ما التقيْتُ هذا الوجيه وِجاهًا إلّا لِمامًا، فبيني وبينه من العمر يوبيل ذهبيّ سَنيّ، لكنّ اسمه لطالما سمعته واستمرأته طفلًا وصبيًّا وفتًى، حتّى سَبَرتُ غَوْرَه وشربتُ بئرَه شابًّا ورجلًا كَهْلًا في الأربعين.
حنّا أبو حنّا كان – وسيظلّ – أحد أكبر أسمائنا الحُسنى على هذه الأرض الحُبلى، الّتي تستحقّ أن تُزفّ إليها الحياة بُشرى، وكان – وسيظلّ – أحد نجومنا المتلألئة في سماء لغتنا العربيّة اللّازورديّة السّرمديّة.
وما كانه الأستاذ حنّا أبو حنّا تعرفه كلُّ ظِلال الغيوم وكلُّ مُهور البوم، وجميع خمائر الرّماد في هذي البلاد وغيرها من الأجناد؛ فلن أشتغل – في هذا المقام – بما كانه الأستاذ، بل أراني مشتغلًا بما يجب أن يصيره؛ فالموت حضورٌ بقدْر ما هو غياب. لكنْ دعونا – بادئ بدء – نردّد مع حبيبِ فقيدِنا، المتنبّيّ – عليهما السّلام – قولَه: "إنّي لأعلمُ واللّبيبُ خبيرُ \ أنّ الحياةَ وإنْ حَرَصْتَ غُرورُ \ ورأيتُ كلًّا ما يُعلِّلُ نفسَهُ \ بتَعِلّةٍ وإلى الفَناء يصيرُ \ ما كنتُ أحسَبُ قبلَ دفنِكَ في الثّرى \ أنّ الكواكبَ في التّرابِ تَغورُ \ ما كنتُ آمُلُ قبلَ نعشِكَ أن أرى \ رَضوى على أيدي الرّجالِ تسيرُ \ والشّمسُ في كبِدِ السّماءِ مريضةٌ \ والأرضُ واجفةٌ تكادُ تَمورُ \ فيه الفصاحةُ والسّماحةُ والتُّقى \ والبأسُ أجمَعُ والحِجى والخِيرُ \ وكأنّما عيسى ابنُ مريمَ ذِكرُهُ \ وكأنّ عازرَ شخصُهُ المقبورُ".
فما جئتُ لأحرّضَ عليه – في هذا المقام – إذًا، هو أن يصير الأستاذ حنّا أبو حنّا كتاب تأبين يَفِي بكبريائه، وأرشيفًا لطيفًا لظريف أعماله، وجائزة لغويّة – أدبيّة أو منحة دراسيّة تحمل اسمه، وذكرى سنويّة تحفظ رسمه، ودربًا عتيقًا عريقًا يخلّد خطوه. وأعلم أنّ كلًّا ممّا ذكرت يتطلّب جَهدًا أيّ جَهد، لكنْ أراه كلّ جَهد يَهون تكريمًا لوجه من قال يومًا وفعل عمرًا: "يا بلادي إنّا نَذَرنا الجُهودا \ أنْ نُربّي للفجرِ جيلًا جديدا".
وأنا، وقد آليتُ على عمري أن أظلّ حارسًا لمملكة أمّنا العربيّة، وسادن الحركة التّصحيحيّة اللّغويّة فيها وساقيها، ما كنتُ لأراعيَ الظّرف وأغضّ الطّرف عمّا لا أرضاه ولا نرضاه لك ولا ترضاه أنت لنفسك – أيْ أستاذنا – من لحْن لغويّ جاء في نعْيِكَ الرّشيق الأنيق، الصّادر قُريْبَ ذهابِك؛ أُورده – ههنا – كما جاء، وأشير إلى تصحيح لحْنه، تِباعًا، بين قوسيْن معقوفيْن، كما كنتَ تحبّ وترضى، لعلّها تنفع المؤمنين الذّكرى، ولعلّنا بذلك نردّ غَيْضًا من فَيْض فضل أبي الأمين:
"نعي عظيم فاضل
تنعي [تَنعَى] لجنة المعارف الارثوذكسية [الأرثوذكسية] في حيفا والهيئة التدريسية في الكلية [الكلّيّة] الارثوذكسية [الأرثوذكسية] العربية، معلمين [معلّمين] وإدارة وعاملين، وفاة [يجب إسقاط كلمة وفاة] احد [أحد] اكبر [أكبر] اعمدة [أعمدة] الأساس فيها وزيتونة فلسطين الشامخة والاستاذ [والأستاذ] والمدير والاديب [والأديب] والانسان [والإنسان] الذي اقترن اسمها باسمه لعقود [عقودًا] الاستاذ: [الأستاذ]
حنا [حنّا] امين [أمين] ابو [أبو] حنا [حنّا]
الذي وافته المنية [المنيّة] اليوم عن شيخوخة صالحة ومهيبة.
اننا [إنّنا] نتقدم [نتقدّم] بهذا بكل [بكلّ] طواقمنا بأحر [بأحرّ] التعازي لعائلته [إلى عائلته] ألكريمة [الكريمة] ولكل [وإلى كلّ] من احبه [أحبّه] واحترمه على مر [مرّ] السنين[،] ولكل [وإلى كلّ] من عايشه وعرفه على طيبته ووقاره ووطنيته [ووطنيّته] الحقة [الحقّة] الصادقة[،] راجين المولى عز وجل [- عزّ وجلّ -] أن يتغمده [يتغمّده] بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته [جنّاته].
اننا [إنّنا] على ثقة كبيرة ان [أنّ] ذكرى ابي [أبي] الأمين ستبقى خالدة في النفوس على مر [مرّ] الدهور.
له الف [ألف] رحمة ولكم من بعده طول البقاء.
الناعون:
لجنة المعارف الارثوذكسية [الأرثوذكسية]
المجلس الملي [الملّيّ] الارثوذوكسي [الأرثوذكسيّ] الوطني [الوطنيّ]
الهيئة التدريسية بكافة طواقمها [بطواقمها كافّة]
عائلة الكلية [الكلّيّة] الارثوذكسية [الأرثوذكسية] عامة [عامّة]".
هذا، وإلى أهليه وذويه، إلى ساميته وأمينه وأميّته وربابه، نقول: إنّ لكم فيه عشرته وأبوّته، وإنّ لنا معكم فيه رجولته وإنسانيّته ووطنيّته وعلمه وأدبه، وكلّ ما هو جميل فيه؛ فتقبّله اللهُ عنّا وعنكم قَبولًا حَسَنًا، مثلما يليق برجل نذر حياته ومماته من أجل كلّ ما هو أسمى؛ من أجل لغته وتراب قصيدته وأبناء شعبه؛ تقبّله الله بكلّ ما هو خليق به.
تغمّدَ الله روح أبي الأمين بشآبيب رحمته وأسكنه فسيح جنّاته، وقيّضَ لنا من بعده قامة مثل قامته، في زمن انحنتْ فيه القامات وطؤطئتِ الهامات وعزّتِ القادات، إلّا مَن رَحِمَ ربّي من نادر قليل قليل ونزْر يسير.
ولِي عودة منكم إليكم أيّها الأعزّة – إن شاء ربّ العزّة – للحديث، أبدًا، عن لُغتنا ونحْن.
الكبابير \ حيفا



.png)

.png)






.png)

