وجوه من أرشيف المشهد الثقافي: ديب عابدي.. سقط واقفًا| فتحي فوراني

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

//نشدّ الأيام الهاربة من شعرها..

 

أمس عند منتصف الليل، كنت أجلس إلى طاولتي.. وحدي.. أنا والليل.. وأوراقي والذاكرة.

سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، فدخل أبو باسم وعلى شفتيه ابتسامة دافئة ما كانت تفارقه في أكثر الليالي ظلامًا وحلكةً..

جلس أمامي بهدوئه العميق الذي يختزن العواصف.. ورحنا نقلب الأوراق ونفتش في أعماق الذاكرة.. واكتشفنا أننا في غابة من الذكريات.. إنها ذاكرة خصبة.. وعالم كبير مليء بالحكايا الصغيرة والكبيرة..

ذاكرة مليئة بالسجايا ولا تخلو من الخطايا.. ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر!

إنها إنسانيتنا المتفردة.. لنا سجايانا ولنا خطايانا.. إنها الشاهد الدامغ على الإنسان الذي يسكن في أعماقنا.

نجلس معًا.. نشدّ الأيام الهاربة من شعرها.. فتمدّ لنا لسانها!

أمسِ الذي قضى على قُربهِ يعجز أهل الأرض عن ردّهِ

نستخرج من خزانة الذكريات.. لقطات سريعة.. تلمع كالبرق.. فتضيء ظلمة هذا الليل.. وتظل معنا حتى مطلع الفجر!

كالبرق.. تلمع هذه الذكريات.. وتشكّ الرمح في الخاصرة.. فتنهض الجراح من سباتها..

 

//الطريق الفكري الواحد.. والهمّ الواحد.. والحلم الواحد!

اللقاء الأول.. كان عبر الكلمات التي كانت تطير إليّ على أجنحة "الجديد" و"الغد" و"الاتحاد".. وتحطّ في الناصرة.. قلعة الشموخ والحب والحنين وذكرى الأيام الهاربة!

اللقاء الثاني كان في حيفا.. أجمل المدن في هذا الوطن.. مع شلة الأنس.. محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق فياض وعصام العباسي وعبد عابدي ويوسف حمدان وغيرهم من الطليعيين الغلابى الذين تعمّدوا في الزنازين وتخرّجوا من جامعة القهر.. ليحتلوا الخنادق الأمامية على الجبهة الثقافية والسياسية في هذا الوطن وفي الدنيا العربية!

ثم تتتالى اللقاءات.. لتصبح عادة يومية.. فكان العيش والملح.. وكان الطريق الفكري الواحد.. والهمّ الواحد.. والحلم الواحد!

في بيته الأول كان أبو باسم يسكن في شارع حداد.. وكان هذا البيت موطنًا لذكريات مثيرة!

 

//فدوى طوقان.. ضيفة عروس الكرمل!

بعد أسابيع قليلة من أيام الصعقة الحزيرانية.. جاءني صوت محمود درويش من الطرف الآخر للهاتف:

أنت مدعو هذه الليلة.. إلى مفاجأة!

في تلك الليلة كان لقاء تاريخي جمع الأقلام الواعدة.. ومعهم مخضرمو الثقافة والشعر والسياسة الذين لعبوا دورًا هامًّا في بلورة الهُوية الثقافية والسياسية لأبناء شعبنا الفلسطيني.

وكان اللقاء في بيت الكاتب ديب عابدي.

وكانت المفاجأة.. ضيفة جاءتنا من جبل النار!

شاعرة حفظنا رومنسياتها الشعرية.. عندما كنّا طلابًا ثانويين.. نطارد الفراشات الملوّنة.. ونحلم بعشيقتنا شهرزاد القادمة إلينا من دنيا ألف ليلة وليلة.. وعالم الأساطير!

كانت ضيفة المساء.. الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان!

في تلك الليلة.. تعمّدت فدوى بنار اللقاء الحارقة.. ووقفت على مشارف الجرح.. وكتبت قصيدتها السياسية الأولى في العصر الحزيراني.. وأهدتها إلى الأصدقاء في حيفا.. شعراء الأرض المصلوبة..

وفي تلك الليلة التأم شمل الأحبة.. رموز المشهد الثقافي والأدبي والسياسي.. وكشف أبو طوني، حنا نقارة محامي الأرض والشعب، الكثير من الحكايات عن صديقه إبراهيم طوقان.. عن أيام الولدنة والحبّ الأول وصبايا كفر كنا.. وحكاية يا تين يا توت يا رمان يا عنب!

ليلة تاريخية من العمر.. عصيّة على النسيان!

كان أبو باسم رب ذلك البيت.. الحاضنة لهذا اللقاء.. كان البيت مجمع الخلان.. وكان منتدى أدبيَا وثقافيًا جمع الكثير من الكتاب والشعراء والفنانين والمسرحيين الذين كانوا يرتادونه.. ليستمتعوا بأحاديث "أبو باسم".. التي تتدفق ينابيع فرح وخفة ظلّ.. ولم تخلُ من أداء تمثيلي ودفء إنساني..

إنها وليمة ثقافية شهية فكاهية تشي بأصالة متفردة..

المبادر لهذا اللقاء محمود درويش.. ومعه إخوة الطريق الواحد حنا نقارة محامي الأرض والشعب وحنا أبو حنا ومحمود درويش وسلمى الماضي وعصام العباسي وديب عابدي وإميل توما ومحمد ميعاري وعلي عاشور ونبيل عويضة وفتحي فوراني وآخرون.. آثرت الذاكرة إلا أن تكون خؤونًا لتخفي أسماءهم في الزوايا المعتمة.. فالذاكرة خؤون وأي خؤون لو نعلمون

 

//جمعية المبادرة.. من هنا انطلقت!

وفي ذلك البيت كان ميلاد جمعية "المبادرة" التي ضمّت خيرة العناصر الوطنية التقدمية التي انطلقت للدفاع عن وجودنا التاريخي.. عن مقدساتنا العربية الإسلامية والمسيحية.. والتي تصدت لمحاولات "ذوي القربى" الذين تبرعوا لأن يكونوا مطايا اقتصر دورها "النضالي".. على الإطاحة بمقدساتنا وتصفية معالم انتمائنا وشواهدنا التاريخية.. في وطن آبائنا وأجدادنا!

كان أبو باسم شاهدًا على هذا الميلاد وعلى تدشين الخطوة الأولى.. وكان له دوره في رعاية طفولتها والأخذ بيدها في نضالاتها دفاعًا عن الهُوية التاريخية والحضارية. ويبدو أن حسّه الإنساني الصادق وانتماءه الطبقي.. هو الذي قاده في بداية الطريق لأن ينتمي إلى الفكر السياسي الذي يقف إلى جانب المسحوقين الحالمين بمستقبل أفضل. ورغم المدّ والجزر في علاقته مع الإطار السياسي والتنظيمي لهذا الفكر.. إلا أنه ظلّ إنسانًا ملتزمًا بخطه الفكري والإنساني!

 

//كبوة الجياد الأصيلة!

وفي لحظات الضعف الإنساني.. وفي كبوة الجياد الأصيلة.. كان يمتلك القدرة على اكتشاف الضعف والخطإ.. فينطلق من أعماق الخرائب بقوة وعنفوان وجرأة عرفت كيف تضع النقاط على الحروف!

ويأتي صوته عبر الهاتف: لقد أخطأتُ معك.. يا أيها الحبيب!

لقد أثبتّ أنك إنسان أصيل ونبيل.. إنك رائع!

إنه اعتراف جارح بالخطإ والخطيئة.. لا يملك القدرة على الاعتراف به والتحلي بفضيلته إلا القلائل من الأصائل!

ونسينا الخطايا.. وكانت اليد العليا التي تعالت عن الأمور الصغيرة.. فكان التسامح سيد الفضائل.. وراح يغسل القلوب مما علق بها من شوائب!

نسينا كبوة الجياد الأصيلة!

وبعد أيام.. كان هو وأم باسم في زيارتنا.. فجلسنا في حديقة الورد الجوري تحت شمس نيسان الدافئة.. وعادت المياه العذبة إلى مجاريها العادية والصافية..

 

//الأشجار تموت واقفة!

ويأبى القدر إلا أن ينصب شراكه للإيقاع بالمبدعين الكادحين والمناضلين الشرفاء الذين وقفوا حياتهم على عطاء حدوده السماء.

هذه المرة.. كان الضحية المناوبة.. أبو باسم!

يقف الرجل أمام القدر متحديًا..

"سأعيش رغم الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء"

الشابي أبو القاسم.. وديب عابدي أبو باسم.. تخرجا من مدرسة التفاؤل والتحدي وعشق الحياة..

ويظل أبو باسم يصارع الداء والأعداء.. يمشي ثم يسقط.. يمشي ثم يسقط.. حتى يسقط واقفًا!

يظل أبو باسم باسمًا أبدًا.. يحتل الذاكرة.. فيطل علينا بقصصه القصيرة وإبداعاته الأدبية.. ويعطر الأحاديث في السهرات الثقافية.. وينعش قلوب أصدقائه بالحكايا والطرائف الأدبية!

أمس كان أبو باسم ضيف المساء.. كان معي وظل معي.. ابتداء من الحزن والليل وخفّة الظل.. ولسوف يظل معي حتى مطلع الفجر!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين