واضح تماما أن عصابات الإرهاب الاستيطانية التي انفلتت في مدننا الفلسطينية التاريخية، وعند مفارق الطرق المركزية المؤدية لبلداتنا العربية، ليس لديها تلك الجرأة، لولا الاستدعاء والدعم من المؤسسة الحاكمة، التي مكشوف كليا دورها الميداني في هذا الدعم، وافساح المجال لارتكاب الجرائم ضد العرب لكونهم عربا، ومساعدة هذه العصابات من خلال تكثيف الملاحقة والاضطهاد للعرب الذين يهبّون للدفاع عن انفسهم وبيوتهم.
وحتى المستوطن المتطرف المنفلت ايتمار بن غفير، تلميذ الإرهابي البائد مئير كهانا، مؤسس حركة "كاخ" الإرهابية، ليست لديه تلك الجرأة ليقود حركته "عوتسما يهوديت"، ولا الحركة الأخرى المتلاحمة معها، لهافا، لولا دعم ذلك الجالس على رأس الهرم الحاكم، ويوجه الدفة، بحسب ما يُشبع عقليته الإرهابية أولا، ومن ثم مصالحه الشخصية، وهو يدعى بنيامين نتنياهو.
وهذه حقائق نعرضها باختصار قدر الإمكان، تدل على تورط نتنياهو كليا بكل الجرائم التي ترتكبها العصابات الاستيطانية الارهابية.
- منذ أن ظهر في واجهة السياسة في نهاية سنوات الثمانين من القرن الماضي، كان بنيامين نتنياهو في واجهة الجناح اليميني الأشد تطرفا في حزبه الليكود.
- هذا تبين أكثر بعد انتخابه رئيسا لليكود في العام 1993، وقيادته لمظاهرات التحريض على شخص يتسحاق رابين، وحكومته، في ظل اتفاقيات أوسلو، وتقدم المفاوضات مع الجانب الفلسطيني ودول عربية، وبرز حضوره في المظاهرة الأشرس التي جرت في القدس، وجاء اغتيال رابين بعدها بفترة قصيرة جدا.
- نتنياهو فرض خطه اليميني الاستيطاني المتطرف، منذ اليوم الأول لدخوله لرئاسة الحكومة في العام 1996. وبلغت العنصرية لديه مستويات، لدرجة أبدى فيها التيار الأيديولوجي العقائدي القديم في الليكود نفوره منه، رغم أن هذا التيار هو أصلا متطرف في مواقفه، ويدعو للسيطرة كليا، وفرض ما تسمى السيادة الإسرائيلية، على كامل فلسطين التاريخية.
- مع تغلغل عصابات المستوطنين في الهيئات القاعدية لحزب الليكود، نتيجة نمط الانتخابات المفتوحة التي اتبعها الليكود بدءا من منتصف سنوات التسعين، تخوف نتنياهو من هذه العصابات، كونها دخلت واصطفت فورا وراء شخصيات هي أقرب لها في الليكود، ونافست نتنياهو على رئاسة الحزب، رغم ضعفها.
- نتنياهو عمل طوال السنين على تصفية كل شخص في الحزب يطمح لمنافسته على رئاسة الحزب، وهذا ما فعله مع الجميع، وآخرهم المتطرف غدعون ساعر. ولكن بعد تصفية هذه الشخصيات سياسيا وحزبيا، كان تيار العصابات الاستيطانية في هيئات الحزب قد تبلور وتقوّى أكثر، فنجح نتنياهو في السيطرة عليه، وبات مرتكزه.
- كان حزب الليكود، على مدى عشرات السنين، حزبا علمانيا في الأساس، لكنه هادن المجموعات الدينية من خلال الحفاظ على الوضع القائم الذي تثبّت في سنوات الخمسين الأولى، تماما كما فعل حزب العمل الذي كان حاكما ومنفردا في الحكم في السنوات الـ 29 الأولى. إلا أن التطرف السياسي لدى نتنياهو جعله يبحث عن مرتكز ثابت ومضمون في الحزب، ولهذا ساعد على تغلغل التيار الديني الصهيوني في هيئات الحزب، وفي قائمته الانتخابية، وتتراوح نسبة تمثليهم بما بين 25% إلى 33% من مجموع نواب الكتلة. وحسب تقارير، فإن هذا التيار هو الغالب في طاقم مستشاري ومساعدي نتنياهو، العلماني أصلا.
- توجه التطرف، وسيطرة عقلية التطرف على مؤسسات الحكم، بشكل أشد مما هو قائم أصلا في مؤسسة الحكم الإسرائيلية، تضاعفت منذ عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة في العام 2009، وقد وضع هدفين أساسيين: تغيير طابع كل مؤسسات الحكم، لتكون تحت سطوة مطلقة لليمين الاستيطاني المتطرف. وثانيا أن لا يواجه أي تهديد لاستمرار حكمه، أولا برئاسة الليكود، وثانيا بالمنافسة الحزبية على الحكم. وقد حقق الهدفين.
- تمهيدا لانتخابات الكنيست الـ 21، التي جرت في نيسان 2019، كشف نتنياهو عن عمق التطرف الشرس. فقد ضغط على قائمة التيار الديني الصهيوني، هئيحود هليئومي، بأن تضم في قائمتها ممثلين عن حركة "عوتسما يهوديت"، المنبثقة عن حركة "كاخ" الإرهابية المحظورة صوريا في القانون الإسرائيلي.
وقد تم هذا، مقابل أن يضمن نتنياهو مقعدا لحزب "هئيحود هليئومي" في قائمة الليكود. وفازت قائمة هئيحود هليئومي، بـ 5 مقاعد، إلا أن "عوتسما يهوديت" لم تتمثل في الكنيست لأن المحكمة العليا الغت ترشيح ميخائيل بن آري، الذي حلّ رابعا في القائمة، وكان ايتمار بن غفير، مرشحا سابعا في القائمة.
- تمهيدا لانتخابات الكنيست الـ 22، التي جرت في أيلول 2019، التأمت من جديد قائمة "يمينا"، التي ضمت أيضا هئيحود هليئومي، الذي تحرر من عوتسما يهوديت، التي خاضت الانتخابات منفردة، وحققت ما يقارب 84 ألف صوت، ولم تعبر نسبة الحسم.
- تمهيدا لانتخابات الكنيست الـ 23، التي جرت في آذار 2020، لم ينجح نتنياهو في ضم عوتسما يهوديت ضمن قائمة يمينا، إلا أن عوتسا يهوديت سجلت فشلا ذريعا في تلك الانتخابات وهبطت قوتها بنحو 77%، وحصلت على 19 ألف صوت تقريبا. وهذا يعكس حجم النواة الصلبة لهذه الحركة.
- تمهيدا لانتخابات الكنيست الـ 24، وعلى ضوء تفكك تحالف "يمينا" مجددا، مارس نتنياهو الضغط على حزب الصهيونية الدينية، وهو الاسم الجديد لحزب هئيحود هليئومي، برئاسة المستوطن بتسلئيل سموتريتش، الذي رغم تطرفه، حاول رفض ضغوط نتنياهو.
ولكن هذه المرّة كانت شروط عوتسما يهوديت افضل لها، إذ أن ممثلها الأول ايتمار بن غفير، حلّ ثالثا في القائمة، وفي المكان السادس كان ممثل حركة لهافا، الشريكة الأساس لعوتسما يهوديت، وكلاهما منبثقات عن حركة "كاخ" الإرهابية. وحصلت القائمة على 6 مقاعد، إضافة الى مقعد سابع، هو لحزب الصهيونية الدينية، ومدرج في قائمة الليكود في المكان الـ 28، وقد حقق الليكود 30 مقعدا في هذه الانتخابات.
- الليكود ونتنياهو لم يكتفيا بهذا الدعم، بل عقدا اتفاقية فائض أصوات مع هذه القائمة التي تمثل عصابات الإرهاب الاستيطانية، وتنص الاتفاقية أيضا، على تمثيل القائمة في كل حكومة يشكلها نتنياهو.
- تشير سلسلة من التقارير، وحتى ما اعترفت به جهات في حزب الليكود، إلى أن الليكود وبقرار من نتنياهو، لم يدخل في منافسة ميدانية ضد قائمة الصهيونية الدينية، وحسب تلك التقارير، فإن الليكود خسر 6 مقاعد برلمانية، منها 3 مقاعد اتجهت طواعية من الليكود لقائمة الصهيونية الدينية، ما يعني أنه لولا هذا الدعم لما عبرت قائمة الصهيونية الدينية نسبة الحسم.
- فوز عوتسما يهوديت ولهافا بالتمثيل البرلماني، أعطاها الجرأة الأكبر للخروج من أوكارها، ومن نمط الاعتداءات المتسترة للاعتداءات العلنية.
حقائق ميدانية في الأيام الأخيرة
- في أيام مقاومة الشبان المقدسيين لقمع الاحتلال واضطهادهم، برفضه لتواجدهم في ساحة باب العامود في القدس المحتلة، في ليالي رمضان، نظمت حركتا لهافا وعوتسما يهوديت، اعتداءات منظمة على مدى ثلاث ليال على الشبان المقدسيين عند باب العامود، وفي أحياء قريبة، وأيضا في الشيخ جراح، بتواطؤ ودعم جيش الاحتلال.
- تبع هذا، اعلان بن غفير فتح مكتب له في قلب حي الشيخ جراح، ما قاد الى ثورة غضب، ومقاومة باسلة من المقدسيين وأهالي الحي، ما اضطر بن غفير للفلفة اذياله. وتم الإعلان عن أنه سحب مكتبه جاء بطلب من مكتب نتنياهو، ما يعني أن من زرع المكتب قلعه.
ولهذا أراد الانتقام بضرب شعبنا في جميع أماكن تواجده من دون قيود سلطوية، فرغم بطش الجيش والأجهزة البوليسية والمخابراتية، تبقى هناك بعض القيود. ووجد نتنياهو الحل كما نستنتج من خلال عصابات الإرهاب، التابعة لأحزاب اليمين الاستيطاني، وبالذات عوتسما يهوديت ولهافا، ومن الواضح أنه هو من شجع مباشرة على استقدام عصابات المستوطنين من جميع أنحاء الضفة، ودبها في اللد وعكا، ومن هناك لمدن أخرى مثل حيفا ويافا.
- حضور نتنياهو شخصيا الى عكا بعد ظهر يوم الأربعاء 12 أيار، وبعدها الى اللد، واطلاق تصريحات عربدة وتهديد ووعيد، وغض الطرف عن جرائم المستوطنين في تلك المدن، كانت شارة التصعيد والانفلات الأكبر من ناحيته لهذه العصابات.
مشكلة بنيامين نتنياهو الآن، هي أن هذه العصابات لا تعرف سقفا لها، وعدوانيتها تبدأ عند العرب، وهي العدوانية الأساس دون منازع، ولكن لها طموح السيطرة على الشارع الإسرائيلي، وضرب كل من يعترضها. وقد تكون حادثة الاعتداء الدموي على طاقم التلفزيون الرسمي (كان 11) مساء الخميس 13 أيار، في تل ابيب، حادثة محدودة وعينية، ولكنها مؤشر لما سيأتي، حتى ولو تأخر هذا قليلا. وكذلك وضع حراسة مشددة على عدة صحفيين آخرين.
بالتأكيد أن نتنياهو أراد من هذا التصعيد العدواني خربطة أوراق الكتل التي تعارض استمراره في الحكم، وبالذات كتل اليمين الاستيطاني، وقد نجح في هذا، ولكن الأساس في كل ما يجري أن نتنياهو أراد اشباع غريزته العدوانية الدموية، من خلال هذه العصابات.
إن أي رهان للتعاون مع بنيامين نتنياهو وفريقه الحكومي، حاليا ولاحقا، هو رهان على التعاون مع عصابات الإرهاب الاستيطانية، التي لا تقبل بأي جهة وشخص، ليس يهوديا أولا، وليس من عقليتها ثانيا، أن يكون داعما لها بالحكم، حتى لو هذه الجهة زحفت على بطنها ولعقت بساطير حاخامات المستوطنين، الآباء الروحانيين لهذه العصابات.



.png)

.png)






.png)

