وظيفتنا اليوم توفير قوّة وحجج وتطوير أفكار وأدوات كي يتواصل النضال| هشام نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

حوار مع المخرج آفي مغربي حول فيلمه الجديد "السنوات الـ54 الأولى – دليل مختصر للاحتلال الإسرائيلي" (2021)

 

حين سألـْت المخرج آفي مغربي ما إذا كان فيلمه الجديد يذهب باتجاه أيّ من الحلول المقترحة والمتداولة والخلافيّة للقضية الفلسطينيّة – دولتان، دولة واحدة بهذا الطابع او ذاك - أجاب أن الفيلم لا يتناول مسألة الحلول، ولا يخوض حتى في الوضع القائم بشموليته، بل يعرض ويحلّل جزئية محددة، هي ممارسات الاحتلال الإسرائيلي والمنطق الذي يقف خلفها في خدمة مشروع السيطرة والضم والتوسّع.

يأتي الفيلم بشهادات (قاسية) لضباط وجنود سابقين يروون كيف نفذوا أوامر بإطلاق النار والضرب والاعتقال والتفتيش وفرض الحواجز، ثم تيقّظ لاحقًا لديهم وعي وضمير لوحشية، أو لاأخلاقية أو قسوة، وأحيانًا عبثيّة، ما كانوا يطبقونه من أوامر وينفذونه من ممارسات. فهذا ضابط يصف عمليات تفتيش لبيوت قرية بأكملها لا لشيء إلا من اجل "إثبات أن الجيش حاضر"؛ وذاك جندي يروي كيف تم إرسال قوة من وحجة قتالية راجلة لقتل شرطيين فلسطينيين انتقامًا لمقتل جنود في عملية مقاومة فلسطينية؛ وآخر يصف كيف كانت وظيفته تتلخص في تشكيل حاجز بشري أمام ميليشيا مستوطنين لمنعها (بعد أدائهم الصلاة في الحرم الإبراهيمي) من الاعتداء على الفلسطينيين في الخليل.

يتألف الفيلم من ثلاث حبكات متوازية مجتمعة: المخرج مغربي يروي بلغة ساخرة سوداء ما هي السبل التي يجب اعتمادها لغاية تعزيز وصيانة الاحتلال، ما الذي يجب أن تفعله كمحتلّ وما يجدر بك تفاديه؛ ومذيعة تقدّم معطيات ومعلومات واقعية حقيقية دقيقة من سنوات تاريخ الاحتلال الطويل؛ وبينهما عدد كبير من الشهادات التي قدّمها ضباط وجنود سابقون، من أجيال مختلفة من عمر الاحتلال، عما فعلوه وشاهدوه وعايشوه وعمّا انطبع في ذاكرتهم ونفوسهم ببصمات قاتمة قاسية كصدمة لا تُمحى.

هؤلاء العسكريون السابقون سجلوا شهاداتهم للمرة الأولى لمنظمة "كسر الصمت" المناهضة لاحتلال الأراضي الفلسطينية، والتي أسسها في العام 2004 مجموعة من الضباط والجنود السابقين، وتسلط الضوء على ما يعانيه الفلسطينيون في ظل الاحتلال الإسرائيلي، من خلال أصوات لضباط وجنود أدوا الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة.

لا يقدّم الفيلم حلولا ولا سيناريوهات محتملة للآتي، بل يركّز على تطوّر ممارسات جهاز الاحتلال في الواقع، على الأرض، واضعًا إياها في سياق تاريخي. من جهة يصوّر حالة من التفاقم العنيف والتصعيد القمعي والتدهور اللاأخلاقي المستمر، ومن جهة أخرى يشدّد على ان هذا كله حقق الفشل تلو الفشل في تحقيق الهدف النهائي: إخضاع الفلسطينيين وإجبارهم على الإذعان التام ورفع الأيدي والتسليم بالاحتلال الإسرائيلي كواقع "طبيعي". وسط هذه المفارقة: هل نجح مشروع الاحتلال أم فشل إذًا؟

ويقول مغربي ردًا على هذا السؤال: الاحتلال نجح. أنظر الى الوضع في الضفة المقطّعة، وغزة الأشبه بسجن هائل، ما تزالان تحت سيطرة إسرائيلية على الرغم من أن الاحتلال لم ينجح في تحقيق كل ما سعى إليه. المستوطنات تتوسع وتسيطر على مزيد من الأرض. الأموال وميزانيات البنى التحتية تذهب بخط رئيسي الى هذا المشروع. أي أنه بشكل ما الاحتلال قد نجح. لكنه في الوقت نفشه فشل أيضًا. فالفلسطينيون باقون هنا، إسرائيل عجزت وفشلت في طردهم و"تطييرهم" من المكان.

 

الاتحاد: عنوان الفيلم يتوافق مع هذه القراءة المركبة. من جهة نتحدّث عن أكثر من نصف قرن احتلال، ومن جهة أخرى تسمي هذه الفترة بـ"الأولى". الانطباع أن هذا العبء الزمني العنيف لم يصل بعد الذروة التي سيبدأ منها بالانحسار.

مغربي: هذا زمن طويل جدًا، ربما هو أطول احتلال في العالم. العنوان بطبيعة الحال ساخر وينطوي على فكاهة مُرّة. وهو في الواقع جواب حزين لبعض الأفكار الشائعة. فالجميع في محيطنا يقولون إنه سيأتي يوم ويزول فيه هذا الاحتلال. هناك تسليم واتكاء على فكرة أن التاريخ هو من يهزم الاحتلال، كأن هذه وظيفته هو وليس نحن.

 

الاتحاد: يشبه الأمر التسليم بقوى خارقة أو قوى السماء.

مغربي: نعم. التاريخ كقوّة سماوية. ذلك الجواب المرّ بسخريته هو جواب لي أيضًا. فأنا أيضًا أعاني من هذه الفكرة ولا املك سوى إحباط التمنّي لو كانت لديّ قدرة خارقة لإنهاء هذا الاحتلال.

 

الاتحاد: هل توافق على أن هذه الشهادات لعسكريين عمّا نفذوه من أوامر ارتكاب جرائم حرب وممارسات قمع، هي بحد ذاتها مسألة تدعو للتفاؤل، على الرغم من بشاعة ووحشية ما تصفه، بكونها نوع من البوح والكشف وخلخلة الصمت الذي يلفّ ممارسات الاحتلال، ويشكّل واحدًا من العناصر الضرورية لبقائه؟

 

مغربي: ربما هو تفاؤل لكنه تفاؤل بالحد الأدنى. ظاهرة كسر الصمت في إسرائيل تنطوي على قوّة وذات خصوصية متميّزة لأنها عبارة عن شهادات تُقال وتُسمع في الزمن الحقيقي، خلال الصراع وهو يحدث ويتفاعل، وليس بعد انتهائه. كانت هناك ظواهر متشابهة لشهادات كسر الصمت عما ارتُكب في حروب وصراعات بعد انتهائها، مثل جنوب أفريقيا والجزائر، كجزء من عملية التسوية أو المصالحة. وبعد حرب الولايات المتحدة على فيتنام تحدّث جنود عن الفظائع فقط بعد الانسحاب الأمريكي. لكن هذه الشهادات في الفيلم – وكل الشهادات التي تنشرها منظمة كسر الصمت - تقدّم وتُنشر أمام الرأي العام فيما الاحتلال مسيطِر. وهي شهادات تتركز في الرغبة وفي مهمّة كشف موبقات الاحتلال الإسرائيلي.

 

الاتحاد: من الجوانب المهمّة في الفيلم أنه يعيد الى الذاكرة والذهن والجدل ما سبق الانتفاضتين من قمع. يخيّل أحيانًا أن هناك انطباع يُعاد إنتاجه وتشييده وكأن الأمور كانت الى حدٍّ ما "معقولة" قبل الانتفاضة الأولى، 1987، ولم تبدأ المشاكل إلا بها. هذه هي خلاصة تسويق الروايات السلطوية الرسمية على الأقل كما يبدو، لكن الفيلم يهشّم هذا الوهم.

مغربي: لقد باعوا في البداية وهم "الاحتلال المتنوّر" بينما تثبت الشهادات أن الممارسات التي تضمنتها الانتفاضتان، الأولى خصوصًا، لم تبدأ حينها، بل كانت سائدة دائمًا. لم تكن ممارسات القمع الوحشية بسبب "تعقّد الوضع" كما يزعمون، بل كانت هي الروتين. هذه ممارسات مرتبطة بالرؤية السائدة منذ أول أيام الاحتلال، وهي فكرة أرض إسرائيل الكاملة. شمَل هذا حركة "العمل" أيضًا. كانت أولى الخطوات إقامة المستوطنات على طول نهر الأردن. مثلما جرى حينذاك تواصل الاستيطان لاحقًا بمزاعم دفاعيّة. قيل إنه مستمر إلى أن يظهر شريك. ايهود براك كان أكبر المساهمين في هذا. إلى أن جاء دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وكشفا الهدف بصوت صريح في "صفقة القرن"، استيطان بهدف الضم الكامل.

 

الاتحاد: كيف ترى مساهمة هذا الفيلم، أيّ أثر ترى له أو بالأحرى أيّ أثر تريد له؟

مغربي: لقد تركت منذ زمن طويل، منذ زمن الشباب، الاعتقاد أنه يمكن تغيير العالم بواسطة السينما. وأنه حين يدرك الناس الحقائق فإنهم سيتغيّرون وبالتالي سيغيّرون. الواقع ليس هكذا. المعرفة وحدها لا تجعل الناس يتغيّرون. اليمين لن يشاهد الفيلم، وحتى لو شاهده سيتمترس في مكانه. مثل هذا الفيلم، كسائر الأفلام اليسارية، يهدف إلى تعزيز وتثبيت أواصر مجتمع الساعين والناشطين لأجل سلام عادل، هذا المجتمع الآخذ بالتآكل والتفتّت. وظيفتنا اليوم هي توفير قوّة وحجج وأدوات لتطوير أفكار كي يتواصل النضال.

بعد انتهاء المقابلة اهتم آفي مغربي بإضافة على نقطة التفاؤل التي كنا تناولناها. وهو يقول: لربما أكثر ما يدعو للتفاؤل هو أنه قبل انتهاء الابرتهايد في جنوب افريقيا بعدة سنوات، بدا للجميع أبديًا. لم يتصوّر أحد أن مانديلا سيصبح رئيسًا. وهنا أيضًا، ربما لا نستطيع اليوم ملامسة السيرورات التحت-أرضية التاريخية والسياسية المتفاعلة، ولكن لربما أن هذا اليوم سيتّضح لاحقًا لنا كأوّل أيام السنوات العشر القادمة التي سينتهي فيها الأبرتهايد خاصتنا، سينتهي في ختامها الاحتلال.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين