكتف في أن تعلّمنا أنّ رضى الله من رضى الوالدين، بل علّمتنا أنّ رضى الله من رضى الوالدين والمجتمع والأسلاف والقبيلة، وأنّه محرّمٌ على الفرد أن يحيا في انسجام بين جوهره وذاته مهما تغيّر العالم الخارجيّ من حوله، ومهما تبدلّت الظّروف والحالات، محرّمٌ على الفرد أن يكون ذاته، خاصًّا، مميّزًا، فريدًا وفرديًّا.
ما يجب أن يسعى إليه الدّين هو الوصول بالإنسان نحو مراحل من المعرفة والتّنوير الرّوحي، اللذين غُيِّبا عنه بسبب الانفصال والانفصام، بسبب المحدوديّة الفطريّة والكبرياء الفطريّ والاغتراب المُكتَسَب وقد أجد نفسي في هذا الصّدد أُصغي للفيلسوف الألمانيّ لودفيع فويرباخ في حديثه عن الاغتراب بأنّه: "لو أخذنا الدّين على أنّه وسيلة لمعرفة ما يمتلكه الإنسان من كنوز في داخله لكان شكلًا من أشكال الرّوح الإنسانيّة."
أرى أنّ نظرتنا للعالم في تأثيرها الاجتماعي، في عواقبها النّفسيّة وتشعّباتها السّياسيّة والاقتصاديّة، كلّ هذا ولّد صراعاتنا الوجوديّة العميقة فيما يخصّ هويّتنا، ذاتنا وجوهرنا.
آن الآوان أن نعود إلى ديارنا، إلى إنتمائنا، حيث تسكن أرواحنا الحقيقيّة، حيث كلّ شيء حقيقيًّا، جميلًا، بسيطًا وصادقًا!
الفيلسوف الدّنماركيّ، أب الوجوديّة، كيركيغارد، اختصر مفهوم الاغتراب على هذا النحو الرّائع:
"أليس مغتربًا ذلك الإنسان الّذي "يوزّع وقته بين النوم والحلم"، الّذي يرى "الحياة فارغة وبلا معنى"، الّذي "لا يشعر أنّه سيّد حياته"، الّذي اعتاد الصّمت، إذ "لا يجد فائدة من الصّراخ في وجه العالم، والّذي يرى أنّه سيندم مهما فعل"، "إذا تزوّجت ستندم وإذا لم تتزوّج ستندم أيضًا، اضحك على مهازل العالم أو إبك عليها، ستندم في الحالتين."
ما زالت إنسايّتنا تئنّ وتتألّم، إنّها تُريد أن نعيد لها حقّها في الحقيقة، أن نكون على ذواتنا، أن نضرب بعرض الحائط أكاذيب التّعاليم وصنميّة القوانين وتبعيّة الوجود. ما ينبغي علينا فعله، هو أن نكون ما نحن عليه، ما وُلدنا لأجله، الوجود والجمال والحقيقة أبسط ممّا صوّروه لنا، أجمل ممّا درّسونا إيّاه، أن نكون ذواتنا في دوّامة التّناقضات وفي حرب الشّرّ والموت واللّامعنى، أن نفهم فهمًا تنويريًّا أنّنا لسنا من العبث هنا، اليوم هنا، على متن سفينة الوجود الغارقة في بحر الانفصامات والتّناقضات نُصارع من أجل الحياة، من أجل الحقيقة، من أجل الإنسان.
حقّ العودة الأحقّ بتحقيقه هو حقّ العودة إلى الذّات قبل أيّ شيء.



.png)

.png)






.png)
