يا شوّامي يا رايحين الشام (2) | محمد نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

نسمات طريقة منعشة، تلثم الوعر العطشان، وطيور السمّن والشحارير تتقافز على شجر القاتِل وعناقيده الحمراء الغامقة، الناس لا يقرطون ولا يحطّبون الشجر المثمر، الزعرور والقبريش والقاتل والنجاص البري والحاحوم، الناس وْلاد حلال، تتعيّش عليه الطيور

غزلان الندى المبعثرة العالية في السماء، تطل على الشام، والقبّرة الصادحة ببهجة وهداة بال، تطل على الشام، تزغرد وتفرفر بجناحيها، ترقص وتغني، وحوّام الربيع العائد الى وطنه في الشمال، يطل على الشام، والقائد يسوّي الصفوف، ويلم شمل الرّف، الذي يطير على مهله في الأعالي العذبة المنعشة. مرة واحدة كنت في الشام، كنت من الشوّامي، الذكريات تحوم كالحوام، مبعثرة كغزلان الندى التي ترقّط السماء وتنمّرها، الدنيا منمّرة، وفي جبالنا في يوم من الايام عاش النمر المرقّط، سمعت صوته وهو يزمر.

نظري لا يزيح عنها، العراقية البنيّة تطل من تحت النقاب الخفاق مع الدبكة الشمالية، والثغر الصادح الباسم، يكشف عن اسنان بيض نديّة كزهر النجاص الوعري البري في موقع كروم النجاص فوق فرّاضة المدمرة الخاوية، الاشواك والحشائش تتعبأ في الزيتون المتروك بين السريس والسنديان، الزيتون لا يموت حتف أنفه.

وكان يوم من تلك الايام البعيدة، ايام الصّبا والشباب، كان ذلك في الخريف، في موسم الزيتون، على طريق وادي الضحيّة، لو اعرف من اطلق هذه الاسماء المعتّقة الجميلة على المواقع، عين الحِذْرِه، الريف، عمّورِه، طُبَيّه، سوسْيا، عين صفوة، القطْعَه، خلّة ذْويقه.

كانت مروّحة على طريق وادي الضحيّه، مع حِمل الزيتون على الدّابه، ونسمات طريقة منعشة، تلثم الوعر العطشان، وطيور السمّن والشحارير تتقافز على شجر القاتِل وعناقيده الحمراء الغامقة، الناس لا يقرطون ولا يحطّبون الشجر المثمر، الزعرور والقبريش والقاتل والنجاص البري والحاحوم، الناس وْلاد حلال، تتعيّش عليه الطيور، لحقتها من ورا لوَرا، وهي ترودِح بصوت عطوف رجْراج وتنهر الدابة المحمّلة.

على كتفي جعبة فيها شدّة دِبق عرموني من لبنان، وعلى الدبق نصيد العصافير والسمّن والشحارير، بعد يوم من فْراط وجول الزيتون السوري او الصوري، الدنيا صحو، صحوة الفلاح، في يوم تشريني، ومعي عدد من ديوك السمّن والشحارير، من الصيد، الطيور الميتة، مغمضة العيون، ومن هذه المناقير والمناقد كانت تغني أغنيات الفرح والحياة.

-         يعطيكي العافِه

-         نقّزتني، الله يعافيك، باينْ مْروح من هون!!

-         (...)

-         وَلاّ درب القيظ عوجَه!!

-         باين لحالِك

-         ربعنا نقلوا على الريف،

-         بتعرفي شو كانت أحلى مرّة في حياتي

-         الا ما تْقول، شو بعرّفْني،

-         وانتِ تغني يا شوّامي يا رايحين الشام.

لحظات صمت، الذكريات تروح وتجيء، بلا سُدود وبلا حدود. كم أحن الى صوتها العطوف الحنون، والى تلك الامسية مع الصبايا والشبان من الطلاب الدارسين في الاتحاد السوفييتي ومن الخريجين وهم يغنون:

موسكوفسكايا فيتْشيرام – أمسيات موسكو، لو ننقل أغانينا الى العالم، ولو يقيم طلاب وخريجو المجر وبلغاريا وبولونيا وبقية البلدان أمسيات، يغنون وينودون برؤوسهم ويتمايلون وعلى وجوههم ذكريات عامِرة، وكذلك من إيطاليا التي ابتلت بالكورونا، وأغنية النصر: تشاوْ تشاو تشاو بِليا تشاو.. وكوبا وغوانتناناميرا، وبحيرة البجع، وصوت فيروز والرحابْنه، والعاشقين:

ويقول محمد أنا أولكو

  خوفي يا عطا أشرب حسْرتكو

ويقول حجازي أنا أولكو

  ما نْهاب الرّدى ولا المنونا

الذكريات تتموّج، الفكر يقوم برياضة بدنية، والنظر والسّمع.

صوتِك حلو بطوّل العُمُر، والعراقية البنية، والنقاب المرشوش، والسوالف.

باين داقِق نظرك مْنيح.

الشمس تبعث طلائعها فوق الجبال، هادئة حذِرة كمجموعة استطلاع، والأنصار أتقنوا الاستطلاع في الحرب ضد النازية، كوفْباك العجوز الشجاع المحنّك، وميدفيديف، وكوزنتسوف، ينسابون كالنمور الى خطوط العدو، وعجوز الفييتكونغ، مثَلها النّمر، وهي تشارك في تدمير طائرات الامريكان.

لو نقرأ اليوم عن تلك الأيام، قصة الرعب والجرأة، مطلوب حيّا، كان هذا في ضواحي روفِنو.

مالَ حِمل الدابة، عديلة الزيتون المحزّمة، والزيت معرِّق على خُصم العديلة. قُدّ العديله من خصمها، فهل تظل هذه الكلمات وأسماء المواقع حيّة عائشة بين الشباب من جيل اليوم!!

-         مال الحِمِل.

-         ايدي في إيدها ونحن نعدّل الحمل الثقيل على ظهر الدابة المعذبة الناحطة في الدرب الوعري الصعب، الدابة تلهث وهي تصعد ناحطة على الدرجات الصخرية.

-         يدها وافرة، بعثت موجات استطلاع في الفكر والقلب، قِبّ العديلة من خصمها يا ولد. وجهها تعبان وعرقان، مسحته في مملوكها، صار أحلى، فما كان مني إلا ان غِرت عليها في قبلة متهورة على الخدود، وعليها حبّات نمش خفيفة مرشوشة.

شهقت، وبصوت متقطع غاضب:

-         إي إي إي، ليش عملت هيك يا قليل الحيَا

لا حَيا ولا نَيا.

-         هيك عنّ على بالي، زْعلْتي.

-         هو بس زْعلت!! عمَل واطي، أخذتني بوقة.

الذكرى عِكرة تعكّر الفكر في الفجر المتقدم، والعصافير تزغرد، تستقبل الصباح الجديد بحبور، وهي تتروّق على الموسم وتترزق.

الوعر على طريق وادي الضحية، يبغم ويرشح مع النسمات الطرية والهبّات المولولة، تتعبأ في السنديان والقاتل والبطم والملّ، وتتهيأ لتنتعش بموسم الغيث العميم،

وقانا لفحة الرمضاء واد

  سقاه مضاعف الغيث العميم

نزلْنا دوحه فَحنا علينا

  حنوّ المرضعاتِ على الفطيم

-         تِزعليش، هاتي أبوس إيدِك

-         تبوسك حية رقطا.

للعيون دورها، اجت العين في العين، كلا هي ليست غاضبة الى هذه الدرجة.

أعطيتها عددا من طيور السمّن والشحارير، في البداية تأبّت، وكشرة باسمة على وجهها، تتعايشان معا. وأنا أملّي نظري من العيون الشّهل. الغضب يذوب على مهله ويغادر، كالندى الرقاد، يذوب تحت اشعة الشمس المقتحمة، والايام تفعل فعلها، والإقدام والإصرار، صرنا نلتقي في الوعر، والوعر ستّار، والليل ستار. بدنها ناعم كالغيم، أبيض نقي حيّ، نلتقي في هذه الايام، على الدروب وفي المناسبات، وبلا كلام، وبلا شور ولا دستور، نعرف اننا نشيل هذه الذكريات في القلب، فكيف لا أظل أترنم على اغنية يا شوّامي يا رايحين الشام.

والشام تلملم الجراح، وتصدّ وتردّ جحافل الإجرام، من عرب وإفرنج وتُرك.

العيون ترغرغ بدموع الفرح، والأمل الرحب القاحم كطلائع الشمس في موجات استطلاع، تحبو وتزحف كالنمور، نمور كوفباك وميدفيديف وكوزنتسوف، وعجوز الفييتكونغ، اليابانيون كسروا اسنانها، ثم راحت تدمر الطائرات.

والفكر يفاخر باقتحام محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، ومن سجن عكا طلعت جنازه،

الأفق ينشر على الكون لونه اللهبيّ الناريّ، والجبال المعظّمة الوقورة تتورد بالشمل في صباحية يوم عامر جديد.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين