هبّة الكرامة، أيار 2021: تقرير مراقب الدولة تبنّى رواية واحدة، قومياً وسياسياً وسلطوياً | هشام نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

يسلط التقرير الذي أصدره مكتب مراقب الدولة حول هبّة أيار 2021 - والمعروفة في المعجم الإسرائيلي بما يوصف كـ "أعمال شغب" رافقت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 2021، أو كما أسمتها السلطة الإسرائيلية "عملية حارس الأسوار"، وأسمتها الفصائل الفلسطينية "معركة سيف القدس" - كل الضوء على المسائل الأدائية المتعلقة بمدى استعداد وتنظّم واستشراف جهاز الشرطة الإسرائيلية و"جهاز الأمن العام" (الشاباك) للأحداث المتزامنة مع ذلك العدوان الإسرائيلي، في عدد من المدن التاريخية أو المسماة المدن المختلطة، وعلى وجه الخصوص في كل من اللد، يافا وعكا.

يستعرض هذا المقال تقرير المراقب ومضامينه الأبرز بلغة معدّيه وما اختاروه كخلفية، ومسبب، ودافع لأحداث أيار 2021، ثم يقدم قراءة نقدية على مستوى المضمون و "السردية" التي يقدمها مكتب مراقب الدولة الإسرائيلي للحدث، والتي وإن كانت نقديّة لسلوك مؤسسات الدولة الرسمية فإنها تظل تتراوح في حدود الخطاب الرسمي، فلا تضع الاحتلال والحصار والقضية الفلسطينية عموماً كإطار لقراءة ما حدث، بل تختزله في جوانب أدائية وإحصائية، مهما بلغت أهمية عرضها ستظل تعاني من قصور في التوصيف والتحليل.

يقول التقرير في مقدمته إن "المدن المختلطة هي جزء من المشهد الإسرائيلي، وعالم مصغر للمجتمع الإسرائيلي ككل، على كل تعقيداته. يعرض هذا التقرير الخاص نتائج الرقابة التي تم اجراؤها في مسألتين تتعلقان بالمدن المختلطة: الشرطة وتطبيق القانون في المدن المختلطة خلال أحداث حارس الأسوار وفي الحياة الروتينية، والخدمات البلديّة في المدن المختلطة".

وعن المدن التي شهدت الهبّة في أيار 2021، يضيف التقرير أنه "وفقاً لتعريف مكتب الإحصاء المركزي، فإن البلدة المختلطة في إسرائيل هي منطقة ذات أغلبية ساحقة من السكان اليهود وأقلية كبيرة من السكان العرب. في إسرائيل، هناك تسع بلدات تعرف بأنها "مختلطة"، بما في ذلك ثماني مدن (القدس، تل أبيب - يافا، حيفا، عكا، الرملة، اللد، معالوت- ترشيحا، ونوف هجليل) وبلدة قروية واحدة (نافيه شالوم). في العام 2020، بلغ عدد السكّان في المدن المختلطة حوالي مليوني نسمة، منهم حوالي 500 ألف من السكان العرب - 370 ألفاً في القدس و130 ألفاً في المدن المختلطة الأخرى". هنا يجب الاستباق والإشارة إلى اعتبار القدس ضمنياً "موحدة" أي محو حدود احتلال حزيران 1967.

 

ثغرات في تقسيم المسؤوليات بين الشرطة وجهاز "الشاباك"

 

يصف التقرير ما حدث كما يلي: "في أيّار 2021، اندلعت أعمال شغب قاسية في عدة مدن مختلطة، بينها حيفا واللد وعكا وتل أبيب - يافا. خلال أعمال الشغب، قُتل ثلاثة مواطنين إسرائيليين وأصيب العشرات ولحقت أضرار جسيمة بالممتلكات. وقد أبرزت هذه الأحداث التوترات القائمة بين مختلف الفئات السكانية وشهدت على الحاجة إلى اتخاذ إجراءات على المستويين القطري والمحلي لخلق حيز عام محترم ومشترك ولمنع تكرار مثل هذه الأحداث. كما أظهرت هذه الأحداث تحديات الحفاظ على الأمن الشخصي وضمان النظام العام في المدن المختلطة وأبرزت الحاجة إلى فحص جوانب متعلقة بالشرطة وتطبيق القانون في هذه المدن".

