في السَّابع عشر مِنْ نيسان مِنْ كلّ عام، نستعيد ذكرى انتفاضة نيسان المجيدة، فننحني بإجلالٍ كبيرٍ لعظمتها، ونكتب بمداد المجد أسماء شهدائها على طيَّات قلوبنا وعلى شغاف أرواحنا، ونستذكر بتقديرٍ عالٍ تضحيات أبناء شعبنا الَّذين دفعوا أثماناً باهظة خلالها.. بل وقبلها أيضاً، مِنْ أجل حريّتنا وكرامتنا جميعاً وحقوقنا ومستقبل بلدنا والأجيال الحاليَّة والأجيال القادمة. بل مِنْ أجل أنْ لا تكون هناك حاجة مطلقاً للشَّجاعة أو للبطولة كلّما أردنا أنْ نقوم بفعلٍ سياسيٍّ عاديٍّ وبسيط، وكلّما مارسنا بعض حقوقنا الطَّبيعيَّة المشروعة. فعلى رأي بريخت: بئس الوطن الَّذي يحتاج إلى أبطال.
مثَّلتْ انتفاضة نيسان 1989 حدثاً مفصليّاً مهمّا في تاريخ الدَّولة الحاليّة في الأردنّ؛ حيث أنَّها كشفت بدء تآكل القاعدة الاجتماعيّة التَّقليديّة للنِّظام، وأوصلت له رسالة قويّة مفادها أنَّه لا يستطيع الاستمرار في الحكم بوساطة أسلوب التَّرهيب والقمع الفظّ المباشر والممنهج الَّذي مارسه طوال مدّة الأحكام العرفيّة.
ألوف النَّاس زُجَّ بهم في السّجون، خلال تلك الفترة، ومُنِعوا من العمل والسَّفر، ولوحقوا، وطورِدوا، وتعرّضوا للتَّعذيب في زنازين المخابرات، وهُدِرَتْ كراماتهم، وسُلِبَت حقوقهم الإنسانيّة، وحُرِموا مِنْ حقوقهم كمواطنين، وفُرِضَتْ عليهم مصائر غير طبيعيّة؛ وألوف، مثلهم، اضطرّوا للعيش في المنافي تجنّباً لبطش السُّلطات. لذلك، فإنَّ كلّ مَنْ يعبِّر عن رأيه بوضوح الآن، ومَنْ يمارس دوراً نشيطاً في المعارضة، ولا تتعرّض حقوقه وحياته لكلّ تلك الانتهاكات الفظّة، إنّما هو مدين بذلك لانتفاضة نيسان.
وكشفت الانتفاضة، بالمقابل، أنَّ نضالات المعارضة اليساريّة وخطابها التَّقدّميّ الدِّيمقراطيّ لم يذهبا سُدى؛ فالنَّاس عندما خرجت إلى الشَّارع، ابتداءً مِن معان الَّتي لم يكن لليسار وجودٌ ملموسٌ فيها، لم تجد سوى شعارات اليسار ومطالبه لترفعها في وجه السُّلطة الحاكمة.
اندلعت الانتفاضة في 17 نيسان من العام 1989، وبدت مفاجئة للنِّظام وللمعارضة على السَّواء. ولكنّها، في الحقيقة، كانت حصيلة للسِّياسات الاقتصاديّة الليبراليّة الَّتي كان النِّظام قد بدأ بانتهاجها قبل ذلك بسنوات، خصوصاً في عهد حكومة زيد الرِّفاعيّ؛ حيث تمًّ الشّروع – آنذاك – ببيع ممتلكات القطاع الحكوميّ، وراحت المديونيّة تتزايد بشكلٍ مطّرد. ثمّ جاء هبوط سعر صرف الدِّينار إلى أقلّ مِنْ نصف قيمته السَّابقة بين ليلة وضحاها في تشرين الأوّل من العام 1988، ليزيد منسوب السّخط والاحتقان لدى مختلف الفئات الشَّعبيّة. وفي 16 نيسان 1989، أعلنت حكومة زيد الرفاعيّ عن زيادة أسعار الوقود والموادّ الغذائيّة الأساسيّة، لتكون هذه هي الشَّعرة الَّتي قصمت ظهر البعير.
وأستعيرُ، هنا، مِنْ موضوع عن انتفاضة نيسان، للدّكتور محمّد المناصير، نشره في موقع «عمّون» ضمن سلسلة من المواضيع الَّتي خصّصها للحديث عن تاريخ الأردن، أستعير بعض أرقام رفع الأسعار الَّتي قد تبدو الآن طريفة:
(أسطوانة الغاز مِنْ دينار و800 فلس إلى دينارين؛ لتر البنزين الخاصّ مِنْ 210 فلسات إلى 270 فلساً؛ لتر البنزين العاديّ مِنْ 180 فلساً إلى 220 فلساً؛ السّولار والكاز مِنْ 65 فلساً إلى 75 فلساً.. الخ).
تزامنت هذه الإجراءات مع انتهاء حرب الخليج الأولى (بين العراق وبين إيران). ونعرف بأنَّ تلك الحرب جلبت العديد من المنافع الاقتصاديّة للنِّظام الحاكم في بلادنا ولبعض الفئات الاجتماعيّة؛ حيث تحوّل اعتماد العراق، في استيراده وتصديره، مِنْ ميناء البصرة إلى ميناء العقبة؛ لذلك، كان طبيعيّاً أنْ تبدأ الانتفاضة باحتجاجات سائقي الشَّاحنات وسيّارات الأجرة في معان على رفع أسعار البنزين.. خصوصاً بعدما خسروا معظم عملهم في النَّقل بين الأردن وبين العراق. وتزامنت تلك الإجراءات الاقتصاديّة، أيضاً، مع إعلان فكّ الارتباط مع الضّفّة الغربيّة في العام 1988؛ الأمر الَّذي ألقى في حينه ظلالاً كثيفة على مستقبل الدَّور الوظيفيّ للسُّلطة الحاكمة في ما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة.
اندلعت شرارة الانتفاضة في معان، ثم انتقلت إلى محيطها: المريغة، والجفر، والسويمرة، وقاع النَّقب، ودبّة حانوت، والشَّوبك، والحسينيّة، والهاشمية، وأذرح، والجرباء، والقويرة، ووادي موسى، والطَّيبة، والحميمة، وطاسان، والعقبة، وقاع النعيمات، والشلّالة، والمدوَّرة. ثمّ امتدّت إلى مدينة الطَّفيلة وقراها: الحسا، وبصيرا، وجرف الدَّراويش، والعيص، والنّمقة؛ ثمّ إلى الكرك وقراها: المزار، والقصر، وغور الصَّافي، وفقوع، والرَّبّة، والجديدة، والمزار، وجدعا السّيايدة، والقطرانة، ومؤتة، وعي.
وفي محافظة العاصمة، امتدّت الاحتجاجات إلى المواقع التَّالية: حيّ الطَّفايلة وحيّ المعانيّة في عمّان، والجامعة الأردنيّة، وناعور، والزَّرقاء، والنقيرة، والجيزة، ومادبا، وذيبان، ومليح، والجويدة، ومرج الحمام، والهاشميّة، وياجوز، ومنجا، وحنينا، والفيحا، وسحاب، ووادي السِّير، والرصيفة، وزيزياء، والفيصليّة، والمصلوبيّة، وتلاع العلي، وأم الحيران.
وفي محافظة البلقاء، امتدّت الاحتجاجات إلى السَّلط، ووادي شعيب، وماحص، والفحيص، وعين الباشا، وقرى العدوان.
وفي محافظة إربد، شملت الاحتجاجات إربد، والطَّيبة، وأيدون، وحوشا، والمصطبة، وعنجرة، و«دير أبو سعيد»، والمزار الشّمالية، وعجلون، وزْمال، والسّموع، وكفر أسد، وجامعتيْ اليرموك والعلوم والتكنولوجيا.
وفي محافظة المفرق، شملت المفرق، ومنشيَّة بني حسن، ومغيِّر السرحان، وسما السرحان، والدّفيانة، كما شملت عدداً مِنْ مناطق بني حسن في المفرق والزَّرقاء.
وكانت شعارات الانتفاضة في البداية معيشيّة اقتصاديّة؛ لكنّها سرعان ما أصبحت سياسيّة تطالب بالحريَّات العامَّة وإسقاط الحكومة وبقانون للأحزاب وإلغاء الأحكام العرفيّة.
الشَّرائح الاجتماعيَّة الَّتي خرجت إلى الشَّارع – آنذاك – هي تلك الَّتي كان النِّظام قد دمّر نمط معيشتها، فتحوّلت من الاعتماد على الإنتاج الزِّراعيّ (النَّباتيّ والحيوانيّ) إلى الاعتماد على الوظيفة الحكوميّة أو العمل في هيئات القطاع العامّ، وبعد برامج الخصخصة والهيكلة وجدت نفسها على الرَّصيف وبلا مصدر رزق.
كيف واجه النِّظام الانتفاضة؟
واجه النِّظام الانتفاضة بقدرٍ كبير من الشِّدّة والعنف، واستخدم القوّات الأمنيّة بمختلف أنواعها، لإخمادها؛ وفرض حظر التَّجوّل على مدينة معان، ونشر الحواجز الأمنيّة على مداخل المدن الَّتي شهدت احتجاجات، وشنًّ حملة اعتقالات واسعة شملت العديد من المشاركين في الاحتجاجات، كما شملت كوادر الأحزاب اليساريّة والقوميّة وأبرز أنصارها.. مَنْ شارك منهم في الاحتجاجات ومَنْ لم يشارك؛ حيث بلغ عدد المعتقلين مِنْ محافظة معان وحدها 500 معتقلاً كانوا جميعهم تقريباً مِنْ خارج الأحزاب السِّياسيّة، وكان قسماً كبيراً منهم أطفالاً وأحداثاً تمّ التَّعامل معهم بأساليب قمعيّة فظّة قُصِدَ بها إذلالهم والحطِّ مِنْ كراماتهم مِنْ دون أيّ مراعاة لطفولتهم.
اسمعوا هذه الشَّهادة مِنْ أحد معتقلي انتفاضة نيسان كتبها بعد مدّة طويلة مِنْ ذلك التَّاريخ. يقول:
«ولا أنسى أنَّه بينما أفراد الأمن كانوا يسوقون مجموعة جلّها من أطفال معان، الَّذين خيّم الخوف والذّهول على وجوههم، كان هناك طفل دون العاشرة بسنوات (ولم يكن الوحيد بهذا العمر) تأخَّر في المسير عن الجميع، وقد اعتراه الذّعر وراح ينادي أمّه مستغيثاً، بينما هو يبكي (طفل. ماذا بوسعكم أن تقولوا..!؟)؛ ولا داعي لذكر طريقة التَّعامل معه، لأنَّها في كلّ الأحوال لن تكون مناسبة للتَّعامل مع طفل مكانه الرَّوضة لا سجن سواقة الصَّحراوي، ويفترض أن تتعامل معه "مس" رقيقة لا سجَّان متغطرس!»
وهذا في حين كان أغلب معتقلي الكرك حزبيين أو نشطاء سياسيين، وقد بلغ عددهم 47 معتقلاً. والأمر نفسه ينطبق على معتقلي إربد وقد بلغ عددهم 66 معتقلاً.. ثلثهم تقريباً مِنْ طلبة جامعتي اليرموك والعلوم والتّكنولوجيا؛ كما ينطبق أيضاً على معتقليْ محافظة العاصمة (وكانت تتبع لها – آنذاك – مادبا والزَّرقاء وقراهما)، وبلغ عددهم 82 معتقلاً. وبلغ عدد المعتقلين من السَّلط ومحيطها، خصوصاً الفحيص، ثمانية معتقلين.
وكان عدد المعتقلين المسيّسين 117 معتقلاً؛ حوالي 68 منهم كانوا أعضاءً في الحزب الشّيوعيّ الأردنيّ.. هذا عدا عن آخرين اُستُهدِفوا بالاعتقال، وأفلتوا منه بالصّدفة.
غير أنَّ مَنْ يجب أنْ يحظى دائماً بأكبر الاهتمام والامتنان والتَّقدير هم الشُّهداء الَّذين بذلوا دماءهم في هذه الانتفاضة على مذبح حقوق الشَّعب الأردنيّ الوطنيّة والاجتماعيّة والسِّياسيّة والإنسانيّة، وهم يستحقّون منّا أنْ نستذكر أسماءهم في كلّ مناسبة لها علاقة بكفاح الشَّعب الأردنيّ مِنْ أجل الحرِّيّة والدِّيمقراطيّة والتَّقدّم الاجتماعيّ.
وهم:
من الكرك: يعقوب سليمان قطاونة، وإبراهيم مطيع قطاونة؛
ومن الطَّفيلة: محمد العوران؛
ومن معان: أحمد حسين السّعودي، وسامي الرّوّاد، وعمر أبو رخيّة، وسليمان تيم أبو هلالة، ويحيى مرزوق عبكل آل خطّاب، ومحمود النَّسعة، وصقر علي هويمل الخطيب، وهارون أبو حيَّانة، وعامر كريشان؛
ومن الحسينيّة: رافع مليح العودات، وعوض طاهر الحجايا.
وهذا عدا عن الجرحى، الَّذين لا تتوفّر أسماؤهم أو معلومات وافية عنهم، مع الأسف.
هؤلاء الشُّهداء والجرحى تتجاهلهم السُّلطة الحاكمة، وأحزاب المعارضة أيضاً.. مع الأسف! وهذا يقودنا إلى مسألة أخرى أساسيّة، وهي أنَّ الانفراج السِّياسيّ الَّذي حدث في البلاد بعد انتفاضة نيسان، لم ينطوِ على اعتراف من السُّلطة الحاكمة بما اقترفته من انتهاكاتٍ كبيرة لحقوق الإنسان خلال عقودٍ طويلة. وبناء عليه، فهي لم تتحمّل مسؤوليّة هذه الانتهاكات وتبعاتها.. من التَّعويضات المادّيّة والمعنويّة وما إلى ذلك.. مثلما فعلت السّلطات في بلدان أخرى عديدة.. منها المغرب وجنوب إفريقيا وعدد مِنْ بلدان أميركا اللاتينيّة.. في إطار ما عُرِفَ بعمليّة «الحقيقة والمصالحة».
وأحد أسباب هذا الخلل، هو أنَّ أحزاب المعارضة لم تضع هذا الأمر على جدول أعمال نضالاتها ومطالباتها.. خصوصاً في لحظة التَّحوّل الحاسمة التي أعقبت انتفاضة نيسان 1989، وتوافقت مع النِّظام (ضمناً على الأقلّ) على مبدأ طيّ الصَّفحة وعفا الله عن ما سبق، مكتفيةً منه بتفضّله بمنحها تراخيصاً للعمل العلنيّ شاكرةً ممتنّة. الأمر الَّذي سرعان ما شجّع النِّظام على العودة إلى أساليبه القمعيّة السَّابقة المدانة، كلّما صادف فِعلَ معارضةٍ جدّيّ. ولا تزال ملفّات جميع المعارضين السَّابقين والحاليين، وأبنائهم وأحفادهم وأقربائهم، مفتوحة حتّى الآن.. بدلاً مِنْ إغلاقها وفتح ملفّات أخرى لكلّ الَّذين كانوا مسؤولين عن سياسات التَّجاوز على حقوق الإنسان وحقوق المواطن.
ونعود إلى ردود فعل النِّظام على الانتفاضة.. إلى جانب القمع المفرط، ما لبث النِّظام أنْ وجّه بعض الإشارات الَّتي تفيد بأنّه ينوي تقديم بعض التَّنازلات الَّتي تستجيب لمطالب الانتفاضة والقوى الوطنيّة والتَّقدّميّة. فقد كان الملك حسين – آنذاك – في زيارة لواشنطن مع رئيس وزرائه زيد الرِّفاعيّ، فسارع بالعودة، وفي مطار عمّان نقل الإعلام الرَّسميّ صورةً لاستقباله مِنْ دون أنْ يظهر معه رئيس وزرائه. ثمّ في خطابٍ له نقله التّلفزيون مساء يوم 26 نيسان 1989 وعد الملك بإجراء مراجعة شاملة ومعالجة جذريَّة لأسباب الاستياء والاحتجاج، وإجراء انتخابات نيابيَّة مِنْ شأنها أن تقوِّي أسس «المشاركة الشَّعبيّة»، كما وعد باستخلاص النَّتائج والعبر من الأحداث الَّتي شهدتها البلاد.
ونعرف جميعاً العمليّة الَّتي جرت بعد ذلك. ومِنْ أبرز محطّاتها، المبادرة إلى إلغاء عددٍ من الإجراءات العرفيّة التَّعسّفيّة؛ حيث تمّ الإفراج عن جوازات السَّفر المحجوزة (وكانت بالألوف)، كما تمّ إلغاء قرارات منع السَّفر، وتقرَّرت كذلك إعادة المفصولين لأسباب سياسيّة إلى أعمالهم.
بعد ذلك، أُجرِيَت الانتخابات النِّيابيّة، فأوصلت عدداً من المحسوبين على المعارضة إلى البرلمان؛ ثمَّ جرى إلغاء الأحكام العرفيّة وقانون مكافحة الشّيوعيّة، ووُضع قانون لترخيص الأحزاب، وشُكِّلَت لجنة مِنْ مائة شخصيّة لصياغة ما سُمّي «الميثاق الوطنيّ». نتج عن أعمالها في النِّهاية نصٌّ إنشائيٌّ فضفاض لم يرقَ إلى مستوى الصِّيغة الميثاقيّة وبقي حبراً على ورق. أمّا مطالب الانتفاضة الاجتماعيّة والاقتصاديّة فقد تمّ تجاهلها.
وعلى النَّقيض مِنْ ذلك، بقي نهج التَّبعيّة على حاله، بل إنّه تعمّق وتوطّد مع هيمنة أنصار الليبراليّة المتوحّشة على كلّ مفاصل السُّلطة. وسرعان ما انخرط النِّظام في التَّسوية السِّياسيّة مع العدوّ الصّهيونيّ إلى أنْ وصل إلى توقيع اتِّفاقيَّة «وادي عربة» سيّئة الصّيت، وكان مِنْ نتائج ذلك وضع الأردن تحت الهيمنة «الإسرائيليَّة» المباشرة.
//الحراك الحاليّ
إذا كانت انتفاضة نيسان 1989 قد كشفت بدء اهتراء القاعدة الاجتماعيّة للنِّظام وأنّه لم يعد قادراً على الاستمرار بإخضاع النَّاس بأساليب القمع الفظّ المباشر، فإنّ الحراك الحاليّ قد كشف أنّ القاعدة الاجتماعيّة للنِّظام أصبحت في الحضيض. وهذا بغضّ النَّظر عن الحجم المحدود لمشاركة النَّاس في الحراك وعدم انتظام فعاليّاته.
وأبعد مِنْ ذلك، كشف الحِراك الحاليّ بأنّ نهج التَّبعيّة والشَّكل الأوتوقراطيّ المستحكم للنِّظام أصبحا موضع معارضة متصاعدة مِنْ أوسع قطاعات المجتمع الأردنيّ.
لقد تمّ العبث بدستور 1952، رغم كلّ نواقصه، بشكلٍ ممنهج، طوال العقود الَّتي تلت انقلاب القصر في العام 1957 على حكومة سليمان النَّابلسي الوطنيّة.. الحكومة الوحيدة في التَّاريخ الأردنيّ الَّتي انبثقت مِنْ برلمان منتخب انتخاباً نزيهاً. وجاءت التَّعديلات الأخيرة الَّتي أُجرِيَتْ على الدّستور لتفرغه مِنْ روحه، وليصبح نصّه على أنَّ «الأمّة مصدر السُّلطات» كلاماً بلا معنى.
على أيّة حال، سابقاً كان النِّظام أوتوقراطيّاً بحكم الأمر الواقع، وبعد التَّعديلات الدّستوريّة الأخيرة أصبح أوتوقراطيّاً بالنَّصّ الدّستوريّ. وهكذا، فالملك يمسك بيده جميع السُّلطات والصَّلاحيّات، وإضافة إلى هذا، فعدد موظّفي الدِّيوان الملكيّ بالآلاف، وهم يُملون سياساتهم وقراراتهم على جميع أجهزة الدَّولة. ما يعني أنّهم أصبحوا دولة فوق الدَّولة. أمّا الحكومات والنُّوّاب فهم مجرّد واجهات وأقنعة لم تعد تستر شيئاً.
ولذلك، رغم تغيّر الحكومات والمجالس النِّيابيّة، فإنَّ السِّياسات الاقتصاديّة الليبراليّة المعادية للشَّعب، تبقى هي نفسها، وسياسات التَّبعيّة للدّول الإمبرياليّة وتنفيذ مخطّطاتها على حساب مصالح البلاد والشَّعب إنّما هي كالقضاء والقدر.. لا رادَّ لها. والفساد يزداد ضراوةً ويستشري، بل ويصبح مفضوحاً ومكشوفاً.. مِنْ دون أنْ يرفَّ لمقترفيه جفن. وهذا ما تصطلح المعارضة على تسميته «سياسات الحكومات المتعاقبة». وهي، في الحقيقة، تسمية بائسة لا تقدّم شيئاً سوى المشاركة في تزييف وعي النَّاس وتضليلهم.
//خارج التَّاريخ والعصر
أثناء إعدادي لهذا الموضوع، خطر لي أنْ أتقصّى عدد الأنظمة الملكيّة وما يماثلها الموجودة حاليّاً في العالم، فوجدت أنَّ عددها اثنان وأربعون نظاماً؛ منها نظام إمبراطوريّ واحد في اليابان، ودوقيّة واحدة في لكسمبورغ، وستّ إمارات، وسلطنتان، وواحدٌ وثلاثون مملكة. ووجدتُ أنًّ اثنين وثلاثين مِنْ هذه الأنظمة أصبح ميراثها الأرستقراطيّ مجرّد فلكلور، وأصبح دور رأس الدَّولة فيها فخريّاً ورمزيّاً.. أي بلا سلطات تنفيذيّة وبصلاحيّات بروتوكوليّة محدودة، وأنَّ مَنْ يتولّى السُّلطات التَّنفيذيّة فيها هو الحكومات المنبثقة مِنْ مجالس نيابيّة منتخبة. وهذا في حين أنَّ الدّول العشرة الباقية هي دولٌ أوتوقراطيّة قروسطيّة، وهي كلّها عربيّة.. باستثناء سلطنه بروناي.
//هل نحن في ذيل العالم؟
لا أظنّ ذلك. مَنْ هم في ذيل العالم فعلاً هم أولئك الَّذين يفرضون بالقوّة على بلدانهم وشعوبهم هذا النَّمط القروسطيّ من الحكم الَّذي تتحوّل الشّعوب فيه مِنْ مواطنين إلى رعايا، والحكّام مِنْ خُدّام للشّعوب والدّول إلى أسياد لهما.
وبالنِّسبة لشعبنا الأردنيّ، فهو، مثل كلّ الشّعوب الحيّة، يستحقّ أنْ يكون الحُكم في بلده عصريّاً وديمقراطيّاً ومتحضّراً؛ بل، بشكلٍ أدقّ، يستحقّ أنْ يَحكم بلده ونفسه بنفسه؛ فهو، منذ أوائل عشرينيّات القرن الماضي، أي منذ قيام النِّظام الحاليّ في الأردن، دأب على النِّضال مِنْ أجل أنْ تقوم في بلاده سلطة وطنيّة ديمقراطيّة متحرِّرة مِنْ قيود التَّبعيّة والاستبداد. وفي الميثاق الوطنيّ الأردنيّ، الَّذي صدر عن المؤتمر الوطنيّ الأردنيّ الأوّل في العام 1928، برهانٌ ساطعٌ على هذه الطّموحات والأحلام الدِّيمقراطيَّة الموءودة.
الصورة| 2012: مسيرة الأحزاب القومية واليسارية: شعب الأردن يا شجعان جددوا هبة نيسان



.png)

.png)






.png)
