هبّة القُدس والأقصى - من يجلس في قفص الاتهام| رهام نصرة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"أنا أعتذر من عائلة يعقوب ابو القيعان، هو لم يكُن مُخربًا"، صرح بنيامين نتنياهو في مؤتمرٍ صحفيّ في الثامن من أيلول الماضي – ثلاث سنوات بعد الجريمة– في محاولةٍ فظّة واستعلائية وغير اخلاقيّة لتجيّير مصاب عائلة ابو القيعان وجرح التهجير والتهويد النازِف في النقبّ، لصالح حربه ضد سلطات إنفاذ القانون في ملفّات الفساد ضدّه.

وفي تموز من العام الماضي، صرّح رئيس الحكومة السابق ايهود باراك، من أعطى الضوء الأخضر للانفلات الدموي الشرطوي في بلداتنا في الأوّل من اكتوبر عام 2000، بأنه "يتحمّل مسؤولية ما حصَل" في مغازلة مفضوحة لـ "تبييض صفحتهِ" عشيّة الائتلاف بين حزبهِ "إسرائيل ديمقراطية" وحزب "ميرتس" ضمن ما سُميَّ لاحقًا "المعسكر الديمقراطي"، لاهثًا مرّة اخرى وراء أصوات المواطنين العرب.

اعتذاران بمثابة "قتَلُه ومشي بجنازتُه" يكشفان مدى عنجهية وانتهازية العقلية العنصريّة التي شاركت في الجريمة، خلقت أرضيةً خصبةً لارتكابها، لتقتصر - بعد سنوات - فداحتها بكونها "حادثة وحصلت"، بمعزل عن سياق أكبر بكثير، سياق تراكمت فيه الجرائم، المقصودة والممنهجة، لخلق العربي الهجين، المُمزًّق بين هوامش المواطنة وبين هُوية قومية قيد الترويض والتهذيب.

كل من المُجرمين اعلاه، نزع عنّا – بيد من حديد ورصاص – صفّة المواطنين في الطريق لنزع إنسانيتنا وحقّوقنا الطبيعيّة، ليعود و"يعيرنا" إيّاها في جزئية تخدم مصالحه الآنيّة، وتبقينا نحنُ في خانة المفعول بهِ والسعيِّ المُتواصل لإثبات استحقاقِنا لها. من ذات المنطِق العنصريّ، حرَّض المجرمين اياهُم علينا كمجموعة واحدة، مجموعة الأعداء، واستباحوا دم أبنائنا واخوتنا باسم انتمائهم للمجموعة، وحوّلونا الى مُجرِّد أفراد فقط في "لحظة الاعتذار".

 

حدثًا فارقًا، ومؤسسًا:

شكّلت هبّة القُدس والأقصى حدثًا فارقًا في تاريخ شعبنا الفلسطيني الباقي في وطنهِ - خاصة الأجيال التي لم تُعاصر النكبة ولم تواكب أيّام الحُكم العسكري - ليس فقط على مستوى تجسيد وحدتهِ تحت القضيّة الاُم وزوال الحدود الجغرافية والمكانات القانونية بحيث صُوِّب الرصاص تجاه ابن الضفّة وابن المُثلث وابن الجليل، وتعرَّت هذه التقسيمات أمام سطوة النار التي اعادتنا جميعًا الى خانة "العدو".

ليس أقلّ من ذلك، شكّلت هبّة القدس والأقصى تحدّيًا آخرًا أمامنا، نحن أهل البلاد مواطني دولة إسرائيل. تحدّيًا يُحتِّم علينا التوفيق بين الفطرة والانتماء الاصيلين الذان جعلانا اصلًا نخرُج في المظاهرات الغِضاب التحامًا مع شعبنا الواقع تحت الاحتلال الفعليّ، وبين عدم التنازل عن حقوقنا الطبيعية كمواطنين يشتقّون مواطنتهم من كونهم أصحاب الأرض، دون أن نفرِّط أو نخدش وحدة الصف والمصير.

 

قنابل موقوتة

لم يتجسّد التجريد من الإنسانية ومن المواطنة في لحظةِ القتلِ وحسب.فكما لا يُمكن عزل حيثيات الجريمة عن سياق التمييز البنيوي وسياسات تطويع الفلسطينيين داخل الخطّ الأخضر أيضًا، فإن تعامُل الأذرع القانونية لهذه السياسات يُشكِّل تتمّة الصورة، وتتمّة الجريمة.

