تعرّفت إلى الشاعر ياسين عدنان أوّل مرة حين رأيته على قناة الجزيرة يتحدّث في برنامج ثقافيّ عن تجربته في برنامجه "بيت ياسين"، وهو ما دفعني إلى متابعة حلقاتٍ من هذا البرنامج الممتع؛ إذ عرفتُ أنّ من يتمتّع بهذه الحيويّة والذكاء لا بدّ أن يكون شاعراً، وسعيتُ فوراً إلى التواصل معه فأرسل إليّ مباشرة ديوانه "دفتر العابر"، وطلب منّي نسخة من كتابي "السيرة الذاتيّة الشعريّة" وهو الكتاب الذي فزتُ به عام 1998 بجائزة الشارقة للإبداع الأدبيّ/المركز الأوّل في حقل النقد، لوجود علاقة فنيّة وجماليّة بين ديوان "دفتر العابر" وسيرذاتيّة النصّ الشعريّ الذي كنتُ قد قاربتُه في هذا الكتاب على نحوٍ ما، وما أن بدأتُ بقراءة الديوان حتّى أيقنتُ أنّ مقالةً عابرةً عنه لا تلبّي إعجابي به فكان كتابي الموسوم ""الفضاءُ الرحليُّ السيرذاتيُّ في قصيدة النثر.. معماريّةُ التشكيل الشعريّ الملحميّ في "دفتر العابر" لياسين عدنان"، صدر هذا العام 2021 عن دار "الآن ناشرون وموزّعون" في عمّان.
ياسين عدنان شاعر متحضّر يستقطب الحياة اليوميّة والتفاصيل المذكّراتيّة لتكون جزءاً جوهرياً من شعره، ويستثمر حساسيّته اللغويّة العالية لتحويل ما هو غير شعريّ إلى شعريّ حيث تتأكّد قيمة الموهبة الشعريّة في هذه الجزئيّة، يروي الحادثة الشعريّة وكأنّه يعيشها لحظة الكتابة على نحوٍ يجعل فضاء التلقّي شريكاً في التشكيل، إذ أحسستُ وأنا أتنقّل معه بين الأمكنة والحالات والمواقف: الظاهرة والباطنة، المباشرة والخفيّة، العابرة والماكثة، وكأنّني مقصود شخصيّاً بهذا الترحال الشعريّ المدهش، وكنتُ في غاية الانتباه وأنا أحاول أن أتدخّل نقدياً كي أحاور الواقعيّ مثلما أتحرّى التخييليّ، التقطُ المركزيّ مثلما أنظرُ بعين الإعجاب إلى المهمَل، ألمسُ الأمكنة مثلما تلمسني الأزمنة، وأجالس شخصيّاته الشعريّة وأسمع هسيس أنفاسها ممزوجة مع القهوة والعصير والنبيذ، كلّ ذلك يلتثم على نحوٍ طريف وعفويّ ومتحرّك بأناقة داخل خطوط دفتر العابر وصفحاته وتمثّلاته.
لا سبيل إلى الشعر بلا تجربة ثرّة ووعي مقصود ولغة تعرف طريقها بِمكرٍ على تضاريس الورقة، وقصيدة "دفتر العابر" السيرذاتيّة جمعتْ في قوّة تنويرها الشعريّ هذه الإمكانات وسخّرتها لتكون سنابل الحقل أكثر اكتنازاً، وسيقانها أكثر خضرةً وماءً، وطعمها أكثر إثارةً ولذّة، بما يجعل من ياسين عدنان شاعراً مع سبق الإصرار والترصّد والحضور والفعل والإنتاج، وأعترفُ بأنّني كنت مستمتعاً وأنا أكتب كتابي عن "دفتر العابر" بنوعٍ من التحدّي، يتمثّل في محاولتي الوصول بكتابي ليكون دفتراً للعابر النقديّ بموازاة دفتر العابر الشعريّ، وأعترفُ أنّ اجتهادي هذا أضاءَ ما عَلِقَ بمعطفي النقديّ من بُقعٍ شعريّة أعلنتْ عن صوتي الشعريّ داخل صوتي النقديّ، وأقول هذا تحت مظلّة "دفتر العابر" بأعلى قدرٍ من الاعتزاز ولا أتنصّل منه البتةَ، فأنا واحدٌ في الحالَين لا أتنكّرُ لما بين النهرين من ضفاف مشترَكة وفرح مشترَك وطعم مشترَك.
تتكشّف الرؤية الشعريّة في "دفتر العابر" عن حساسيّة لغويّة مغايرة يشتغل عليها الشاعر في إطار بعث الطاقة الشعريّة الخلاقة في التفاصيل، إذ يُعنى عناية بالغة ولاسيّما في التفاصيل بوصفها العمود الأساس في التشكيل السيرذاتيّ، وهذه التفاصيل تتدخّل في شبكة من التمثيلات الثقافيّة المعبّرة عن جوهر التجربة، وحين تلتئم هذه التفاصيل الشعريّة وتتوزّع على مساحة النصّ بأحيازٍ مختلفةٍ فإنّها تخضع لكثافة كلّ منطقة شعريّة وطبيعة زخمها السيرذاتيّ، وقوّة حضور المكان بفضائه التشكيليّ وحسّه الجماليّ ومرجعيّـه انتمائه وتاريخه، بحيث يبدو الراوي الذاتيّ الشعريّ وكأنّه يروي لذاته قبل أن يروي للآخر والمحيط والما حول.
تتمخّض مقاطع قصيدة "دفتر العابر" عن فعاليّة جديدة في التشكيل الصوريّ تنتقل من الصورة السيرذاتيّة الشعريّة الكبرى، إلى الصور المتوسطة، وصولاً إلى الصور الصغيرة التي تظهر بوصفها بقعاً شعريّة أرجوانيّة مضيئة، تحتشد كلّها في سياق تشكيليّ صوريّ متّحد لتؤلّف الكيان الحركيّ الشعريّ لمفهوم الرحلة السيرذاتيّة، التي لا تتوقّف عند حدود وصف الأمكنة وتثبيت الأزمنة وتحريك الأحداث المركزيّة والثانويّة، بل تسعى شعرياً نحو ابتكار نموذج شعريّ غير مسبوق تحت ظلال "القصيدة السيرذاتيّة"، اصطلحنا عليه في حدود دراستنا لـ"دفتر العابر" بالفضاء الرحليّ السيرذاتيّ بوصفه نوعاً شعرياً جديداً، يمثّل فيه ديوان ياسين عدنان نموذجاً خاصاً بتجربة خاصّة ورؤية خاصّة وأسلوبيّة خاصّة ولغة خاصّة.



.png)

.png)






.png)
