لقريةٍ نُحبّها لروحها السّمحاء/
لِأنّها أرْضَعَتِ الأجيالَ مِن تُربتها السّمراء/
وَرَبَّتِ النّشءَ على الشّموخ والإباء/
فقال بعضُ النّاس عنها: قرية حمراء/
هذا نزر يسير ممّا نظمه الكاتب الشاعر الرّاحل: حنّا إبراهيم/ البعناوي (1927 – 2020).
تتجوّل، تصول وتتمعّن مُتمتّعًا في خمائله وبساتينه وحقوله ومحاجره ومقالعه الصّوّانيّة، والقامة الشّامخة كشموخ موقع (البيار)، لِتطلَّ على الوطن باتّجاهاته الأربعة، مُضيفًا إليها الأفق اللّا متناهٍ بِزُرقَتَيْهِ السّماويّة والنّيليّة، والجبال والمروج الخضراء، مع الأودية والأخاديد، والتّين والزّيتون وطور سينين وهدا البلد الأمين، والشّاغور يشغر وَيَشْعَرُ شاغرًا وشاعرًا وسامرًا وعامرًا، ليؤكّد للقاصي والدّاني: هنا نحن مُنزرعون، مُنغرسون، مُتشبّثون، مُنْذُ قيلَ: كوني فكانت.
تتمتّعُ ببعض أغراسه، أزاهيره، منحوتاته الفنّيّة، ومُدّخراته الأدبيّة، فلا يغيب عن بالك: أزهار برّيّة، ريحةُ الوطن، الغُربة في الوطن، صوتٌ من الشّاغور، ذكريات شاب لم يتغرّب، هواجس يوميّةٌ، نشيد للناس، شجرة المعرفة، موسى الفلسطيني، أوجاع البلاد المقدّسة، عصفور من المغرب، صرخةٌ في واد...
وتقرأ في إهداءاته: إلى أُمِّ إبراهيمَ التي طالما استعاضتْ عن الذّهب بكلامي الذي قلّما بلغ قيمة الفِضّةّ. وإذا به يُمْطِرُكَ بينابيعَ رقراقةٍ حلالًا زلالًا شلاّلًا، بتيّار كهربائيّ مُنعش:
-إلى الأديب المُبدع والمُقْنِع، مع مودّتي وتقديري وإعجابي، إلى ألأخ والزّميل المحترم، مع مودّتي واحترامي، إلى الصّديق العزيز الكاتب المبدع، مع إعجابي واحترامي، إلى الأخ العزيز...، مع مودّتي وتقديري واحترامي.
والتقينا عديدًا في مناسباتنا الاجتماعيّة، السّياسيّة، حزبيّة وغير حزبيّة، وندوات أدبية في منابِرَ عامّةٍ ومدارسنا المعطاءة، ولربّما اختلفنا أحيانًا في بعض المواقف والآراء، وهذا شيء طبيعي، ينطوي تحت مقولة: اختلاف الرّأي لا يُفسد للودّ قضيّة، لتبقى مودّته واحترامنا له لا يعرفان الحدود.
هذا رذاذ من فيضه وسخائه، وعيّناتٌ مُقتطفة على جناح السّرعة، حاولنا أن نخوض غمار بحره الهائج وَيَمِّهِ المائج، التقطنا بعض الدّرر الغُرَر، فكأنّنا مع شاعر النّيل الابراهيمي الآخر القائل:
أرْجَعْتُ لنفسي فاتّهمْتُ حصاتي/وناديتُ قومي فاحتسبْتُ حياتي
فيا وَيْلكم أبلى وتبلى محاسني/ وفيكم إنْ عزَّ الدّواء أساتي
أنا البحر في أحشائه الدّرُّ كامنٌ/ فَهَلْ ساءلوا البحرَ عن صدفاتي
* هذا هو حالُ حافظ وألمُهُ ووجعُهُ، أما حال زميله حنّا فهو:
وتُسائلُ الصّحراءُ /أين العاصبو الكوفيّة البيضاء
لكن يُحيّرها سؤال/ عرب يقاتل بعضهم بعضا
وما هو في سبيل الله/ والوطن المُقدّس، القِتالُ
وعن يوم الأرض قال (حنا البعناوي):
وهو كالنّاصري إن يصلبوه/ظلّ حيًّا مصلوبه والدّفين
فاصْلبونا نَقُمْ بعدَ ثلاثٍ/ واسْجنوا، فهل تُخيف السّجون.
حين تُقْلِعَ من موانئه ومنازله البرّيّة، الجوّيّة والبحريّة، على حدّ سواء، تجد نفسك مع القاضي الأرجاني في جناسه المقلوب، يمينًا ويسارًا معًا:
مودّتُ/هُ تدوم /لك/لّ هو/ل وه/ل كلّ/ مودت/ه تدوم
نرتع في حقول الشّاغور، رغم ما أحاقه من مَكْر سيّء وَنَهْش في الأرض، وأبو ابراهيم شاهد عيان (شاف كلّ حاجة) كما يقول قوم عبد النّاصر في عليائه، والبعناوي يقول:
أستميح العُذْر/ إن لم أذكر اسم الرّب/لم أرسم على الصّدر صليبًا أو هلال/ وإذا أدركني العيد ولا/ خيل أهديها وما عندي مال....
في مرثيّة حنّا لرفيقه يحيى الذّباح (أبو خالد)، دير الأسد، قال بألم:
وَلَو أنّ طولَ العمر رهنُ محبّةِ/ الأصحاب، رُمْتَ إلى الخلود سبيلا
حمّلْتَ قلبكَ همَّ شعبِكَ فاسْتَرِحْ/ستظلّ ضمنَ قلوبنا محمولا.
ثالوث مقدّس: آب وابن وروح قدس، يوحنّا حنا ويحيى، وثلاثة سماويّة: القديم والجديد والكريم، ثُمّ إبراهيمُ وإسماعيلُ وإسحاقُ، وثلاثة حجّارين مِعْمَرْجِيّين: علي الحجّار شيخ المُطِلّة/أمُّ طَلّة الذي اغتيل في وسط العقد التّاسع من القرن التّاسع عشر، لِتَبْطُشَ الحركة الصّهيونيّة في ربوعها وسهلها ونهرها وشلاّلها وتهجير أهلها وتشتيتهم، بالتّواطؤ مع عملاء السّلطنة العثمانيّة، وَلِتُجَيَّرَ إلى: مِطولة العبريّة، ومقبرة الدّروز فيها يأكُلها الهَشْلَم والهشيم والنّباتات البرّيّة، والقبور ما زالت تصرخ وتستغيث، وما من مُجيب!
نتوقّف في رحاب عيد لِدّ المُقبل علينا، وهو عيد القدّيس جوارجيوس/غريغوريوس: الزّرّاع/المُزارع، مار إلياس، الخضر، كنيسة ومسجد في الّلد/الرّملة، لنعيد إلى الذّاكرة: بِعيد لدّ شِدّ يا فلاّح شِدّ ما بقى للشّتا تْعِدّ، الّلي ما شدّ يْشِدّ، بعيد لدّ أُحْرُث وْقِدّ، بعيد لد لا بُدّ من المطر لا بُدّ.
الراحل الباقي، أبو إبراهيم زيتونة الدّيار المُقدّسة، والزّيت يُشبّه بروح الله في مَثَل العَشر عذارى الحكيمات والجاهلات، واعتُبِر الزّيتون البرّي، كناية عن الرّجُل الوثني، أمّا الجُوّي فكناية عن كنيسة السّيّد المسيح، عليه السلام، وذُكِر استعمال الزّيت في شفاء المرضى، وأبو إبراهيم كَ: زيتونة لا شرقيّة ولا غربيّة، يكاد زيتها يضيء، ولو لم تمسسه نار نور على نور...
هذه هي بعض ملامح وكوابح الشاعر النّاثر، الثائر الصّابر حنّا إبراهيم، ابن الوطن المعطاء، ابن الجيل المخضرم، المهنة حجّار، تيمّنًا بمطران العرب غريغوريوس الحجّار، ولقب غريغوريوس يعني المُزارع، فإذا الاثنان يمتهنان نفس المهنتين: القلع والزّرع، بكلّ ما تحملان من المعاني، القريبة والبعيدة، شموخ وإباء، استقامة وسخاء، التّمسّك بالجذور والأصول.
نَمْ قريرَ العينَين أيّها الفارس الغارس المُترجّل! يكفيك ما غرستَه من أشجار يانعة، بعد اقتلاع الصّخور وتعمير الدّور، والعطاء والسّخاء بِشَمم وإباء، لِأسْرتك الكريمة حُسْنُ العزاء والمواساة، وَلَكَ الرّحمة، وعلى درب رسول المحبّة والسّلام: مَن آمن بي ولو مات فسيحيا!
(ألقيت في حفل تأبين الأديب الوطنيّ يوم الأحد 17/10/2021 في قاعة قصر الباشا في قرية دير الأسد)
.png)


.png)

.png)






.png)