لعلَّ أصدّق وأنبَل ما يُمكن ان نُعاهد دماء الشهداء عليه، اضافةً الى تخليد ذكراهم وصيانة الدرب التي سلكوها، هو الّا تستقرَّ لنا عين ما دام المُجرمين "أحرارًا" طلقاء، والّا نكفَّ عن السعي عن إحقاق العدالة لهم (لشهدائنا) ولشعبنا.

لكنَّ – في حالتنا – المسافة بين محاكمة القتلّة وبين إحقاق العدالة، طويلة ومرصوفة بالألغام. العدالة في حالتنا المُركبَّة لا يمكن لها إلّا ان تكون عدالة جماعية، شموليّة، تضع في قفص الاتهام وفي خانة الادانة، العقلية العنصرية الاقتلاعية التي شرَّعت طريق الرصاص نحو صدور أبنائنا واخوتنا، بينما المُحاكمة التي من الممكن ان تؤمِّنها – ولو نظريًا - الأذرع القانونية والقضائية الاسرائيلية هي محاكمة فرديّة، تُقارن بين فعل الضحيّة وفعل المُجرِم، تتمحَّص المسؤولية القانونية للجاني في ظلّ معايير سياسية و"أمنية" مبنيّة أساسًا على مبدأ بحسبه لسنا إلّا قنابل موقوتة يتطلّب "تعطيلها" في الفرص السانحة.

 

محاكمة القتلة- هكذا قررت أذرع القانون محو الجريمة:

 

هذا هو المنطِق الذي استندت عليه سلطات "إنفاذ القانون" الاسرائيلية في تعاملها مع مذبحة أكتوبر 2000 حيث لم تكفِ ثلاثة عشرِ جثّة لمتظاهرين عُزّل – إلّا من غضبهم وانتمائهم - مضرجّة بالرصاص الحيّ والرصاص المغطّى بالمطاط ، لفتح تحقيقٍ فوريّ بالجرائم، او لجمع الأدلّة وافادات عشرات ومئات شهود العيّان، ليأتِ بعد ستّة شهور من الجريمة قرار النائبة العامّة آنذاك والتي ستُنَّصب بعد 4 سنوات كقاضية في المحكمة العليا، عِدنا أربيل، أن وحدة التحقيق مع رجال الشرطة ("ماحاش") لا يمكن ان تجري تحقيقًا جنائيًا بالتوازي مع عمل لجنة التحقيق الرسمية – لجنة اور.

ثلاث سنوات بعد الجريمة، في أيلول 2003، وفي اعقاب توصيات لجنة اور بضرورة اجراء تحقيق جنائي، أعلنت ماحاش للمرّة الاولى بأنها ستشرع في فتح ملف تحقيق في جرائم قتل الشهُداء. لكنَّ في الواقع، ماحاش لم تفتح أي تحقيق، ولم تحاول جمع أيّة ادلّة، بل استندت على معطيات التحقيق الذي اجرته لجنة اور، لتقرر بعد سنتين، في عام 2005، بخلافٍ تام لاستخلاصات لجنة اور أنه " لا توجد أدلّة كافية لتقديم لوائح اتهام ضد أي من رجال الشرطة"، وليُسانِد هذا القرار المستشار القضائي للحكومة آنذاك ميني مزوز، والذي سيُنصَّب هو الاخر لاحقًا كقاضيًا في المحكمة العليا.

على ضوء الضجّة الشعبية الجماهيرية والمرافعة القانونية في ذلك الحين، تم مُعاينة قرار ماحاش بإغلاق ملفّات الجريمة مرّة اخرى. ولعلَّ ابرز ما يُجسّد فداحة التبييض القانوني لا لجرائم القتل وحسب بلّ لتواطؤ أذرع "انفاذ القانون" لتطبيع فعلِ القتل طالما الضحية هو "عدو"، هو أن من رافق المعاينة القانونية لقرار ماحاش، كان النائب العام آنذاك، عام 2005، عيران شندر، الذي شَغَل منصب رئيس ماحاش خلال احداث اكتوبر.

فيما بعد، ستعزي ماحاش والمستشار القضائي مزوز، حجّة عدم وجود ادلّة كافية لمحاكمة القتلَة بانعدام تعاون ذوي الشهداء مع المحققين، وعدم "رغبتها" (ماحاش) بالدخول في صدام مع الأهالي الذين طالبوا بتعجيل تسريح الجثامين، و"خوفها" على محققيها من الجموع الغاضبة في البلدات المنكوبة. وهكذا، وضعت ماحاشوأذرع القانون الاسرائيلي أبناء شعبنا في قفص الاتهام، وحمّلته مسؤولية "فشل" التحقيق.

"لا لردع القتلَة"... عن القتلْ!

ولأن جرائم القتل في هبّة القدس والأقصى غير معزولة عن السياق الأساس، سياق التوسّع الاستيطاني وعقليّة التفوق العرقي، وبالتالي تجيير وتجييش كلّ الأدوات لصالح تكريسهم، فإن فعل القتل لن يُعتبَر عطبًا او خللًا، بل سيُسوَّغ كأداة – شرعية – لصيانة السياق وتجذيره.

تزامنت إحياء الذكرى الـ 20 لهبّة القدس والاقصى في هذا العام مع التسريبات التي كشفت –بالأدلة والمكاتبات – التواطؤ بين شاي نيتسان من شغل منصب النائب العام حتى كانون الأول من العام الماضي، وبين قائد الشرطة آنذاك روني الشيخ بإغلاق ملّف التحقيق ضد قتلة إبن النقب المربّي يعقوب ابو القيعان أيضًا بحجّة عدم وجود ادلّة كافية ضد القتلَة.

شاي نيتسان، من ترأس الطاقم القانوني الذي صادق على قرار ماحاش بإغلاق ملّفات القتل ضد شهداء اكتوبر 2000، كتب في قرار اغلاق ملّف قتل يعقوب ابو القيعان أنه لا تأثير لتبرئة ابو القيعان من تهمة "المُخرِّب" على قرار إغلاق الملّفات ضد رجال الشرطة – أي أنه لا مكان لمحاكمة رجال الشرطة بغضّ النظر عن ما فعله ابو القيعان، او لم يفعله.

في الواقع، ان هذا التصريح لشاي نيتسان يكشف كل الرواية. في الرواية الامنية الاسرائيلية، لا علاقة لتبرئة او ادانة يعقوب ابو القيعان من تهمة "المخرّب" في فعل القتل ذاته، وتبريره لاحقًا. تمامًا كيف لم تؤثر استخلاصات لجنة اور التي اقرّت ان إطلاق الرصاص الحيّ والقنّاصة لم يكن مبررًا في اكتوبر 2000، على عدم محاكمة القتلة.

إن تبرير فعل القَتل مبني على منطق السائد لا الاستثنائي، والفكرة السائدة التي يتغذّى عليها أجهزة الأمن – وليس فقط – هي أن العربيّ مجرم حتى تُثبت برائته، وفي "ساحة الحرب" لا مكان للاحتمالات، لا مساحة لفحص دقيق للمعايير المختلفة. في ساحة الحرب على جميع أذرع المؤسسة أن تُؤَّمن لحامل البندقية الحماية الكاملة لئلّا يتردد.. ولكي لا يُردع عن "تنفيذ وظيفته".

هكذا تكاتفت أجهزة القانون الاسرائيلية مع السياسات التي لا ترى بنا إلّا رعايا وأعداء، وترى بالقتلة أبناءها هي، لتضفي على فعل القتل شرعيّة ولربما، "انتماء وبطولة". بهذا المنطق أُغلِقت ملفات قتل شهداء اكتوبر 2000 وملفات قتل عشرات المواطنين العرب الذين سقطوا بنيران الشرطة، ومئات الشهداء العُزَّل في الضفّة وغزّة، منطق حماية القاتل، لا ردعه، منطق تأمين البيئة الآمنة لـ"قيامهِ بعمله" لا مراكمة المعوقات في طريقه.

 

"السعي للصدام"..او القتل

هذا هو المنطق ذاته، الذي ارتكز عليه قاضي المحكمة المركزية في بئر السبع اهرون مشنيوت في تموز الماضي، حين أدان مدنيين (في اطارصفقة ادعاء)و برأ جنديين من جريمة قتل العامل الاجنبي طالب اللجوء، أسمر البشرة، هبطومزرهوم، الذي ضُرب واطلقت عليه النيران حتى الموت في المحطّة المركزية في بئر السبع.

في قرارهِ كتب القاضي مشنيوتأن زرهوم قُتل بسبب لون بشرته، ولكنّ "في هذه الظروف الأمنية" فإن اعتقاد الجنود انزرهوم هو "مُخرِّب" (عربي – ر.ن) كان منطقيًّا، وعليه لا يمكن ادانتهما لئلّا يردع القانون الجنود عن "تأدية واجبهم". في صلب قرار الحُكم يقوم مشنيوت  بتمييزالجنود عن المدنيين وبالتالي تبرأتهم وادانة المدنيين، إذ أنعلى الجنود (وفقًا لمشنيوت) تطبيق المبدأ العسكري-الأخلاقي "السعي الى الصدام" في كلّ مواجهة مع العدو.

 

الطريق الى العدالة

هذه اذًا المحاكمة القانونية والنزاهة القضائية التي تقدمها لنا السلطات الإسرائيلية. تحقيقات ومحاكمات صُوَّرية للقاتل، في حين سيجد الضحيّة نفسه في قفص الاتهام.

حين نُطالب بمحاكَمة القتَلة، علينا أن نعلَم مُسبقًا ان الطريق الى المحاكمة لا تعني أبدًا الطريق الى العدالة. في الواقع، وواقعنا خاصةً، من شأن المحاكمة أن تأتِ بالرد العكسي تمامًا، وأن تُستَثمر لإعادة سرد الجريمة على يد المؤسسة ذاتها، بمنطقها هي، بمفرداتها هي، وبعقليتها هي لتحوّل الجلّاد لضحيّة وبطلٍ فيما بعد حتى يُصبح القتل فعلًا مشروعًا، وشرعيًا.

على ذلك تشهد العقوبات المخففة لمرتكبي مجزرة كفرقاسم، والعفو للقتلة فيما بعد، وتبييض القضاء لدور يسسخار شدمي، قائد لواء الجيش في المنطقة الحدودية، ومن أعطى الأوامر لقتل الأبرياء بقولهِ إن من لم يعلم بشأن تبكير حظر التجوّل "الله يرحمه".

 

نحو تحطيم قفص الاتهام

نعم، لم نُعوِّل يومًا على نزاهة هذه المؤسسة، ولا عدالتها.. فحتّى لو حوكِم قتلة اكتوبر 2000 وسُجِن قتلة يعقوب ابو القيعان، فلن تخرج المحاكمة والادانة من حدود الأدوات التي قررتها المؤسسة مسبقًا: محاكمة فردية، معزولة عن السياق، تختزل بالفعل الفردي لمرتكب الجريمة المباشر ليس إلّا. لن يجلس الاحتلال في قفص الاتهام، ولا القادة الذين أطلقوا النار دون أن يضغطوا على الزناد مباشرةً، تمامًا كما لن تجلس المحكمة العليا وقضاتها الذين التي شرّعوا الطريق أمام هدم ام الحيران تحت حماية العسكر والشرطة.

وبالرغم من هذا كلّه، وربما بسبب هذا كلّه، نحن لا نملك ترف التنازل عن محاكمة القتلَة، وممنوعٌ علينا أن نُخرج أنفسنا بأيدينا من دائرة المواطنة المُستحقَّة من هُويّتنا، ولا ان نتردد في تجيير كل الأدوات المُتاحة لتجذيرها، ومنع كل محاولات الإجهاز عليها. فلسنا أيتام وهُويّتنا ليست مقطوعة من شجرة.

في الوقت ذاته، علينا أن نبقى متيقظين لفخّ "أدوات السيِّد"، وألّا نفصّل خطابنا وفق مقاييس أدواتهم. بل علينا أن نستمر بفرض خطابنا نحن، روايتنا نحن، ورؤيتنا نحن ونُحطِّم اقفاص الاتهام التي بنوها لنا، لنضع بها القتلة وسياساتهم وقادتهم، فقط هكذا سنخلِّد الشهداء كمَن شقّوا الطريق نحو العدالة الجماعية، لا العدالة الفردية فقط.

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين