الصديق يحيى عطالله ابن يركا الأصيلة يحلق في ديوانه هذا "بساط الروح" على أجنحة الكلام فيطيعه الكلام ويحلو له الجرس الموسيقي ويتنقل في بستان بحور الشعر بدءًا بالبسيط وانتهاء بأصعب البحور البحر الطويل، لا يخشى الغرق ولا الضياع لأنه واثق من كل كلمة يقولها ومن كل بيت يدبّجه ومن كل لحن ينشده لأنه يصبو أبدا الى الجمال وإلى تحقيق الذات والترفع عن البساطة إلى شيء من التعقيد الجميل.
هذا الديوان فيه الكثير من التجديد والخروج عن مـألوف ما عهدناه من الأستاذ يحيى عطاالله، ففيه سياحة جميلة بين بحور الشعر لا يهدأ على بحر ولا يطرب على سباحة بين الأمواج العاتية المتدفقة من حوله فيجمع أشلاء الكلمات ويحسن صياغتها لتبدو كالعروس في ليلة جلوتها، إنّه يحلق على أجنحة بحور الشعر حتى الصعب منها فترتقي القصائد إلى المعاني البعيدة وإلى ما هو جديد وغريب أحيانًا. بساط الروح اذن هو ديوان شاعرنا يحيى عطاالله وهو في هذا الديوان شاعر مجيد ومغامر يسبح في بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي فيحسن السباحة ويطارد على حصان الشعر خيالاً لا يشق له غبار فيحسن السباحة ولا يعرف الهدوء لأنه كثير الحركة سريع رد الفعل ومتنوع الابداع.
في هذا الديوان يثبت أن الشاعر الحقيقي يستطيع أن ينسج شعره على جميع بحور الشعر ولكنه يتوقف قليلا عندما يصل الى المتنبي فينتقل الى البحر الطويل وهو كما ذكرنا أصعب بحور الشعر، فيبدع في خطابه للمتنبي ويشعر بهيبته في كل بيت من بيوت شعره وذلك احتراما منه لشاعرية المتنبي ومستواه الشعري حتى يشعرك أنه انما يكتب هذه القصيدة او تلك وهو صاح وواع الى أن المتنبي شاهد على ما يقول وينصت لما يقول، ولذلك فإنّه يشعر أنه صغير أمام عظمة المتنبي وشاعرية المتنبي فيصبح كثير التماهي معه يستحضره ليسمعه ما يريد قوله فيشعر القارئ عندما يقرأ قصيدة أو حتى بيتا من الشعر برغبة في الاستزادة، وعندما ينتهي من صياغة قصيدته لا يكون واثقًا من أنه وصل الى نهاية ما يريد قوله للأسباب التي ذكرناها. هذا الاستحضار لشخص المتنبي ولشاعريته فيه شيء كثير من التماهي والاحترام لشاعرية المتنبي ذلك الشاعر الكبير الذي ملأ الدنيا شعرا وبطولة بالكلمات والتجديد حتى ولو مرت مئات السنوات على ما كان المتنبي قد أبدعه في شعره خلال حياته.
ان هذا الاستحضار للمتنبي لا يعيب شعر شاعرنا الاستاذ يحيى عطاالله بل على العكس من ذلك انه يرفع من مكانته بين شعراء اليوم لأنه انما يعبر من خلال شعره ليس كانسان بل كشاعر مجيد ومجدد في آن واحد.
ومع قوة السبك التي يتحلى بها صديقنا يحيى كان لا بد من وقوع بعض الاقواء في احدى قصائده التي كتبها على البحر الطويل والذي تفعيلاته كما يلي:
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن -- فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن
ومن جوازات هذا البحر نقول مفاعلن بدون الياء وهذا لا يقلل من وقع هذا البحر في نفوس القراء أي يصبح فعولن مفاعيل فعولن مفاعيلن أو مفاعلن وهذا جواز في البحر الطويل.
أما الاقواء الذي وجدته ففي قصيدته بعنوان المتنبي صفحة رقم 41 عندما وصل الى البيت الذي يقول فيه:
ابا الطيب ارقد ملء جفنيك لم تزل - تسهرنا وأنت في القبر نائم
هنا وردت واو الحال قبل "وأنت" ضعيفة وقد كسرت الروي الشعري ولو كان استبدلها بحرف اذ الظرفية المكانية لكان أفضل وأقوى. ونحن لا نستطيع أن نفرض على الشاعر ما يريد قوله ولكن لنا الحق في ضمان أن يكون الشعر متمشيا بشكل أكثر سلاسة مع البحر الذي يكتب الشاعر بموجبه قصيدته.
كذلك إذا انتقلنا الى البيت الذي يقول فيه: "وأنت الذي لقدر نفسك حافظ - وأنت الذي بسر نفسك عالم - لو كان قال وإن الذي في قدر نفسك حافظ والشطر الثاني يجب أن يكون وأنت الذي في سر نفسك عالم!" هنا وجدنا أن الشاعر كسر الوزن العروضي لأن الشعر لم يحصل على الروي كاملا كما يتطلب الميزان العروضي.
فيما عدا ذلك لم أجد ولا هفوة واحدة وإننا اذ نقول ذلك فنحن نعذر الاستاذ يحيى لأن تقليد المتنبي صعب غاية الصعوبة وقد نجح استاذنا في اقتفاء أثر المتنبي بشعر جميل متزن وذي جرس موسيقي متكامل على مختلف بحور الشعر التي نسج على منوالها في هذا الديوان.
ننتقل الآن الى قصيدته بعنوان " المتنبي" وهي أيضًا على البحر الطويل فقد وجدنا فيها البيت التالي الذي يقول فيه:
تغرب لا مستعظما غير نفسه – بعين عظيم يبصرون الأعاجم
ما وجدته هنا أن شاعرنا في غمرة من حماسه لتقليد المتنبي في شعره أدخل نائبي فاعلين لفعل واحد وهما الواو في الشطر الثاني والأعاجم بعدها لأن يبصرون فعل مبني للمجهول فتكون الواو نائب فاعل أول والأوائل نائب فاعل ثان وهذا اقواء مرة أخرى، فكيف استقام الوزن معه وقد كسرت اللغة في جواز لا يصح من حيث قواعد العربية.
بعد مراجعة الديوان مراجعة سريعة وجدت أن أكبر قصائده جاءت على البحر الطويل. في هذا البحر استطاع الاستاذ يحيى أن يطوف بنا طوفة واسعة بعد أن طوّع البحر الطويل ووجد نفسه مسترسلا في شعره على هذا البحر الذي فيه الكثير من الجمال على الرغم من صعوبة كتابة الشعر على وزنه. ولكن الاستاذ يحيى انما يحاول هنا أن يثبت مقدرته على الشعر بموجب البحر الطويل وهذه شهادة له على طاقاته في هذا البحر المعجز كشاعر. هكذا وجدناه يتنقل في حديقة الشعر بين مختلف بحور الخليل بن أحمد فينسج على البحر البسيط والخفيف والوافر والكامل وغيرها من بحور الشعر وهو بذلك انما يثبت أن له باعا طويلة في كتابة الشعر الموزون المقفى، ونحن نعرف أن معظم شعرائنا اليوم انما يكتبون الشعر الحر ويبتعدون عن بحور الخليل لأن ذلك أسهل عليهم ولأنهم لا يجيدون كتابة الشعر الموزون المقفى كما لمسنا لدى الاستاذ يحيى عطاالله. وفوق ذلك دعي صديقنا هذا الى سهرة خاصة منذ ثلاث أو أربع سنين لإلقاء بعض قصائده ففاجأنا بقصيدة من مائة وخمسين بيتا عل البحر الطويل وذلك من باب التحدي للبحر الطويل وقد نجح فيه كثيرا.
أخيرا أقول: ما وجدته في هذا الديوان كان غريبا الى حد كبير، لأن بعض القصائد خرجت عن مألوف ما عهدناه عند شاعرنا ففيها الكثير من الفكر الواعي والانساني وفيها استعراض لما يفكر فيه الاستاذ يحيى أحيانا فيخرج حتى عن بحور الشعر في شطحات فكرية هي كل ما جادت به قريحته من الأفكار الانسانية والاجتماعية والتقدمية الواعية والتي تخاطب العقل قبل المشاعر والشعر من الشعور كله مشاعر. ففي القصائد التي انهى ديوانه بها وجدت شاعرا مفكرا وانسانا بكل ما تحمله هذه الكلمات من معان، انسانا مفكرا اجتماعيا وباحثا في معاني الحياة والعلاقة بين الانسان وأخيه الانسان ولكنه يستحضر اول من نزل الى القمر وهو نيل ارمسترونغ ويحمل منه فكره وما يمكن أن يكون قد فكر به وهو ينزل الى القمر للمرة الاولى فينظر الى الأرض ويحاور نفسه داعيا القارئ الى النظر بعين ارمسترونغ وهو يزرع العلم على أرض القمر كما يخاطب ابنه ويخاطب الانسان والمرأة وغير هذه العناوين فيبدو شاعرا مجيدا ومفكرا اولا وقبل كل شيء ويقنعنا بفكره الانساني التقدمي الذي لا يحجب محبته عن الآخرين. لذلك يكون هذا الديوان ديوان محبة الانسان من حيث كونه انسانا.
فتحية خالصة لك استاذ يحيى عطاالله والى الديوان القادم بإذن الله!
كفرياسيف آذار2022



.png)

.png)






.png)