ويتابع: "تشير الرقابة في موضوع الشرطة وتطبيق القانون في المدن المختلطة خلال أحداث ’حارس الأسوار’ وفي الحياة اليومية، والخدمات البلديّة في المدن المختلطة، إلى أوجه قصور في عمل الشرطة قبل وأثناء أحداث ’حارس الأسوار’، وفي استعدادها وجاهزيتها في حال حدوث مخالفات مخلّة بالنظام في عدّة أصعدة بشكل عام وفي المدن المختلطة على وجه الخصوص. عكست أحداث ’حارس الأسوار’ ضعفاً ملحوظاً وتقصيراً في استعداد نظام خدمة وحدات الاحتياط في شرطة حرس الحدود. تم اكتشاف ثغرات في تقسيم المسؤوليات بين الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) فيما يتعلق بالاستخبارات في مجال النظام العام، مما ساهم في وجود فجوات استخباراتية كبيرة انعكست في التعامل مع أحداث ’حارس الأسوار’. كشف التقرير أنه في ذروة أحداث ’حارس الأسوار’ في مدينة اللد، لم تتم الاستجابة إلى آلاف المكالمات من السكان (حوالي 2836 مكالمة بين 11 إلى 13 أيّار 2021) - الذين توجهوا إلى مراكز الشرطة، وذلك بسبب مضايقات واجهوها أو للإبلاغ عن أحداث شهدوها. أما آلاف التوجهات الأخرى (حوالي 4059 حادثة)، التي تم الرد عليها والتي أدت إلى فتح سجلات حوادث، فلم تتلق رداً مناسباً من الشرطة. وتجدر الإشارة إلى أنه خلال أحداث ’حارس الأسوار’، كان هناك ضغط كبير في التوجهات من السكان إلى المركز الهاتفي القطري للشرطة 100 في جميع أنحاء البلاد، مّما أدى إلى صعوبة في تقديم رد فعال للمتوجهين".

كما كشف التقرير "عن فجوات في استعدادات الشرطة للتعامل مع التحديات الماثلة أمامها وتطبيق القانون، وكيفيّة تطبيقها في الحياة اليومية. من بينها أنه في إطار التعامل مع التحديات الماثلة أمام الشرطة وتطبيق القانون بشكل عام وفي المدن المختلطة على وجه الخصوص، تمت الاستعانة بتعزيزات من مناطق أخرى على نطاق واسع، كحل للثغرات في قدرة الوحدات الشرطية المحلية على التعامل مع الحوادث المختلفة. هذه الحاجة المتكررة إلى التعزيزات تثير التساؤل حول ما إذا كانت الموارد المخصصة للوحدات مناسبة للتحديات التي تواجهها الشرطة".

 

 أضرار مادية تُقدّر بعشرات ملايين الشواكل

 

يقدر تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي "أضرار أعمال الشغب التي لحقت بالجسد والممتلكات بعشرات ملايين الشواكل. وتبين أنه في حوالي 880 حالة تم دفع تعويضات للمتضررين من خزينة الدولة بمبلغ 33 مليون شيكل، ولاحقا تم تقديم لوائح اتهام ضد 574 متورطاً. ومقابل الأضرار التي بلغت عشرات ملايين الشواكل، تبين أنه بحسب موقف وحدة إنفاذ القانون المدنية، في موعد انتهاء الرقابة، يقدر حجم الضرر الذي يمكن المطالبة به في إطار الإجراءات القضائية المدنية من قبل حوالي 55 مواطناً بحوالي 4,5 مليون شاقل، وفي موعد انتهاء الرقابة، لم يتم رفع أي دعاوى مدنية لتعويض الأضرار التي لحقت بممتلكات الدولة واستعادة أموال التعويض المدفوعة للمتضررين".

يقول مكتب المراقب في باب التوصيات إن "نتائج هذا التقرير والظروف التي تعمل فيها الشرطة ستلزم رئيس الحكومة ووزير الأمن الداخلي، ومن خلالهما حكومة إسرائيل، الشرطة، الشاباك وجهاز الأمن بأكمله، بالتطرق إلى هذه القضايا الرئيسة. فيوصى بأن تعمل الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) على تحسين أنشطتهما في المدن المختلطة خلال الحياة اليومية وزيادة استعدادهما للأحداث المتطرفة، وفقاً للتهديدات والسيناريوهات المرجعية. يوصى أيضاً بأن يقوم مكتب المدعي العام بصياغة سياسة ردع واتخاذ إجراءات مدنية، خاصة في حال وجود متضررين من الحوادث الإرهابية والجرائم المرتكبة بدافع الكراهية والعنصرية - لتعزيز الإجراءات اللازمة لإتمام التحقيق في تلك القضايا واتخاذ قرار بشأن إمكانية رفع دعاوى مدنية". ويوضح مكتب المراقب فيما يمكن اعتباره إطراءً لضرورات التوازن "أن أوجه القصور والثغرات التي وُجدت في هذا التقرير لا تقلل من تقييم تفاني شرطة إسرائيل وضباطها، المقاتلين وضباط شرطة حرس الحدود وجهاز الأمن العام (الشاباك)، الذين يعملون في ظروف لا يستهان بها، ويخاطرون ويضحون بأنفسهم للحفاظ على أمن الجسد والممتلكات وتطبيق القانون.

 

فجوات في الخدمات المدنية التي يتلقاها اليهود مقابل العرب

 

في الفصل المتعلق بموضوع "الخدمات البلدية في المدن المختلطة في إسرائيل" توقف التقرير عند جوانب اجتماعية- اقتصادية، بالقول: "تواجه هذه الناحية العديد من التحديات: يتطلب تاريخ العلاقة بين الشعب اليهودي والسكان العرب (بمصطلحات التقرير) بذل جهود كبيرة من كلا الجانبين لتأسيس بنية تحتية تعزز نسيج حياة مشترك. يجب على البلديات تقديم خدمات مدنية بشكل مساوٍ لجميع الفئات السكانية، مع مراعاة خصائصهم المختلفة، والعمل على زيادة الشعور بالانتماء والاندماج لدى جميع سكان المدينة. إلى جانب ذلك، تتمتع المدن المختلطة أيضاً بالعديد من النقاط الإيجابية من حيث التعاون بين السكان اليهود والعرب وإمكانيات كبيرة للتعارف والحوار، وخلق حيز عام متسامح ومحترم ونسيج حياة مشترك".

مثلا، أشار التقرير إلى "وجود فجوات بين الخدمات المدنية التي يتلقاها السكان اليهود وتلك التي يتلقاها السكان العرب في المدن المختلطة التي تم فحصها، بما في ذلك أنه: من بين 500 عقار خصصتها المدن المختلطة التي تم فحصها في العام 2021، تم تخصيص خمسة منها فقط لهيئات عامة تابعة للسكان العرب؛ وكانت نسبة الدعم المقدم للهيئات العامة في المجتمع العربي من ميزانية دعم بلديات حيفا ونوف هجليل وعكا والرملة أقل من 6% من مجمل الميزانية المخصصة لهذا الغرض".

ويضيف التقرير أنه "لم تدرس بلديات المدن المختلطة التي تم فحصها احتياجات السكان العرب الذين يعيشون في مناطق نفوذها، بما في ذلك أمور خدمات الدين والرفاه والشباب والثقافة؛ كما لم تدرس أسباب قلة تقديم طلبات الدعم نيابة عنها والعقبات في هذه المسألة. من ناحية أخرى، تبين أن نسبة ضريبة الأملاك (الأرنونا) التي تمت جبايتها في الأحياء العربية في الرملة العام 2020 بلغت 26% فقط، بينما كانت النسبة الإجمالية 87%".

توصية باتخاذ خطوات عملية لتقليص الفجوات

يوصي التقرير في هذا الجانب "باتخاذ خطوات عملية لتقليص الفجوات بين الفئات السكانية وتحديد الميزانيات لهذا، وذلك في إطار الخطة متعددة السنوات للبلدات المختلطة والتي تقوم وزارة المساواة الاجتماعية ومكتب رئيس الحكومة ببلورتها. يوصى أيضاً بأن تقوم بلديات المدن المختلطة بفحص الخدمات البلدية التي تقدمها، والعمل على توفير تلبية احتياجات مناسبة لكل واحدة من الفئات السكانية، جنباً إلى جنب مع ضمان تحصيل الضرائب البلدية من جميع السكان، واتخاذ إجراءات تهدف إلى انشاء أسس قوية لبنية تحتية لنسيج حياة مشترك. يجب على جميع السلطات المحلية استخلاص العبر من نتائج هذا التقرير، لا سيما في ضوء التغيرات الديموغرافية المتوقع حدوثها في السنوات القادمة في التركيبة السكانية في مختلف السلطات المحلية، وملائمة خدماتها مع المزيج السكاني الناشئ".

ويضيف المراقب أن "الدولة ملزمة بتقديم مختلف الخدمات الأساسية لمواطنيها والمقيمين فيها، قسم منها من خلال الوزارات الحكومية والقسم الآخر من خلال السلطات المحلية والهيئات الإدارية العامة. يتوجب على الدولة أيضاً ضمان تحمل المواطنين عبء الالتزامات المدنية وأن تهتم جهات تطبيق القانون بذلك. ويشدد على أن الثغرات التي نشأت في الخدمات البلدية في المدن المختلطة لا تبرّر أي نشاط عنيف من أي نوع. في الختام، هناك قنوات عمل على المستويات الحكومية والبلدية والجماهيرية والشخصية في المدن المختلطة والتي قد يؤدي الاستثمار فيها إلى التخفيف من حدة التوتر الداخلي وتجهيز بنية تحتية من العلاقات القوية بين سكان المدن المختلطة".

الرواية المنقولة هنا هي رواية طرف واحد، اليهودي

 

إن خلاصة وصف التقرير للحدث هو ما ورد في فقرة أساسية منه حرفياً: "في أيار 2021، خلال عملية حارس الأسوار، وقعت حوادث عنيفة وأعمال شغب خطيرة بكثافة عالية وعلى نطاق واسع في جميع أنحاء إسرائيل، ما أدى إلى وقوع إصابات وأضرار جسيمة في الأرواح والممتلكات؛ بما في ذلك عمليات إطلاق النار وأعمال لينش واعتداءات جسدية، وإحراق رموز حكومية ودينية، وأعمال تخريب وحرق عن طريق العمد، ورشق مركبات بالحجارة، وقطع للطرق. قُتل 3 مدنيين وجرح المئات بينهم 306 شرطيين. في المجموع، تم تسجيل حوالي 520 حادث شغب وفي ذروتها (الليلة بين 11 و12 أيار 2021) شارك حوالي 6000 مواطن من عرب إسرائيل. تم اعتقال حوالي 3200 شخص، من بينهم حوالي 240 يهودياً. وقد اشتعلت بؤر رئيسة للعنف في مدن مختلطة".

في مكان آخر جاء في التقرير: "عرض سكان في اللد على فريق المراقبة حوادث أخرى (بما في ذلك تخريب مركبات، وحرق حاويات قمامة، وقطع طرق، وإلقاء حجارة، واعتداءات جسدية، واعتداءات كلامية، وتهديدات، ورسم الصليب المعقوف على منازل سكان يهود، وتدمير عرائش عيد "العرش/ سوكوت"، وإلحاق ضرر بمعابد يهودية. وفي يافا، واجه السكان اليهود حوادث اعتداء جسدي ولفظي، وإلقاء حجارة، ومضايقة. وفي عكا، اشتكى سكان يهود من أنه في إثر أحداث حارس الأسوار، تطورت في المدينة ظاهرة مضايقة وتنمر من قبل السكان العرب تجاه السكان اليهود".

هذه الفقرة الأخيرة قاطعة حاسمة: المعتدي هو العربي والضحية هو اليهودي. كان اليهود جالسين بأمان في بيوتهم، أو يقطعون الشوارع وسائر الحيّز العام بأمان، فحسب، قبل أن يهاجمهم العرب. ربما تصح هذه الأوصاف في أوروبا قبيل منتصف القرن العشرين، لكن يجب القول إنها على الأغلب تتراوح ما بين التلفيق والعبث في واقع إسرائيل 2022؛ الدولة التي يتحدث مراقبون ومحللون نقديون إسرائيليون أن ملامح الفاشية تتغلغل فيها باضطراد. فمن الواضح أن الرواية المنقولة هنا على صفحات تقرير المراقب هي رواية طرف واحد، هو اليهودي. هي عملياً نفس رواية الإعلام الرسمي والغالبية الساحقة من السياسيين الإسرائيليين. مفردات الرواية واضحة، والشهادات المعتمدة التي تقدمها لتصوير ما حدث، لا تترك مجالاً للشك في الجهة التي ينحاز التقرير للوثوق بها: رواية الأغلبية اليهودية والخطاب الإسرائيلي السائد.

كيف غاب عن التقرير ضلوع عصابات يمين ومستوطنين؟ 

هذه الرواية تناقض، ولا تخالف فقط، شهادات فردية ورسمية تمثل رواية المواطنين العرب في المدن الثلاث التي يقدمها التقرير، اللد ويافا وعكا. فمثلاً، وجهت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، التي تضم ممثلين عن جميع الأحزاب والحركات السياسية الفلسطينية، رسالة- وثيقة إلى مؤسسات دولية وعالمية عديدة، طالبتها "بالتحرك الفوري لفرض الحماية لجماهيرنا العربية، في وجه تصعيد سياسات القمع والبطش التي تنتهجها المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة، خاصة في الأيام الأخيرة، في سعي لقمع حركة الاحتجاج ضد العدوان على شعبنا الفلسطيني خاصة في القدس وقطاع غزة. واستقدام السلطات لعصابات مستوطنين متطرفة لتشارك في الاعتداء على المواطنين العرب، خاصة في المدن الفلسطينية التاريخية، عكا وحيفا ويافا واللد والرملة".

يجب التشديد على أن مسألة ضلوع عصابات يمينية منظمة جاء قسم منها من مستوطنات، هي مسألة قد شكّلت موضوع الانشغال والتداول والقلق الأبرز في خطاب الفلسطينيين مواطني إسرائيل، خلال هبة أيار 2021. والعديد من التسجيلات المصورة وثقت اعتداءات واقتحامات نفذتها هذه العصابات، وتم تداولها على نحو واسع في شبكات التواصل الاجتماعي والصحف والمواقع العربية. وقد أفردت لها حيزاً بارزاً تلك الوثيقة العربية التي تمت صياغتها بناء على قرار سكرتارية لجنة المتابعة، وعمل على صياغة الجوانب القانونية فيها، بالأساس، طاقم مركز "عدالة" لحقوق الأقلية العربية.

ومما جاء في مقدمة الوثيقة أنه "في هذه الأيام، يتعرض المواطنون الفلسطينيون في دولة إسرائيل إلى حملة اعتداءات دموية خطيرة ومفرطة في عنفها، وذلك من قبل الشرطة والغوغاء اليميني المتطرف وعصابات المستوطنين". وعددت "أشكال القمع وأحداث عينية، تعكس وحشية الاعتداء السلطوي، وما تبعه من اعتقال المئات، والإسراع في تقديم لوائح اتهام، عدا عن وقوع عشرات الإصابات في مختلف المدن والقرى، وبالذات في المدن الفلسطينية التاريخية". وعرضت "جوانب تدل على تواطؤ الأجهزة الإسرائيلية مع عصابات المستوطنين ودعم اعتداءاتها"، وأنه "تمّ تداول مقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، كما بثّت على شاشات التلفزيونات العالمية اعتداءات تبيّن كيف دعمت الشرطة الإسرائيلية العصابات اليهودية، بمن فيهم المسلحون، وهم يتجولون في الشوارع بهدف واضح هو الاعتداء الدموي على المواطنين العرب".

لكن تقرير المراقب يكاد لا يتطرق، على نحو منفصل ومعمّق ومنفصل، إلى اعتداءات مواطنين يهود على مواطنين عرب. حتى أن الصور التوضيحية والتوثيقية التي يتضمنها هي إما لممتلكات خاصة محروقة ومدمرة بدون إشارة إلى من يملكها، أو إلى مواقع ورموز دينية يهودية تحديداً، أو مراكز عامة بوليسية وبلدية يُستشف من سياق تقديمها أن منفذيها عرب. أما مسألة قدوم وهجوم "الغوغاء اليميني المتطرف وعصابات المستوطنين"، كما تعرّفه الوثيقة العربية، فهي مسألة غابت تماماً عن تقرير مراقب الدولة. ليس تقريباً، بل بالمطلق. فلم يتم التوقف أبداً عند هذه المسألة التي تعتبر المركب الأساس في صدمة الفلسطينيين من هذا الحدث، وهذا كافٍ لتصوّر مدى ابتعاد واغتراب التقرير الرسمي الإسرائيلي عن معايشة الفلسطينيين وروايتهم وذاكرتهم لهبّة أيار 2021. وهو ما يعني أنه بنظرهم سيُعتبر تقريراً منحازاً قام بتجاهلهم ولم يحترم مواطنتهم، ناهيك عن سرديتهم الجماعية السياسية- الاجتماعية- الوطنية، فيما يشبه إلى حد بعيد سلوك الإعلام المركزي السائد والمعظم الساحق للسياسيين تجاههم.

من المفارقات أن كلاً من الوثيقة العربية المقدمة لجهات دولية وتقرير المراقب الإسرائيلي يتفقان إلى حد ما على تحديد "موقع خلفية" هذا الحدث. فالتقرير قال إن "أحداث العنف الموصوفة اندلعت في أعقاب التوترات المستمرة في القدس، على خلفية الاشتباكات والحوادث التي بدأت منذ نيسان 2021، في حي الشيخ جراح، وفي الحرم القدسي". بينما جاء في الوثيقة العربية أن "ما بدأ في قمع الجموع الفلسطينية في منطقة باب العامود في القدس المحتلة، وبالذات في منعهم من الاحتفالات وإحيائهم الامسيات الرمضانية، إضافة إلى قمع الاحتجاجات على مخطط طرد العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح في المدينة، قد تلاه تصعيد وتحوّل إلى سلسلة اعمال قمع أخرى مفرطة في عنفها. فقد اقتحمت قوات الاحتلال حرمة المسجد الأقصى، واعتدت على المصلين في مكان عبادتهم وجرحت المئات منهم وهم يحيون الصلوات الرمضانية". ولكن انتقالاً من هذه الخلفية يذهب النصّان في اتجاهين متعاكسين بـ180 درجة.

 

تعاملٌ مع الفلسطيني عبر العدسة والمنظار الأمني فقط

 

يصوّر التقرير ما يصفه بـ "المدن المختلطة" أي المدن التاريخية الفلسطينية التي تعرّضت لتهجير معظم سكانها وتدمير معظم أحيائها، على أنها بؤر لأعمال الشغب. بل يقدّم ما يشبه السجلّ التاريخي "لأعمال الشغب"، ويعود حتى هبة أكتوبر 2000 مع اندلاع الانتفاضة الثانية، فيكتب: "إن المدن المختلطة في إسرائيل هي أيضاً بؤر توتر بسبب الشرخ اليهودي- العربي. على مر السنين، كانت هناك حوادث ذات طابع قومجي، وهناك قوة كامنة مستمرة لخطر اندلاع المواجهات في المستقبل بين المجتمعين. على سبيل المثال، في أحداث أكتوبر 2000، وقعت مظاهرات وأعمال شغب وأحداث خطيرة في المدن المختلطة، بما في ذلك عكا ويافا وحيفا. في يوم الغفران عام 2008، اندلعت أعمال شغب خطيرة في عكا، وانتهت الاشتباكات التي اندلعت بين العرب واليهود بتدمير حوالي 100 سيارة ونحو 30 متجراً. وفي أثناء سن قانون القومية عام 2018، خرجت مظاهرات لأبناء الجالية العربية في المدن المختلطة؛ ووصلت الأمور إلى ذروتها في أحداث حارس الأسوار".

وكذلك: في أكتوبر 2000، وقعت حوادث فوضى شديدة، بما في ذلك مظاهرات عنيفة وأعمال شغب واشتباكات بين المواطنين من الوسط العربي وقوات الشرطة. الواقع على الأرض وأحداث أكتوبر 2000 شحذت الحاجة إلى إقامة تقسيم متفق عليه للمسؤوليات بين الشرطة وجهاز الشاباك في كل ما يتعلق بالاستخبارات في مجال السلوك غير المنضبط. لجنة أور (التي تم تعيينها للتحقيق في أحداث أكتوبر 2000) أشارت إلى مفهوم أن الشاباك "هو المُقيِّم الوطني" فيما يتعلق بالقطاع العربي وقد حددت لموقف الشاباك "وزنا كبيرا" في هذا السياق. لكن تقرير لجنة أور لم يتضمن توصية حول موضوع التفاعل بين الشرطة والشاباك في مجال المخابرات بخصوص الاضطرابات.

لجنة الوزراء (لجنة لبيد) التي تم تشكيلها لتنفيذ تقرير لجنة أور ناقشت هذه المسألة. بعد مناقشاتها، توصل مفوض الشرطة آنذاك ورئيس الشاباك آنذاك إلى تعريف متفق عليه يوضح مجالات المسؤولية بين هاتين الهيئتين. بدأ فريق مشترك للهيئتين بصياغة إجراء عمل مشترك كان من المفترض أن يكون بمثابة مخطط للعمل الجاري في مجال الاستخبارات فيما يتعلق بالاضطرابات. في 13 حزيران 2004، قررت الحكومة، وفقاً لتوصيات لجنة لبيد، المصادقة على الاتفاقية المذكورة أعلاه بين رئيس الشاباك ومفوض الشرطة بشأن تنظيم المسؤوليات في مجال النظام العام بين الشاباك والشرطة. في القرار الحكومي 2040، تقرر أن "مسؤولية جمع وتقييم المعلومات الاستخباراتية في مجال النظام العام على خلفية قومية تخريبية ستقع على عاتق الشاباك... بينما تقع مسؤولية جمع وتقييم المعلومات الاستخباراتية في مجال النظام العام، التي لا تستند إلى خلفية قومية تخريبية، على عاتق الشرطة الإسرائيلية". تم تعريف "السلوك القومي" في القرار 2040 على أنه "نشاط في مجال النظام العام، تقوم به مجموعة أو فرد، مع أيديولوجية تخريبية ودوافع على خلفية قومية قد تضر بأمن الدولة أو نظام النظام الديمقراطي أو مؤسساته".

واضح هنا أن شكل التعامل مع المطلب والسلوك السياسي، خصوصاً بشكله الاحتجاجي الفعّال، للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، يتم من خلال العدسة والمنظار الأمني. وحتى حين تعترف المؤسسة بخلفية سياسية مباشرة لخروج فلسطينيين في إسرائيل للاحتجاج، فإنهم يوضعون في النطاق الأمني بصفة من يحمل تهديداً كامناً أو فعلياً. ليس هناك أي وصف أو تحليل يشير إلى سلوك مجموعات يهودية، مهما بلغت درجة حدته أو عنفه، بمثل هذا المنظار. بل كما أسلفنا، يجري تصويرها كعُرضة وضحية للاعتداء (العربي) فقط. بالمناسبة، كان فعل اللينش الأكثر فظاعة والموثق بشكل كامل، هو ما تعرّض له مواطن عربي في مدينة بات يام. حيث انهال عليه غوغاء عنصريون بالضرب بشتى الوسائل وسط مئات احتشدوا حولهم. هذا الفعل الذي يقلب تماماً أدوار الضحية والمجرم استُبعد تماماً من التقرير، على الرغم من أن برنامج تحقيقات استقصائية تلفزيوني على القناة 13 توقف عنده مليّاً. يصعب في ضوء هذا اعتبار بنية المعطيات المقدّمة في التقرير الرسمي بأنها جاءت بنوايا محايدة، ناهيك عن القول نوايا طيبة.

(نشر في ملحق المشهد الإسرائيلي، مركز مدار) 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين