وإذا سألك ملاك الموت!| محمد علي طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ما فكرت يومًا أن أرثيك ولا أن أبكيك ربما لأنني منذ عرفتك وأنت تمشي وتمشي على قدميك. تُلقي خطابك الناريّ في الاجتماع الشعبيّ وتمشي، وتقدّمُ محاضرتك للتلاميذ في مدرسةٍ ما في الجليل او المثلث وتمشي، وتكتب قصتك الجميلة وتمشي، وتناولها لسكرتاريا الجريدة في وادي النسناس في حيفا وتشرب قهوتك وتدخّن سيجارتك الرخيصة وتمشي. كأنك يا أبا هشام على علاقة غير ودّيّة مع السيارات ووسائل النقل الحديثة حتى حينما كنت أمينًا عامًا للحزب الشيوعي وتتنقل من فرع الى فرع تُصرّ على أن تمشي، وبصراحة عندما نعاك الرفيق عصام مخّول في المذياع ما صدقت بل مضت لحظات وأنا صامت مصدوم وصورتك مرتديًا ملابسك البسيطة والحقيبة الجلدية القديمة في راحتك وتمشي على الرصيف من بير الطيرة الى مفرق الدامون أو مفرق الحلزون، ومن العياضية الى الليّات، ومن الى ومن الى، ثم هاتفت خليفتك الأمين العام الحاليّ الرفيق عادل عامر وعزّيته وعزّاني، وعلى غير عادتي استأذنته كي أرثيك فرحب بي بحرارة وعندئذ قلت له: لا أرغب أن اضايقكم. خذ راحتك يا رفيق فأنا أرغب ولا أصرّ ولا أريد أن اضايق أحدًا، ولن أزعل اذا ما قلت لي "لا مجال" فأنا أقدّر أن الكثيرين من رفاق وأصدقاء أبي هشام سيطلبون ذلك. لماذا طلبتُ أن أرثيك في جنازتك في بيت جن وأنا نادرًا ما غادرت بلدتي بل بيتي منذ عامٍ ونصف العام تقريبًا بسبب هذا الضيف الثقيل اللئيم المدعو كورونا؟

رحل أصدقاء عزيزون وأقرباء ومعارف في هذه الفترة وما سرتُ في جنازاتهم ولا قدّمت العزاء لذويهم في بيوتهم واتهمني البعض بأنني أبالغ في الحذر وأعترفت في مقال من مقالاتي الأسبوعية بأنني أخاف من بنت الكلب كورونا.

أقول ما فكرت في يوم ما أن أرثيك على الرغم من أنني رثيتُ في الجنازة أو في ذكرى الأربعين أو في ذكرى العام الاول على الوفاة عددًا من الأصدقاء: اميل توما، توفيق زياد، اميل حبيبي، توفيق طوبي، شكيب جهشان، فدوى طوقان، ممدوح نوفل، محمود درويش، سميح القاسم، سالم جبران، فاروق مواسي واخرين.

واحسرتاه! لن أقول: ذهب اللذين أحبهم فالحب لا يموت.

 هاتفني عادل عامر في الغداة واعتذر بلطف لأن اللجنة اتفقت على أن يكون الراثون ثلاثة فقط وهم الأمين العام للحزب رئيس لجنة المتابعة للجماهير العربية ورئيس القائمة المشتركة (وكلهم محترمون ويحق لهم) وأضاف لك دور رئيسيّ في ذكرى الأربعين. ولم أعترض على الرغم من أنني قلت في سري: ولكن أبا هشام أديب.

وشاركت في الجنازة وأستمعت الى ثلاثة خطباء اخرين غيرهم. رحمك الله. رحمك الله يا محمد.

كنا، أنت وأنا، صديقين يربطنا الاحترام المتبادل والمودة واخلاق القرويين على الرغم من أن الادباء والشعراء منذ القدم كما زعم أبو حيان التوحيدي تلعب في فضائهم الغيرة والنميمة والحسد و"شحاذ ما بحب شحاذ" وزيدٌ ينكر عَمرًا.

 ولكن هذا ليس من اخلاق المحمدين.

كنت يا رفيقي واحدًا من أديبين اثنين أهديتهما قصةً من قصصي القصيرة عندما أهديتك قصتي التي أحبها "وردة لعيني حفيظة" وكتبت: الى محمد نفاع الذي أبى أن يترجّل عن الجرمق.

لقد زرت يا محمد الحسين مدنًا عديدة وبلدات كثيرة في بلادنا والعالم كما زرت دولًا في اسيا وأوروبا وامريكا اللاتنية بحكم موقعك الحزبيّ ولكنك بقيت في قرية بيت جن وعلى سفوح الجرمق مخلصًا للسنديان والبطم والسريس والخروب وكف الدب وزهرة جبل الجرمق الفريدة.

عندما طلبوا مني قبل ثلاثة عقود أن اختار قصصًا للترجمة الى العبرية كي  تصدر عن دار "معاريف" اخترتُ قصتك الجميلة " خفق السنديان" كي تمثلك ولم أختر قصة "الله أعطى والله أخذ" التي أختاروها لمنهاج اللغة العربية في تلك السنوات قبل أن يهتدوا الى "مختار السموعي".

نحن من جيل ذاق المرّ والأمرّ وعرف الهزائم والكوارث. جيل عاش النكبة في طفولته، فقد ذكرت يا محمد نفاع أكثر من مرة انك شاهدت قوافل اللاجئين في العام 1948 التي مرت قرب بيت جن في طريقها الى لبنان واما انا فقد كنت واحدًا من هؤلاء، كنت وافقًا مرعوبًا على صخرة بين بيت جن وبين البقيعة وبين الرامة، وكان اللاجئون يمرون متعبين وينظرون اليّ ويمشون. هل شاهدتني يا محمد حسين نفاع يومئذ؟

نحن من جيل عرف ظلم الحكم العسكريّ وقهره. جيل نجا في طفولته من المجازر كما حدث في عيلبون وعين الزيتون والطنطورة وكفر قاسم. نحن من جيل عاش أيام العدوان الثلاثيّ الغاشم وسمع خطابات الزعيم عبد الناصر واغاني ام كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وفيروز وغنى مع الثوار، نحن من جيل المد القوميّ العربيّ من المحيط الثائر الى الخليج الهادر (واحسرتاه) نحن جيل فرح بالسدّ العالي وغنى لثورات الجزائر واليمن وكوبا. نحن من جيل رقص للوحدة وبكى للانفصال. نحن من جيل شاهد بمرارة جنود الاحتلال في ساحات المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في حزيران. جيل قصفتُه النكسة فدفن أمواته ونهض. ونحن يا محمد من جيل شاهد منارة الشعوب وحلم العمال تتهاوى. وأعرف أنك ما صدقت هذا الانهيار ويحق لك أن لا تصدق.

هل تصورت يومًا حتى في أيام الهزائم والنكسات والنكبات والانهيارات أن يتسابق الملوك والامراء والوزراء من العرب المستعربة، من الدار البيضاء وأم درمان حتى المنامة، ومن بغدان الى تطوان ليقدموا باقات الورد وخوابي الخمر الى السيد في شارع ديزنجوف؟

يا لهذا الجيل! كم صدمةٍ ضربته، صدمة وراء صدمة وكأن الفرح محرّم عليه.

شتمنا الامبريالية ورأس الحيّة ووثقنا وما زلنا نثق بالشعب العربيّ. نحن جيل البقاء والصمود.

يا رفيق نحن الجيل الذي عرف القلة في طفولته وشبابه فقد كان شراء بنطلون جديد أو قميص جديد من ماركة شعبية حدثًا في حياتنا، وكان محظوظًا من يملك بنطلونين، وهذا جعلنا نحن أبناء جيل النكبة أن نكتفي بالملابس البسيطة ونحافظ عليها.

ما أغرتنا القمصان الفرنسية والاحذية الإيطالية ولا زجاجات النبيذ المعتقة. هل عرف رفيقنا النائب ايمن عودة لماذا كان عند ابي هشام محمد نفاع بنطلونان فقط؟

يا رفيقي ويا صديقي اتفقنا في أمور عديدة وقضايا كثيرة، سياسية واجتماعية، محلية وقطرية وعالمية ولم يحدث ان تناقشنا بحدة حتى عندما كان الموقف مختلفًا او متناقضًا مثل الموقف مما جرى ويجري في سوريا.

هممتُ أن اسميك الشيوعيّ الأخير لولا الرفيق الشيخ جذع الزيتونة الرومية أبو إبراهيم توفيق كناعنة الذي نحبه ويحبنا وذو اللسان الحاد واليد الطويلة على رقبات الاخرين. والله لن أزعلهُ.

يا محمد نفاع أراك تمشي حاملًا هموم شعبك، حاملًا عشقك للغة العربية وحبك لشعبك وللثوار وللاحرار في عالمنا.

تمشي ومعك سنديان الجرمق وازهاره ونباتاته واغاني الأطفال والنساء القرويات والفلاحين والفلاحات. فاذا سألك ملاك الموت: ما دينك؟ أكاد أسمعك تجيبه: حب الناس. واذا سألك: هل تركت للناس ما ينفعهم فستقول قصصي القصيرة ورواياتي وسيرة حياتي النظيفة.

واذا التقيت في الاخرة بالمصادفة بالسيدة "حفيظة" فسلم عليها يا..... لن أقول ما كنت اناديك به تحببًا يا رفيقي.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين