أمّا النكت هنا فهي بالمعنى العربيّ الأصيل الذي وظّفه أبو الحسن الرمّاني وابن حجر العسقلانيّ. أمّا السياسة فهي بمعنًى يشمل كلّ التفاعلات الحقيقيّة والافتراضيّة بين الفرد والمجتمع والسلطة. أمّا اللغة فهي معجم ونحو وبلاغة.. النكت في سياسة اللغة وليست في لغة السياسة. والفرق بينهما كبير. حين تُسيّس اللغة تصير فعلا سياسيًا. سياسة اللغة تعني أنّ اللغة منظومة علاماتيّة تُفضي بالضرورة إلى عمق سيميائيّ غائيّ وظيفيّ. ما يعني أنّ اللغة منحازة بالقوّة والفعل، متورّطة في الفعل السياسيّ. أمّا لغة السياسة فتعني أنّ اللغة حاضنة مستقلّة ومحايدة، من شكلٍ وبنية، والسياسة مضمونها. سياسة اللغة تعني أنّ الفصل بين الشكل والمضمون مهمّة عبثيّة متعذّرة. ليست هذه المقالة في توصيف لغة السياسة توصيفًا شكليًا أو بنيويًا بقدر ما هي محاولة لملاحقة المقاصد السياسيّة المعتمدة والمتعمّدة فيها. ليست دروسًا في النحو والبلاغة. القضيّة سياسيّة من أولها إلى آخرها. ولأنّني أظنّ أنّ بعض القرّاء قد يفهمون الكلام على غير ما قصد إليه وجب التذكير والتأكيد. صحيح بعض الظنّ إثم، غير أنّ إساءة الظنّ أهون علينا من إساءة الفهم.
القتل: فعلٌ لم يُسمّ فاعله
فرّق العرب في نحوهم، ووصّفوا وفصّلوا، بين نوعين من الفاعليّة: الفاعل الحقيقيّ والفاعل النحويّ. الفاعل الحقيقيّ هو فاعلٌ أُسنِد إليه فعل قد فعله في حقيقة الجملة. كأن تقول مثلا "درس الطالبُ"، فالطالب هو من درس فعلا في الجملة وهو من يحمل مسؤوليّة الدرس في العادة. والفاعل النحويّ هو "فاعل" أُسنِد إليه فعل لم يفعله، لكنّ تعلّق الفعل به يصيّره فاعلا بقوّة الضرورة، أي بقوّة الحاجة إليه لإتمام المعنى. كأن تقول مثلا "انفلق الصخرُ"، فالصخرُ فاعلٌ رغم أنه "لم يفعل"، لم يفلق نفسه بنفسه حتى نحمّله مسؤوليّة الانفلاق. الفاعل الحقيقيّ في هذه الجملة لم يُسمّ، سُكت عنه لأسباب، كأن يكون مثلا عاصفة قد أسقطت الصخرة من علٍ أو رجلا جلفًا قد ضربها بشاقوف فانشقّت وانفلقت.. وهكذا إذًا لا بدّ من عامل فاعل، جَوّانيّ أو برّانيّ، جعل الصخر ينفلق، كقوله تعالى في القرآن الكريم مثلا: فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيم (الشعراء: 63). اللغة منظومة منضبطة بقواعد وضوابط تحصّل حقّها من الصخر حتى يتحقّق المعنى... والحديث شرحه يطول.
سمعت في نشرة أخبار، في إذاعة عربيّة محلّيّة، ما نصّه: "أطلقت قوّات الأمن النار على الشابّ وتمّ تحييده". والحديث عن الشابّ الفلسطينيّ الذي دهس مواطنين يهودًا قبل أيّام. في صياغة الخبر ثلاثة انزلاقات خطيرة، متساوية في الخطورة لا تتفاضل فيما بينها. ثلاثة انزلاقات مؤدّاها كلّها الى مكرٍ واحتيال على المعنى وانصراف عن الحقيقة المرّة إلى مجازات كاذبة: (1) قوّات الأمن (2) الشابّ القاتل (3) التحييد.
"قوّات الأمن"، على عموم الأمر وإطلاقه، مسؤوليّتها تحصيل الأمن والأمان وحفظهما. ما يعني أنّ وظيفتها أصل تسميتها. ولمّا كانت هذه القوّات لا تقوم بوظيفتها، ليست فاعلا للأمن، لا تحصّل أمنًا ولا أمانًا لا للعرب ولا لليهود، فقد بطلت التسمية وانتفت. وهي لا تحفظه للعرب لأنها حُيّدت عن وظيفتها التي تتسمّى بها لأسباب لا تحتاج إلى أيٍّ من أنماط البيان الثلاثة: لا للشرح ولا للتفسير ولا للتأويل. ولا تحفظه لليهود لأنّها أُمرت بالنظر إلى الحاصل الأخير في الحدث وقطعه عن سلسلة إسناده التي تراكمت. حين تقوم قوّات "الأمن" أو جنديّ منها ويطلق نارًا على شابّ فلسطينيّ مثلا، قد دهس يهوديًّا في شوارع المدينة وقتله، فإنّ الحاصل الأخير في هذا الحدث هو قتلٌ، جريمة قتل. ويصير هذا الجنديّ قاتلا بفعلته، فاعلا لفعل القتل. وهذا صحيح في اللغة. وفي الحقيقة هذا الجنديّ بصفة حصريّة، وقوّات "الأمن" بصفة عامّة، هو قاتل نحويّ. القاتل الحقيقيّ هو الحكومة، الثور الكبير، وسياستها الفاشيّة الكولونياليّة الجشعة التي أجاءت هذه القوّات إلى فعل القتل. القاتل الحقيقيّ هو الآمِر وليس المؤتمِر بأمره.
والأمر نفسه بالضبط ينسحب على الشابّ الفلسطينيّ الذي دهس وقتل يهوديًا. هذا الشابّ قاتلٌ بفعلته، فاعلٌ لفعل القتل. وهذا صحيح في اللغة، لكنّه قاتل نحويّ أيضًا. القاتل الحقيقيّ، الفاعل الحقيقيّ، هو الاحتلال. هو الاحتلال الذي أجاءه إلى موقف، لا يرتضيه، يصير فيه قاتلا. وهكذا حين تقتله قوّات "الأمن" فإنّها تتنكّر لكلّ ما سبق الدهس والقتل، تقطع فعله عن سلسلة الجرائم التي يرتكبها الاحتلال، بحقّه وحقّ شعبه، والتي صيّرته قاتلا. وكأنّ هذا الشابّ "القاتل" سقط بغتة من السماء السابعة في عزّ الظهيرة ليدهس يهوديًا. الجنديّ الذي أطلق النار على الشابّ الفلسطينيّ وقتله هو من قوّات "الأمن". والشابّ الذي دهس وقتل هو "مخرّب"، رغم أنّ كليهما قاتل نحويّ... مكرٌ واحتيال!
"التحييد": الحقيقة مرّة والمجاز وقح
قال البلاغيّون العرب "لكلّ مجاز حقيقة وليس لكلّ حقيقة مجاز". ما يعني أنّ الحقيقة أكبر من مجازاتها وأعظم. الحقيقة لا "تُحيَّد" بالمجاز ولا تُشوّه بالمكر والالتفاف. القتل حقيقةٌ ليس له مجاز. القتل هو القتل وليس تحييدًا ولا تعطيلا بصرف النظر عن فاعله.
"تمّ تحييده".. ما هذا القاموس المعجميّ؟! كيف يتبنّاه إعلامنا وتروّجه إذاعاتنا؟! ما هذا الغفول والذهول؟! بهذا "التحييد" تحصّل قوّات "الأمن" أمنًا وأمانًا حين "تحيّد" مخرّبًا إرهابيًا قاتلا وتعطّله عن فعل التخريب والترهيب. وهكذا صار قتل الفلسطينيّ، في كلّ حلّ ومرتحل، تعطيلا وتحييدًا، بصرف النظر عمّا فعل أو لم يفعل وعمّن فعل أو من لم يفعل. وصار تعطيل المخرّب الإرهابيّ عن فعل الخراب أمرًا محمودًا ينبغي أن نشكر المحيِّد عليه. بهذا النحو يحاول المحتلّ أن يقنعنا بأنّ قتل الفلسطينيّ وذبحه من الوريد إلى الوريد هو "تحييد"، هو ضرورة أمنيّة تتساوق مع قانون الحساب والعقاب الذي شرّعته السماء وتلقّته الأرض، كلّ الأرض منذ بسطها ربّ السماء والأرض.
إذا أردتُ أن أكون إعلاميًا موضوعيًا متجرّدًا، أنقل "الحقيقة" النقيّة الطاهرة، قلت: "أطلق الجيش الإسرائيليّ النار على الشابّ الفلسطينيّ فأرداه قتيلا". حتى في هذا الخبر الموضوعيّ المجرّد موقف، أو على أقلّ تقدير، فيه شبه موقف أو بعضُ موقف فيه. فالتجرّد أمر متعذّر. وإذا أردتُ أن أكون إعلاميًا موضوعيًا منحازًا بالقوّة قلت: "أطلق الاحتلال الإسرائيليّ النار على الشابّ الفلسطينيّ فأرداه قتيلا". وإذا أردت أن أكون إعلاميًا موضوعيًا منحازًا بالقوّة والفعل أضفت صفةً للاحتلال الإسرائيليّ، وجعلتها مثلا "البغيض" أو "المجرم"...
لا أعرف لماذا نستعير من المحتلّ قاموسه ونحوه وبلاغته! لا يخفى على الإعلاميّين، بكلّ أنماطهم، أنّ للّغة دورًا حاسمًا في برمجة المواقف وتشكيل الرواية التاريخيّة التي تنهض عليها. وقد كُتبت في هذا المجال العشرات من أطروحات الدكتوراة... انتبهوا إلى لغتكم فإنّ فيها أصلَ الحكاية ومهدَ الرواية!



.png)

.png)






.png)

