وحدث أنْ مات بعد أنْ نَشرَ خبرَ انتقاله إلى رحمته تعالى| نبيه القاسم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

قصّة

 

شدّه خبر بارز، حروفه باللون الأسود الغامق، يتكرّر على صفحات مواقع التّواصل المختلفة، المحلية منها خاصّة، عن وفاة رجل السياسة والفكر والأدب ...

ورغبة في ملء الفراغ بدأ يُحصي عدد التّعازي التي تُرسَل لأهل الفقيد والكلمات التي تتحدّث عن مكارمه. وتابع إحصائياته على مدى أيام ولاحظ أنّ التّعازي قلّت والكتابات كادت تنتهي، وخلال أسبوعين لم يعد للفقيد الكبير أيّ ذكر،  وأخذ مكانه آخر.. وآخر ... وهذا ما شدّه أكثر لمتابعة مثل هذه الأخبار الصاعقة التي تشدّ اهتمام الكثيرين ثم تبهَتْ وتخبو وتتلاشى وتنتهي.

وانتبه أنّ الكثير من التّعازي تُرسل من قبل كثيرين لا علاقة لهم بالفقيد ولا يعرفونه، وتعزيتهم بكل ميّت أصبحت عادة، وماذا يضرّهم لو كتبوا "الله يرحمه" وماذا يخسرون، يُفرحون قلوبَ أهل الفقيد ويزيدونهم إحساسا بمشاركة الناس لهم في مصابهم، ثم ينالون أجرا عند الله يوم يُنصَب الميزان.

وتساءل مع نفسه: لماذا أستغربُ هذا الذي يحدث؟ وهل أختلفُ أنا عن الغير؟

 وبدأ يستعيد الذين ماتوا من أسرته ومعارفه وزملائه، كيف بكى وتألّم وتمزّق من لوعة الفراق.. لكنّ الأيام جعلت الألم يهدأ والحزن يتباعد وأشغال الحياة تأخذه حتى أصبح كلّ هؤلاء في عالم النسيان، وكأنّهم لم يكونوا.

وتذكّر يوم أعلن النّاعي في بلد مُجاور خبرَ موته لتَشابُه الأسماء، وكيف حدثت بلبلة بين أهل البلدة التي كثيرا من أبنائها كانوا طلابه ودرّسهم. وفقط بعد استفسارات وتبادل مُكالمات هاتفية واتّصال زميل له من أيام الدراسة به اتّضح الخطأ وصُحّح.

تأثر يومها كثيرا وهو يتلقى المحادثات الهاتفية والرسائل التي تتمنّى له العمر الطويل والصّحة، خاصّة وهو يُصغي للطالبة إيمان التي وصفت له حالتَها عندما سمعت خبرَ موته وكيف كتبت له قصيدة ترثيه، رفضت أن تقرأها له. وضحكت  وهي تردّد:

-إجاك عمر جديد أستاذ.

 وشاركها كل من كان حاضرا وتمنّوا له العمر الطويل.

وفكّر لماذا لا أختبر مدى اهتمام الناس بي اليوم، وإلى أيّ مدى سيحزنهم رحيلي.

مدّ يده وشغّل هاتفَه ودخل إلى الفيس بوك وكتب بخط عريض بارز :

انتقل إلى رحمته تعالى في قرية بحر الغنم

 الأستاذ الفاضل سمير عبد الباقي

 إثر نوبة قلبية ألمّت به

إنّا لله وإنا إليه راجعون.

وأرفق الخبر بصورة كبيرة وأطلقه عبر الفيس بوك .

وخلال نصف ساعة امتلأت الشاشات بالخبر والتّعازي والكلمات التي تسكب الدموع ، وسارعت قناة التلفزيون الرئيسيّة لتعلن عن بثّها بعد ساعة للقاء أجرته معه قبل شهر، وبدأت الهواتف ترن في كلّ بيوت العائلة مُستفسرة مُعزية مُشاركة بالحزن.

شعر بالخطأ الذي ارتكبه وسارع لينشر عبر الفيس بوك خبرا ينفي موت الأستاذ، وأنه نتج عن خطأ غير مقصود بين أسماء متشابهة وتمنّى له العمر المديد، واعتذر له ولكل أفراد أسرته وعائلته ومَنْ سَبّب الخبرُ لهم  ازعاجا وألما.

وتواصلت الرّدود الغاضبة المُطالبة بمُعاقبة ناشر الخبر بسبب الفوضى التي أحدثها.

بعد انفضاض الأهل والأقارب والأصدقاء الذين سارعوا للقدوم إلى بيته بعد سماعهم الخبر، تمدّد على سريره استعدادا للنوم وهو في نشوة من السّعادة والفرح لما لمسه من حبّ الناس له واهتمامهم به ولسان حاله يردّد:

-إذا كنتُ أحظى بكل هذا الحبّ وهذا الاهتمام فلأُغني مع  الشاعر:

على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة.

وأغمض عينيه

 ولم يفتحهما بعدها.

فقد وجدوه جثّة هامدة، وبسمة كبيرة ترتسم على مُحيّاه.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين