يوم المرأة يوم عيب على الرجل| إبراهيم طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

الإنتاجية مفتاح الاستقلال. مِفتاحٌ لا يصدأ ولا ينفلّ ولا يبلى. والاستقلال ضدّه استعمار. استعمار المرأة مؤشّر عكسي لطاقتها الإنتاجية. والإنتاجية لا تتحصّل إلا بأدوات إجرائية: المعرفة والعلم. والعلم يقتضي التحلّل من سطوة الجغرافيا. والجغرافيا منزل يظلّ ينحسر حتى ينحصر في حدود المطبخ. والمطبخ رديف المرأة. رديف معجمي. من مرادفات لفظة "أنثى" في المعجم المعيشي العربي "مطبخ". وهذا نعرفه بطريقتين: التجربة المتراكمة والدرس الموجّه. مقالي عن هاتين الطريقتين. الأولى تقف في صميمه أمي، رحمها الله، وهي أيقونة استعارية لأدب الواقع، والثانية تمثّلها امرأةٌ هي رمز مفتوح لواقع الأدب. أمي أيقونة استعارية لآداب الواقع كلها: أدب الأمومة والعمل والاجتماع والاقتصاد والدين الفطري الحنيف... وفي الثانية امرأةٌ هي رمز لجدّاتنا وأمهاتنا وأخواتنا ونسائنا وزميلاتنا يعكس صورَها وسلوكيّاتها وأخلاقيّاتها الأدبُ العربي في أنساق كتابية تصرّ على أن تستمرّ.  

أعترف أنّ "يوم المرأة" أو "المرأة في يومها" يربكني، بغضّ النظر عن الصياغات، لأنّ المرأة فيه استثناء. لأنّ المرأة فيه "آخر". يربكني ويجعلني أتململ في مجلسي لأنّ الرجل فيه نموذج مثالٌ للقياس. به أو عليه نقيس "أخرويّة" المرأة و"غيريّتها" وحقيقة انزياحها عن النموذج المثال. الرجل أصل وجوهر والمرأة عَرَض. وهذه الحالة من الارتباك والتململ ترافقني كلّ سنة من جديد، حتى صارت النسويّة ظاهرة سنوية. مؤسف. أن نجعل للمرأة يومًا "نكرّمها" به أو به نحتفي بها ونحتفل يعني أنّ دواعي التكريم والاحتفاء والاحتفال ما زالت قائمة، يعني أنّ دواعي التخصيص ما زالت فاعلة. يوم المرأة يعني أنّ المرأة ما زالت تحتاج إلى يوم يذكّرنا بالمهانة اللاحقة بها. يوم المرأة يوم عيب على الرجل.  

قلت إنّ أمي، رحمها الله، أيقونة استعارية لأنها نموذج حيّ لكلّ امرأة اخترقت جدران المنزل، على وضاعته ووهنه، وخرجت إلى فضاء أرحب. خرجت وعملت في أرضها وزرعت وقلعت وطعمت بعرقها وربّت وأنشأت على قيم العمل والإنتاج. العمل في الأرض عندها وعند مثيلاتها مسألة وجود. بهذا كله كبرت أمي في عيني نفسها وفي عيني أبي وفي عيون بناتها وأبنائها وفي عيون الجيران والناس والأهل. كبرت وعظمت. وأمي لم تكن استثناء. هكذا كانت نساؤنا عاملات منتجات مكافحات مجاهدات.. يستحين من عرق الرجل. يستحين من عرق الرجل إذا قررن في بيوتهن وظللن ضمائر مستترة مضمرات.   

أمي، ككلّ أمهاتنا وجدّاتنا الأصيلات المكافحات، نسويّة بالممارسة. نسويّتها فطرية لا ترافقها فذلكة النظريات أو متاهات الفلسفات. أمي هي أيقونة استعارية كتب عنها محمد نفاع في أدبه فكتبها بصدقِ خبيرٍ وعمقِ مجرّب. محمد نفاع جعل للمرأة أيامًا تتحرّك فيها وتدور. مع مدار الفصول وتعاقب المواسم تدور. وإلى جانبه يبرز كاتبان آخران يوسف إدريس وزكريا تامر. هؤلاء الثلاثة أكثر الأدباء الرجال نسويّة في الأدب العربي كله على المسارين التراكمي والنوعي على حدّ سواء. ما يعني أنّ المرأة عندهم ليست مسألة ظرفية أو مرتهنة بمناسبة عابرة أو مقام مؤقّت. وما يعني بالضرورة أنّ العمق الفكري، الذي ينهض عليه مشروعهم النسوي، مسحوبٌ من مرجعيات أيديولوجية واضحة، تتآلف رغم اختلافاتها في منظومة ما بعد الاستعمار (Post-Colonial Theories). منذ سنوات وأنا أحرص على تدريس مساق متقدّم لطلبة الماجستير والدكتوراة عن النسويّة في الأدب العربي الحديث. وعن هذا الموضوع كُتبت بإرشادي خمس أطروحات ماجستير ودكتوراة. قرأت الأدب العربي من أقصاه إلى أقصاه لأبحث عن المرأة فيه وعن ظلالها وآلامها وآمالها. قرأت فعرفت أنّ حظّ الأنثى فيه مثل حظّ الذكرين. تكتب المرأة في قضايا النسوية ضعف ما يكتبه الرجل. والأمر طبيعي لكنه غير معقول.

النسويّة أيديولوجيا. ولأنها أيديولوجيا فهي لا تنحصر في البيولوجيا. فقد يؤمن بها الرجل مثل المرأة تمامًا. والمرأة، كالرجل تمامًا، قد تؤمن بالشيوعية مثلا لأنها أيديولوجيا ليس لجنس المخلوق دور فيها. وحين يكون الرجل نسويًا حقيقيًا لا مُرائيًا لا يمكنه أن ينطق من حنجرة الذكورة. لا يَتَنَسْوَن الرجل في أدبه تعاطفًا أو تضامنًا مع "آخر". لأنّ المرأة عضوية غير مقحمة في هويّة الرجل، مثلما أنّ الرجل عضويّ في هويّتها، فلا بدّ من الحديث عن همّ إنساني واحد. ولنا في قصّة "تمرين في الدفاع المدني" للأديب محمد نفاع مثال على ما أقول. حتى أنّ صوت "عمّتنا" يتقاطع ويتشابك في آخر القصّة مع صوت زوجها ذيب ليصير صوتًا إنسانيًا واحدًا يقفز عن البيولوجيا وتصنيفاتها الجنسية. أذهل القاضي هذا التداخلُ الصوتي الحكيم والنطق من حنجرة واحدة. أسلوب ذكي للتعبير عن هذه الفكرة. ومن هذا المنظار رفضت نسويّات كثيرات وسم الأدب بالنسويّة ومحاصرته في مفهوم فئوي بيولوجي.  

الأدب أحد الأذرع الإجرائية القوية والطويلة للفكر النسوي. يوظّف النسويّون، من الجنسين، الأدب للدفع بالهمّ النسوي إلى مقدّمة الاهتمام الإنساني. والهمّ النسوي في الأدب العربي الحديث يمكن إيجازه في ثلاث حالات: (1) الذكر، وهو حالة بيولوجية، (2) الرجل، وهو حالة أخلاقية، (3) الفحل، وهو حالة سلوكية... وهذه تتوازى مع ثلاث غايات كبرى وتتقاطع: (1) تقويض مفهوم الذكورة، (2) تقويض مؤسّسة الزواج، أو إعادة تعريفها وترميمها بما يتناغم مع أعراف الرجولة الحقيقية، (3) ضرب السلوكيّات الفحوليّة... وحين يستفحل الذكر يتحلّل من الرجولة ومعاييرها الأخلاقية المثالية ليعود إلى حالته البشرية البدئية، التي سبقت الإنسانية، ويصير أقرب في سلوكه إلى الحيوان منه إلى الإنسان. لكنّ مؤسّسة الزواج تظلّ قضيّة القضايا في الأدب العربي النسوي. باسم الزواج تصير المرأة حريمًا. باسم الزواج وتحت جناحيه يمارس الرجل ضدّها أقسى ممارسات الحرام وأقصى أشكال القهر والسحل.  ولنا في الأدب الخليجي مثال مخيف.

سلّطت المجتمعاتُ الذكرَ على الأنثى منذ كانت. ومنحته امتيازات يستعمر بها المرأة ويصادر مشيئتها. صحيح، تختلف المجتمعات بعضها عن بعض في التفاصيل في كمّها وكيفها. لكنّ هذا هو واقع الحال على عموم الأمر وإطلاقه. والدليل الأول على ما أقول هو أنّ المرأة ما زالت تحتاج إلى "يوم" ذكرى، يذكّرنا بما تقترفه أيادينا بحقّها. والدليل الثاني حاجة الإنسانية إلى أيديولوجيا نسوية تنتصر للمرأة. وليست هناك حاجة مثلها في أيديولوجية توازيها للرجل. لكنّ هذين الدليلين علامتان أيقونيّتان حاسمتان جازمتان لما يحصل بالفعل في الواقع المعيش. وهو فوق الأدلّة كلها. حين يغير الرجل على المرأة تراه يحرص على تسويغ فعل الإغارة  بمنظومة اصطلاحية ابتدعها بكاملها لهذه الغاية. هذا بالضبط ما يسمّونه الجندرية أو الجنوسة (Gender). التفكير الجنوسي هو تفكير اجتماعي يتحرّك فيه الرجال كرزمة واحدة موحّدة لتثبيت تفوّقهم على المرأة وتكريس سطوتهم عليها. يحمي الرجل ذكورته إلى حدّ الفحولة والاستفحال بمنظومة "أخلاقية" يفصّلها على قدر حاجاته، تصير بالتراكم والتداول أعرافًا اجتماعية "مقدّسة". وهكذا صارت المرأة تُمنح من "حقوق" وتُحرم بقدر ما تسمح به هذه المنظومة التي نسمّيها أحيانًا "أصولا وعادات وتقاليد". ولكم أن تتخيّلوا بعدي عن الهزء بالأصول والعادات والأخلاق الأصيلة التي نتوارثها عن آبائنا وأجدادنا بفخر واعتزاز. أنا محسوب على من يصون القديم ويرعى الرميم. لكنّ الحديث هنا عن أخلاقيات جنسوية تفرّق بين الجنس والجنس تفريقًا مقيتًا لحسابات غير أخلاقية ولا إنسانية. النسوية الحقيقية تثور على كثير من مظاهر الجنوسة عندنا. وينبغي أن تفعل.

 

العمل الفني: حضن أم - عمل للفنان الفلسطيني نبيل عناني

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين