المؤتمر الأوّل/ التّأسيسيّ
المركز الجماهيريّ الجديد – طمرة الجمعة 16/9/2022
(البيان الأساس)
"نحو آفاقِ ثقافةٍ وطنيّةٍ وإنسانيّة"، ومن هذا التّراب الأصيل، من هنا، من طمرة المدينة العربيّة العريقة. من هذا الجليل الأسمر، مهد الشّعراء ومَربى الإبداع. من شمال الوطن في الجليل الأشمّ ننطلق نحو مركزه في المثلّث الصّامد وجنوبه في النّقب الحبيب، ليكتمل المثلّث الوطنيّ بأضلاعه الثّلاثة. نحو النّور، نحو ولادة جديدة لانطلاقة اتّحاد أدباءَ يتعدّى الفئويّة والمناطقيّة ويليق بحركتنا الثّقافيّة، يضع نصب عينيه ثقافتنا العربيّة الفلسطينيّة في وطننا بهدف رفع مكانتها وإبراز تميّزها. ويضع اتّحادنا في مقدّمة اهتماماته ونصب عينيْه أيضًا الأخذ بيد أدبائنا وأدبنا ونشره في كلّ مكان من خلال انخراطه في حياة الجماهير وهمومها وقضاياها.
هذا هو الشّعار الّذي دأبنا على ترسيخه على مدى خمسة أشهر ماضية من التّحضير والإعداد. لا ننسى نشاطًا ثقافيًّا مضى، بل عليه نرتكز ومنه ننطلق إلى أمام. إنّه حقّ لنا لا نفرّط فيه، وواجب علينا لا نتوانى في أدائه.
مع إطلالة أمل يتجدّد كتجدّد الحياة، وبشعور بالمسؤوليّة المحبّبة لدى الأدباء الوطنيّين والشّرفاء، وبروح تتدفّق عطاء وتشعّ نورًا وأملًا، دأبت مجموعة من الأدباء على شدّ الهمم الأدبيّة المخلصة لتأسيس الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين.
لقد كان الجامع بينهم الإخلاص لقضيّة شعبنا الفلسطينيّ الوطنيّة وحقّه بالكفاح حتّى التّحرّر والاستقلال، والوفاء لقضيّة جماهيرنا العربيّة وحقّها في التّطوّر والمساواة والكرامة، والوفاء لقضايا المظلومين العادلة في كلّ مكان. كان همّهم الأكبر هو رفع مكانة الأدب ورقيّ الثّقافة العربيّة، في بلادنا الّتي يعاني فيها العربيّ من ضياع العدالة والمساواة وتتراكم على لغته وثقافته وهويّته محاولات الطّمس والتّغييب، تمارسها ضدّه السّياسة الرّسميّة الإسرائيليّة العنصريّة.
ولأنّنا لا ندير ظهورنا لهموم مجتمعنا العربيّ نعيش معه موجة العنف الّتي تفاقمت في الفترة الأخيرة، بل تحولّت وفقًا لما مرّ من أحداث مأساويّة إلى حياة تحت شبح عالم من الجريمة. لذلك ندعو كلّ الجهود والفعاليّات والهيئات التّمثيليّة والمؤسّسات والمعاهد والمنتديات إلى تضافر الجهود، كي لا نمكّن العنف منّا، هذا العدوّ السّلطويّ يجب ألّا ينتصر في تسيّد جوانب حياتنا. هذا العنف المستشري والسّلاح المنتشر في مجتمعنا العربيّ سياسة دبّرتها بليلٍ ونهار الدّوائرُ السّلطويّةُ الحاكمة في إسرائيل لتفتيتنا وإلهائنا عن قضايانا الوجوديّة والوطنيّة، الوجدانيّة والحضاريّة كمجتمع عربيّ فلسطينيّ متميّز. فلنتكاتف ولنصمد! وهل أمامنا من خيار أو بديل!
مع الأمل المتجدّد بحياة أجملَ وأسعدَ وأنبلَ وأدبٍ أرقى تمضي هذه الكوكبة من الأدباء لتغنّيَ أغنيتها الجميلةَ كربوع بلادنا، العذبةَ كصدح العنادل، البريئةَ كوجه طفل فلسطينيّ، يحمل حجرًا أثقل من يده أمام جنديّ مدجّج بالحقد والحديد والنّار. لكنّها أغنية تحمل أزيزًا يؤرّق العنصريّين والظّلاميّين، أعداء الكلمة وأعداء الفنّ والأدب وأعداء التّاريخ، في بلادنا الّتي يريدون للعربيّ أن يبقى فيها "غريب الوجه واليد واللّسان". لا وجهُنا ولا يدُنا ولا لسانُنا غريبٌ، إنّها بلون هذه الأرض، سمراءُ كسمرة هذا التّراب، خضراءُ كخضرة جبال الجليل، مخضّبةٌ حمراءُ كجرح ثائر، بيضاءُ كوجه الحقّ الفلسطينيّ.
من هذا الواقع المتميّز ومن هذا الإيمان الرّاسخ كرسوخ الجرمق بصدق كلمتنا وعدالة قضيّتنا يأتي تأسيس الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين حاجةً ماسّةً، لا تقلّ أهمّيّة عن حاجاتنا المادّيّة. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، ليس فقط كردّ على مسلسل الممارسات السّلطويّة العنصريّة، بل لإبراز هويّتنا القوميّة العربيّة الفلسطينيّة وصيانة ثقافتنا بكلّ ما فيها من مضامينَ حضاريّة وإنسانيّةٍ.
لقد واصلت هذه المجموعة من الأدباء وكوّنت لجنة تّأسيسيّة لقيادة الاستعدادات لانعقاد هذا المؤتمر، لتؤسّسها على حديد إيمان لا يلين، كي يكون الاتّحاد جامعًا لكلّ الأدباء العرب الفلسطينيّين، وقد انصبّ العمل على إعداد دستور يُعرض على المؤتمر لإقراره، وعلى توسيع الاتّحاد من خلال دعوة الأدباء للانتساب إليه، ليشمل الاتّحاد أكبر عدد منهم في المناطق العربيّة كافّة، من الشّمال إلى الجنوب.
ليس سرًّا بل هو أمر نعتزّ به وننوّه، لقد بدأنا نشاطنا الميدانيّ في شهر آذار الماضي بِ 40 عضوًّا، وضعنا أمامنا مضاعفة هذا العدد من المنتسبين حتّى انعقاد هذا المؤتمر، ولكنّنا بأحاسيسِ اعتزازٍ ومشاعرِ افتخار، وصلنا بهمّة الزّملاء الأعضاء المتفانين في الجليل والمثلّث والنّقب إلى ما يزيد عن 120.
إنّ انعقاد هذا المؤتمر لهو إنجاز نحقّقه بحضوركم، ليس خدمة للأدباء وتنظيمًا للحركة الأدبيّة، بل خدمة لجماهيرنا العربيّة وصيانة لثقافتنا وأدبنا وهويّتنا، ولن ننجح في ذلك إلاّ إذا كان الاتّحاد واسعًا وشاملاً وموحَّدًا.
وفي هذه المناسبة نعلن أنّنا لسنا ضدّ الوحدة. كان معظمنا من مؤسّسي ذلك الاتّحاد، ولسنا ضدّ وحدة الحركة الأدبيّة، ولكنّ الوحدة يجب أن تُبنى على رؤًى جماعيّة وليس على نوايا فرديّة، وعلى أسس من الدّيمقراطيّة والشّفافية، بعيدًا عن الدّكتاتوريّة والغمغمة، وعلى أساس احترام الدّستور ونصوصه والقرارات الجماعيّة. تعذّر أمر الوحدة بسبب القرارات المعدّة سلفًا على المقاس، لقد كانت الوحدة المطروحة "كلامَ حقّ يُراد به باطل"، ورأينا أنّ التّعدديّة لا تقلّ مبدئيّة وأهمّيّة عن الدّيمقراطيّة، ويظلّ التّنافس في الخير خيرًا.
نؤمن بأنّ الثّقافة الفلسطينيّة ملكٌ عامّ للشّعب الفلسطينيّ، لا يحقّ لأحد كائنًا من كان أن يدّعيَ وصايته عليها، وإذا كان لا بدّ من تنافس بيننا كأفراد واتّحادات وحركات ومؤسّسات، فليتنافس المتنافسون في خدمتها بصدق وإخلاص ولصيانتها أمام أعدائها المتربّصين، السّاعين لطمسها وتغييبها، ولرفع مكانتها والرّقيّ بها إلى علّيّين.
إنّ الانتساب للاتّحاد اختيار حرّ وقناعة فرديّة، والموجّه الرّئيس لإشغال مؤسّساته وهيئاته هو الدّيمقراطيّة، وفقًا لما يقرّه المؤتمر في الدّستور، ولهذا نُهيب بالأدباء وبغضّ النّظر عن تعدّد مواقفهم في الحياة والمجتمع والسّياسة والأدب، الغيورين على هويّتنا العربيّة المتميّزة وعلى ثقافتنا الإنسانيّة إلى الانضمام للاتّحاد وتأكيد عضويّتهم فيه، كي تتسنّى لهم المشاركة في النّقاش واتّخاذ القرار وممارسة حقّ التّرشّح والانتخاب.
إنّ نجاحنا في ذلك يجعل هذا الاتّحاد أساسًا موحَّدًا وموحِّدًا وشاملاً ومنتشرًا بين جماهيرنا العربيّة من خلال نشاطاته، ويحوّله بالتّالي إلى مؤسّسة وطنيّة من مؤسّساتنا العربيّة التّمثيليّة في هذا الوطن، تهتمّ بمكوّن عظيم من مكوّنات هويّتنا الحضاريّة والإنسانيّة والعربيّة والفلسطينيّة، ألا وهو الأدب شعرًا ونثرًا وقصة وقصيدة ونقدًا ومقالة ومسرحًا ودراسة وترجمة. كان الأدبُ دائمًا وسيبقى سلاحًا حضاريًّا ساندَ الكفاح الوطنيّ الفلسطينيّ.
خلال هذه الأشهر عقد أعضاء اللّجنة التّأسيسيّة الكثير من اللقاءات مع الأدباء في كلّ مناطق بلادنا. تمّ فيها عرض الموضوع وتبادل الآراء والتّشاور، وبشكل مكثّف، أفضت إلى الخلاصة السّابقة نفسها، إنّنا بحاجة لاتّحاد أدباء مستقلّ يليق بحركتنا الأدبيّة يتعدّى الشّخصنة والفئويّة، ولن يتأتّى مثل هذا الهدف العظيم إلّا بمؤتمر تأسيسيّ جديد لاتّحاد يكفل أكبر عدد من أدبائنا وعلى أسس من الشّفافيّة والدّيمقراطيّة.
اتّحادنا مسيّس حتّى النّخاع وسننخرط في قضايا شعبنا الفلسطينيّ السّياسيّة من أجل إحقاق حقوقه القوميّة المشروعة ومع مقاومته لأعداء قضيّته بكافّة الأسلحة الّتي كفلتها المبادئ والمواثيق الدّوليّة. سننخرط في قضايا مجتمعنا العربيّ الفلسطيني الّتي يفرضها واقعه المتميّز، وفق مبدأ ضرورة حماية البقاء والحقّ في التّطوّر والمساواة، وفي صيانة لغتنا العربيّة وثقافتنا الإنسانيّة وهويّتنا الفلسطينيّة وشخصيّتنا العربيّة. اتّحادنا مسيّس، ولكنّه ليس حزبيًّا، ولأعضائه حرّيّة الانتماء الفرديّ لأيّ حزب أو حركة أو عدم الانتماء والبقاء مستقلّين وفقًا لميولهم وقناعاتهم واختياراتهم.
ولذلك لا يجرؤنّ أحد على اتّهامنا بأنّنا نميل إلى حزب سياسيّ أو حركة دينيّة، وأنّ ثمّة تنظيمًا يقف وراء انعقاد هذا المؤتمر، أعضاء اتّحادنا أحرار، مستقلّون فكريًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا. الاتّحاد الّذي نقيمه اليوم بصفة رسميّة فوق الاعتبارات الحزبيّة، وتأسيسًا على ذلك نرفض أيّ نوع من الوصاية الحزبيّة. نقاشنا مع الاتّحاد القائم هو نقاش مبدئيّ، أخلاقيّ وسلوكيّ. وعليه ينبغي لكلّ محاولة للتّقريب أو المصالحة بين الاتّحاديْن أن تنهض على هذا الفهم وعلى هذه المقولة.
ندعو الأدباء أعضاء الاتّحاد أن يكونوا رُسل هذا المؤتمر إلى سائر الأدباء للانضمام لهذا الاتّحاد الّذي يطمح للمضيّ قدمًا نحو تنظيم صفوفه وتحقيق أهدافه العظيمة، وفق ما ورد في ديباجة دستوره. وندعو جميع أدباء شعبنا حيثما وُجدوا للانضمام إلى هذا الاتّحاد، فهو مُلك الجميع، وليس الاتّحاد وصيًّا على أحد إلّا على أعضائه، ولا وصيّ عليه إلّا أعضاؤه.
يجب أن نعيش شامخين شرفاء.
يجب أن تعيش وتنمو لغتنا وأدبنا وثقافتنا حيّة متطوّرة.
يجب أن نقول كلمتنا ولا نصمت عن حقّ.
وإذا متنا فلنمت واقفين كالأشجار.
"الصّمت موتْ
قلها ومتْ
فأنت إن نطقْتَ متْ
وأنت إن سكتَّ متْ
قلها ومتْ"!
أدامكم الله ذخرًا لثقافتنا وصونًا لشخصيتنا وهويّتنا. بكم تُصان اللّغة ويُرفع من شأن الأدب. بكم تبرز الهويّة في هذا الوطن الّذي يسكن فينا أكثر ممّا نسكن فيه. وعلى أرضه ما يستحقّ الحياة. والسّلام عليكم ورحمة الله.
(تلاه الشّاعر علي هيبي، النّاطق الرّسميّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين
أمام المؤتمر يوم السّادس عشر من أيلول 2022 في مستهلّ جلسة الافتتاح)



.png)

.png)






.png)
