هل كنتَ تدري كم نُحبّك؟| عبد الرزاق دحنون

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لم أصدق عيني وهي تلتهم سطور كتاب الشيوعي الفلسطيني ابن غزة هاشم الشاعر مُعين بسيسو، وتنتقل بين فقراته النابضة بالحياة والمواقف الحارة المتفجرة، ولم أتصور أنني أقرأ سيرة حياة كتبها في السجن الحربي وفي سجن الواحات في أرض الكنانة، لقد أخذتني كلماته في سطورها إلى مواضع من الخدر الجميل، وصعدت بي إلى مرتفعات وجد عالية، وأطربتني طربًا يقطر حزنًا، بما فيها من غزارة مشاهد حياة سجين مروعة. ولم أكد أنتهي من كتاب (دفاتر فلسطينية) وما كنت أريد له أن ينتهي، حتى أحسست أن شيئًا أضيف إلى مخزوني المعرفي، فسكتّ، لأنه لا يليق أن يصدر صوت في مكان يتدفق منه السكر برقة إلى كفة ميزان.  ماذا أصابكَ يا مُعين؟  هل كنت تدري كم نحبّك؟  من أين أتتك تلك الأطنان من الفولاذ في جلدك وأعصابك ولحمك وعظمك؟ ويقول جلادك، وهو لا يدري ما أصابك: اكتب فقط أنك لست شيوعيًا. إنهم يعطونك الآن أقلامًا، أولئك الذين كسروا أصابعك في غرفة التحقيق. يا كاتب التاريخ ماذا أكتب؟ يعطونك الآن أوراقًا، أولئك الذين جردوك من ثيابك. كانوا يريدون منك أن تكتب، فتتذكر عيني أمك، بحر غزة الذي تعلمت فيه السباحة وأنت في السابعة من عمرك. ها هم من جديد، إذا كنت لا تريد أن تكتب، قل فقط بأنك لست شيوعيًا وسوف تخرج. ويهتف صوت "أحمد سعيد": أيها الكذابون لا يوجد معتقل فلسطيني واحد في أرض الكنانة. كانوا يستمعون جميعًا في الزنزانة إلى صوت المذيع المشهور تلك الأيام "أحمد سعيد" من صوت العرب في قاهرة المُعز لدين الله، فقد هرَّبوا راديو ترانزستور صغير بحجم الكف.

 

خليل عويضة المشرف العام على التعليم في مدارس قطاع غزة والمعتقل في زنازين السجن الحربي، صاح وهو يُصغي إلى صوت "أحمد سعيد" من صوت العرب: إنه يكذب، نعم يكذب، ها نحن في زنازين السجن الحربي. في تلك الأيام-وفي هذه الأيام أيضًا- كانت أصوات الإذاعة تكذب، وكانت الجرائد الرسمية تكذب، ومطابع الكتب تكذب، والقصر الجمهوري يكذب وحتى الهواء كان يكذب أيضًا.

حمزة البسيوني قائد السجن الحربي، ذلك الوحش البشري، يرخي سدول ليله عليك، يدق صوته كالمسامير في كفيك كي يصلبك، ويصيح: قل إنك لست شيوعيًا وستخرج. الزنزانة تمتلئ بالوجوه، إنك لست وحدك، إنهم يريدون أن يكسروا صوتك لكي يكسروا عظمك. ويخرج حمزة البسيوني تتبعه الكلبة "غولدا" لقد أطلقوا عليها اسمًا إسرائيليًا، أما أنيابها فقد كانت أنيابًا عربية أصيلة مسنونة من المحيط إلى الخليج.  ماذا أصابكَ يا مُعين؟  هل كنت تدري كم نُحبك؟  وأنتَ في السابعة أراد عمك "أحمد" أن يُعلمك السباحة في بحر غزة، فماذا فعل؟ كان يملك زورقًا على "قدِّ الحال" وضعك فيه وراح يجدف، فراح الزورق يخفق بين أمواج البحر الأبيض المتوسط وراح شعرك يخفق في الريح، وأنت كنت تدري كم نُحبك.

ثُمَّ على حين غرة، أمسك عمك "أحمد" جسدك الغضَّ، وألقاه في اليمِّ. شربت من ماء البحر حتى ارتويت، وعاركتَ الأمواج وقاتلتَ بذراعيك، وحينما أوشكت على الغرق، أعادك عمك إلى الزورق، كي يُلقي بك ثانية إلى الماء. وهكذا تعلّمتَ السباحة وكان عمك من حيث لا يدري يُعلمك الشعر أيضًا.  أول من نشر لك قصيدة كان شاعرًا ورفيقًا من أرض الكنانة اسمه "عبد الرحمن الخميسي"، وأول من دافع عن ديوان شعرك الأول كان صحفيًا شاعرًا من أرض الكنانة أيضًا، اسمه "كامل الشناوي" وهو أول من قدَّمكَ إلى توفيق الحكيم في مبنى جريدة الأهرام القديم. أخرج كامل الشناوي ديوان المعركة من درج مكتبه وقدمه لتوفيق الحكيم، وقال اسمع: أنا إن سقطتُ فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح. كانت القصيدة عن عباس الأعسر أول شهيد لحركة أنصار السلام المصرية في قناة السويس عام 1951.

 

صدر ديوان المعركة عن دار الفن الحديث في قاهرة المعز لدين الله، رسم لوحاته مجموعة من الرسامين: حسن التلمساني، حامد ندا، فريد كامل، صلاح جاهين. وبعد أن قرأ توفيق الحكيم الديوان طلب توقيعك عليه. وكُنتَ طالبًا في الجامعة الأمريكية في القاهرة حين ظهر الديوان. وكتبت عنه بنت الشاطئ مقالة في جريدة الأهرام. في تلك الأيام يدخل صدقي باشا مبنى البرلمان وفي يده ديوان شعر للشاعر المصري "كمال عبد الحليم" وهو يصرخ: الشيوعيون في شوارع القاهرة. في تلك الأيام كانت القصائد في شوارع القاهرة وأصحابها في السجون.

 

ماذا أصابكَ يا مُعين؟  فأنت تدري كم نحبك.  تقول: في صيف عام 1961عرضنا مشروعنا الزراعي على المأمور في سجن الواحات الخارجة المشهور المرمي في قلب الصحراء المصرية فضحك هو وضباطه:

-مزرعة هنا في الصحراء، كيف؟  لم يكن يتصوَّر بأن: معين بسيسو، فخري لبيب، لويس اسحق، حلمي ياسين، محمود أمين العالم، الدكتور فوزي منصور، الدكتور فؤاد مرسي، ميشيل كامل، زكي مراد، أديب ديمتري، أحمد صادق سعد، ريمون دويك، الفرد فرج، داوود عزيز، طاهر عبد الحكيم، عدلي جرجس، الدكتور عبد العظيم أنيس، الدكتور كمال الدين حسين، شوقي عبد الحكيم، شعبان حافظ، عبد المجيد كحيل، عبد القادر ياسين، عبد الرحمن عوض الله، الدكتور إسماعيل صبري عبد الله.  نعم يا سادتي هذه الأسماء الكبيرة من رجال العلم والمعرفة من مفكرين وعلماء وكتاب ومسرحيين وموسيقيين وغيرهم من رفاق وأصدقاء كانت في سجن الواحات الخارجة. من يظن بأن هؤلاء من الممكن أن تحمل أكتافهم الزنابيل المليئة بالسماد البشري الطازج وتمضي بها مسافة طويلة، ليتمَّ تفريغها فوق الرمال المُلتهبة.

نعم، يا سيادة المأمور ها قد فُتحت جور التفتيش التي تحوي مخلفات دورات مياه السجن، نزل إليها الرفاق، امتدت الأيدي لتحمل تلك الزنابيل المليئة بالسماد البشري حيث تذهبُ بها إلى قطعة الأرض المُحددة لإقامة المزرعة الشيوعيَّة.  كانت الرائحة كريهة، ولكن هذه هي رائحة حسن المصيلحي المستشار الأول لمكافحة الاشتراكية والشيوعيَّة والديمقراطية الذي رمى بالرفاق في سجن الواحات الخارجة ذلك المكان القصي البعيد عن الحياة الطبيعية للبشر.

نُزحت (جور السماد) في ثلاثة أيام وسط دهشة مأمور السجن وضباطه وسجانيه. خُلط السماد بالتراب الرملي، أعطاهم مأمور السجن ثورًا للفلاحة. بعد أيام من العمل سقط الثور على ركبتيه من الكدِّ والتعب، صدر القرار بذبحه، أكل المعتقلون لأول مرة، لحمًا له رائحة العشب الخارج لتوه من البحر. ثمَّ جاءت البذور من القاهرة في جيوب السجانين مرة ومع البريد مرة أخرى. والماء جُرَّ من نبع قريب في أنابيب إلى المزرعة. خرج خبراء الزراعة من بين المسجونين مارسوا دكتاتوريتهم كي يخضرّ الرفاق. يقول معين بسيسو: عشرات الرفاق المصريين تطوعوا كي تكون لرفاق فلسطين مزرعتهم الخاصة، يزرعونها كما يشاؤون. قدموا لنا البذور والماء بلا شروط. أطلقنا على المزرعة اسم (غزة) وكان يُشرف عليها الرفيق عبد المجيد كحيل.

ثمَّ بعد حين ظهرت صغار البطيخ وعلت شتلات البامية والملوخية وعبَّاد الشمس والذرة الصفراء والباذنجان والبندورة والفليفلة وامتدت على الأرض (سلوخ) الخيار والعجور والقرع واللوبياء. نجحت مزرعة المعتقلين الفلسطينيين والمصريين. وفي كل مساء كان دخان الطبيخ يتصاعد في الفضاء وتفوح رائحة الخضرة من الزنزانات. الرفيق عبد المجيد كحيل يجلس مثل إمبراطور متوج بالعشب أمام الموقد الفلسطيني وهو عبارة عن علبة مربى البندورة مثقوبة، في جوفها خرقة مبلَّلة بالبترول يصعد منها اللهب الأزرق بين حجرين فوقهما الطنجرة يطبخُ ما تيسَّر للرفاق. انتصروا على حسن المصيلحي وعلى الجوع وعلى رمل الصحراء ولكنهم فقدوا رفيقًا قديمًا.

ذات صباح كفَّ قلب الرفيق شعبان حافظ عن الخفقان وهو آخر الأعضاء الأحياء في الحزب الشيوعي المصري الأول الذي تأسس في حياة لينين عام 1921. يقول معين بسيسو: كنتُ مع فخري لبيب وبعض الرفاق إلى جانب فراشه لحظة احتضاره تجاوز الرجل الستين عامًا من عمره، وكان حسن المصيلحي يعرف ذلك، فأرسله إلى سجن الواحات الصحراوي ليموت هُناك كي يكون موته ارهابًا لنا. ولكنه مات كما يجب أن يموت هذا الجذر من السنديانة الحمراء. كانت أول جنازة شيوعيَّة في سجن الواحات في 14 مارس 1962. وانطلق النعش ملفوفًا في بطانية حمراء محمولًا على أكتاف أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المصري.  كنتُ مع فخري لبيب في مقدمة النعش ووراءه مشى كل الرفاق في المعتقل. تصعد الأصوات المُنشدة مبلَّلة بالدمع وحينما تصل إلى مقطع (على قبرك في مهب الريح، حمراء تخفق راياتنا) تصعد دمعة حمراء من القلب. يوضع النعش في سيارة السجن إلى محطة أسيوط ومنها إلى الاسكندرية ليدفن هُناك… وأحد الرفاق يُصرِّح: مات شعبان حافظ، عاشت الشيوعيَّة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين