في تشرين ثاني عام 1956، عشية العدوان الثلاثي على مصر من قبل بريطانيا وفرنسا واسرائيل لإسقاط نظام الرئيس جمال عبد الناصر والغاء تأميم قناة السويس، سجل الرفيق توفيق طوبي والرفيق ماير فلنر – رفيقا الحزب الشيوعي وممثلاه في الكنسيت مأثرة خالدة عندما تسللا عبر الحقول وكروم الزيتون الى قرية كفر قاسم، بعد ان وصلت الى آذانهما اخبار المجزرة الرهيبة التي ارتكبها حرس الحدود، في نهاية تشرين الأول 1956، بقتلهم بدم بارد 49 مواطنا من سكان القرية، نساء ورجال شبابا وشيبا، بأوامر صدرت من اعلى المستويات في الحكومة. طوبي وفلنر كسرا بذلك الطوق الذي ضربه الجيش على القرية لمنع وصول انباء المجزرة للخارج.
دخل الرفيقان كفر قاسم التي كانت تعيش جوا من الخوف، فقاما بتعزية سكان القرية وتشجيعهم على التمسك بقريتهم وعدم الرحيل باي حال من الاحوال. وجمع طوبي المعلومات الكاملة عن المجزرة واسماء الشهداء، وأصدر مذكرة تشمل كل هذه التفاصيل باللغات الثلاث العربية والعبرية والانجليزية وارسلت هذه المذكرة الى مئات الهيئات والشخصيات في اسرائيل والعالم، وهكذا كُسرت محاولة التعتيم الرسمية وعرف الرأي العام في اسرائيل والخارج بالجريمة البشعة التي ارتكبها حكام اسرائيل. وفي آب 2001 أصدر توفيق طوبي كتاب "كفر قاسم – المجزرة والعبرة" (اصدار معهد اميل توما) وهو اشمل مرجع عن المجزرة.
لقد قامت علاقة انسانية قوية بين طوبي واهالي كفر قاسم. وكان يزورهم كل عام في الذكرى السنوية للمجزرة، ولاحقا كان يرسل في هذه المناسبة رسالة الى "اهلنا في كفر قاسم" معزيا وداعيا الى الصمود والنضال وتخليد ذكرى الشهداء بإقامة متحف خاص بهم.
لقد جاء دور طوبي وفلنر الفاضح للمجزرة ضمن مسيرة الحزب الشيوعي في مواجهة الحكم العسكري الذي بطش بحقوق الجماهير العربية الفلسطينية داخل إسرائيل، وقد أظهرت الوثائق الخاصة بالحزب وبالكنيست مساعي الشيوعيين في الدفاع عن حقوق العمال والفلاحين أمام تقييدات الحركة والتجول والعمل، وأمام محاولات نزع الحقوق الأساسية من خلال الاعتقالات والمصادرات ومحاولات التهجير المستمرة ما بعد النكبة.
لقد شكلت مجزرة كفر قاسم تحديا كبيرا أمام مشروع البقاء والتمسك بالوطن الذي طرحه الشيوعيون على الجماهير العربية الفلسطينية، فقد كانت مساعي السلطة الحاكمة تظهر عبر إخفاء أثار هذه الجريمة البشعة واستخدامها كمناورة فاشية لطرد أصحاب الأرض من وطنهم الى خارج الحدود، لذا فقد شكّل فضح هذه المجزرة بالنسبة للشيوعيين نضالًا شرسًا لا يمكن الحياد عنه، بل أكثر من ذلك، فقد اعتبر الشيوعيون تحركاتهم الشعبية والبرلمانية والدولية في فضح المجزرة صمّامًا لأمان مشروعهم السياسي الذي نظروا اليه كمشروع للجماهير العربية الفلسطينية في البلاد، الى جانب الجماهير اليهودية التقدمية التي تؤمن بالسلام العادل الذي يضمن حرية الشعوب عبر تحقيق مصيرها.
استنفر الحزب الشيوعي منذ اللحظة الأولى للمجزرة بكل كوادره وارتباطاته الشعبية، العربية اليهودية، وبكل علاقاته الخارجية من أجل توثيق الأحداث التي جرت في كفر قاسم، وقد أظهرت الأرشيفات عدة محاور وأساليب ضغط استغلها الحزب من أجل وضع وقائع المجزرة في وسط الساحة السياسية والإعلامية داخل البلاد وخارجها، واستمر هذا الاستنفار لعدة سنوات كان أبرز محطاتها: الكشف عن المجزرة أمام الكنيست والإعلام الدولي، تشكيل ضغوط شعبية من خلال القوى السياسية واللجان والصحف والشخصيات من مختلف المناطق تحت مطلب "المحاكمة العلنية"، مواجهة السلطة في أيار 1958 مما رفع سقف التحدي وشكّل تغييرا نوعيا في مكانة الجماهير العربية الفلسطينية المطالبة بحقوقها بقيادة الحزب الشيوعي عبر استنكار دور السلطة في محاكمة المجرمين، مواجهة الحكم العسكري وصولا لإبطاله نهائيا في عام 1966.
//رسالة توفيق طوبي الى الكنيست – رسالة كفاح جريء
بعد شهر من أحداث مجزرة كفر قاسم، التي كان طوبي شاهدا على نتائجها بجانب رفيقه فلنر، أصدر توفيق طوبي رسالة رسمية موجهة الى الكنيست والحكومة يظهر فيها بالتفصيل أحداث المجزرة ونتائجها وأسماء الضحايا، وقد أرفق هذه التفاصيل مع أطروحة سياسية كفاحية عرض فيها رؤيته ورؤية حزبه للمجزرة واستنكاره لتعامل السلطة والإعلام الإسرائيلي من أجل إخفاء المجزرة، الى جانب مقترحاته للخطوات المطلوبة من أجل التعامل مع الجريمة كما ينبغي وفقا للقانون والعدالة وليس وفقا للأحكام العسكرية الفاشية.
وما يميز هذه الرسالة التي استخرجناها من أرشيف الدولة، اللغة الكفاحية الجريئة التي استخدمها طوبي متحديًا سلطة الحكم العسكري عبر توجيه إصبع الاتهام بوضوح الى الجنود والضباط والسلطة الحاكمة عبر وصفهم بالمجرمين بدون أي لعثمة، وقد كتب طوبي: " أمام حقيقة الحكومة التي تمنع بشكل خطير نشر تفاصيل أحداث المجزرة ها أنا أتوجه اليكم برسالة مباشرة، وأمام الإعلام السافر الذي يسعى لإخفاء وقائع المجزرة البربرية من مرأى ومسامع الجمهور قررت أن أكتب لكم وبالتفصيل عن الحيثيات الواقعية التي كنت شاهدا عليها أنا وعضو الكنيست ماير فلنر عند زيارتنا لقرية كفر قاسم، وبعد استماعي لكلام شهود العيان." وأضاف طوبي في نهاية الرسالة بعدما عرض وقائع المجزرة وشهادات أهل القرية: "انطلاقا من واجبي الإنساني، وواجبي كمنتخب جمهور في الكنيست، وواجبي اتجاه الجماهير العربية في إسرائيل واتجاه الأهالي في كفر قاسم الذين طالبوني بإسماع صوتهم لسائر المجتمع، ها أنا أرسل لكم هذه الأطروحة وأناشد من خلالها كل انسان سوي وصاحب طموح لمواجهة جرائم القتل، ولمواجهة سياسة الحكومة اتجاه الجماهير العربية في البلاد، سياسة الاضطهاد والحكم العسكري، سياسة الاستغلال والظلم بحق الجماهير العربية التي يُشرعَن كل هجوم يستهدفها".
واستمر طوبي في تحديه لقرارات الحكومة بشأن محاكمة المجرمين وكتب: "لا يوجد حق أخلاقي يسمح للحكومة بإجراء قراراتها بشأن محاكمة المتهمين عبر محاكمة سرية، يجب محاكمة هؤلاء المجرمين أمام محكمة علنية ومفتوحة أمام الجمهور لكشف تفاصيل هذه المجزرة الفظيعة"، وأضاف طوبي: " هذه الجريمة لا يمكن اعتبارها كـ "الحاق ضرر ببعض المواطنين"، كما ادعت الحكومة الإسرائيلية، هذه الجريمة تذكرنا بجرائم النازية البشعة بحق اليهود وآخرين خلال الحرب العالمية الثانية، هذه الجريمة تذكرنا بما حدث في القرية التشيكوسلافية ليديتشيا، هذه الإبادة الجماعية بحق المواطنين العرب هي جريمة بحق كل الجماهير العربية في البلاد، القلقة بشأن مستقبلها ومصير بقائها".
أخيرا نشير الى أن أرشيف الدولة يحتوي على كل الوثائق والمستندات والشهادات والمحاكمات المتعلقة بمجزرة كفر قاسم، وقد أرسل محررو صحيفة الاتحاد طلبات رسمية لأرشيف الدولة من أجل الاطلاع على هذه المواد المختلفة ولكن الأرشيف لم يقبل كشف كل المواد المذكورة وأكتفى بعرض بعض المواد المتفرقة، وقد أصرّ على رفض طلبنا بالحصول على ملف خاص تحت عنوان "שחזור פרשת כפר קאסם" بادعاء أنّ الملف قد اختفى من بين السجلات المحفوظة، هذا الادعاء الوقح يستخدمه أرشيف الدولة منذ عقود لإخفاء الوثائق الأبرز حول جرائم النكبة وما بعدها.



.png)

.png)






.png)
