ما كان لسنة 2020، سنة الأسئلة الخطيرة، حول مستقبل العالم والوجود البشري والمنظومة الحاكمة، أن تكتفي بوباء عالمي غير مسبوق خلال القرن، يشل العالم أجمع ويسبّب فوق الأزمة الصحية أزمات اقتصادية لم نرَ منها حتّى الآن إلّا طرفها بانتظار توابعها في الأعوام القادمة، تلك التوابع التي لن يمنعها الخروج من الركود الاقتصادي العالمي بفضل اللقاح لو حصل فرضًا في مطلع العام القادم، وهذا ما لن يحصل بالطبع بهذه السرعة. وما كانت لتكتفي بأن تشغل العالم فوق ذلك بانتخابات أمريكية هي الأشد مفصلية في التاريخ المعاصر وذات اثار كوكبية. ولا بالوقوف المستمر طوال العام على حافة حرب أمريكية-ايرانية كانت لتشعل المنطقة. وأبت أن تنتهي دون أن تضيف الى سجلها الحافل بالأحداث والتحولات المصيرية والتهديدات الخطيرة، في أشهرها الاخيرة، استعادة شبح من بداية الألفية.. شبح "صراع الحضارات" و"حرب الثقافات، وأزمة الـ"غرب" مع الـ"الاسلام"، أو معركة ما نسميه الـ"غرب" مع ما يسميه هو "الارهاب الاسلامي"، اثر الحوادث الارهابية في فرنسا وفي النمسا، وما ترافق معها من استعادة لخطابات قديمة ونقاشات سياسية واصطفافات حزبية في الساحة الثقافية والسياسية الفرنسية بالذات.
شيلدون سولومون عالم السيكولوجيا الأمريكي، الذي أمضى العقود القليلة الماضية يدرس الطريقة التي تؤثر بها أفكارنا عن الموت على قراراتنا وأحكامنا يتحدث عن نظرية "السيطرة على الخوف" المأخوذة من محاولات إرنست بيكر عالم الأنثروبولوجيا الثقافية لتفسير الركائز المحفزة للسلوك الإنساني. وفقًا للنظرية يُعد الوعي بالذات أحد أهم السمات المحددة للبشر؛ نحن أحياء ونعرف ذلك. ورغم ما يستثيره الوعي الذاتي من شعور جامح بالرهبة والنشوة إلا أنه قد يؤدي أيضًا إلى شعور ساحق بالفزع نتيجة إدراك حتمية الموت. فقد يحضر الموت فجأة ولأسباب لا يمكن التحكم بها، فالبشر مخلوقات من لحم ودم- قطع لحم متعفن تتنفس، ليسوا أكثر أهمية أو خلودًا من حيوانات النيص أو شجر الخوخ. وتفترض النظرية أن البشر عالجوا بذكاء ودون وعي تام منهم هذا المأزق الوجودي باستحداث قيم ثقافية تخص تصورهم عن العالم: يتشارك الأفراد ضمن جماعة معتقدات إنسانية راسخة إزاء الواقع تعينهم على "التعامل" مع الهلع الناتج عن إدراك الموت. اذ تقدم كل الثقافات إحساسًا بالمعنى لهؤلاء الذين يمتثلون لقواعدها بتقديمها سردية لأصل الكون، ونموذجًا للسلوك المقبول على الأرض، ووعدًا بالخلود: رمزيًا بتشييد نصب ضخمة وأعمال فنية وعلمية عظيمة، ومراكمة ثروات هائلة، وإنجاب أطفال؛ وحرفيًا كما في الديانات المؤسسية من خلال الوعد بحيوات أخرى على اختلاف أشكالها. لذلك تجمع كل الثقافات رغم تباينها إلى حد كبير وظيفة دفاعية واحدة وهي إضفاء المعنى والقيمة وبهذا تمنح اتزانًا نفسيًا في مواجهة الموت. وتُظهِر مجموعة كبيرة من الأدلة أن لحظة استدعاء الموت -وهو ما يتم عادةً بحثّ الناس على تخيل أنفسهم يحتضرون- تُكثف جهود البشر لحماية معتقداتهم ودعمها، وإعلاء تقديرهم لذواتهم. الاستنتاج الأكثر شيوعًا أن إدراك المرء لحتمية فنائه يعزز من ردود فعله الإيجابية نحو من يشاركونه الأبعاد المقدسة لرؤيته للعالم، ويحفز ردود فعل سلبية تجاه من ينتهكون القيم الثقافية المقدسة أو المختلفين عنه فحسب. في كتابه "إنكار الموت" الصادر سنة 1998 يقترح إرنست بيكر، اعتمادًا على دراسة لماكس ڤيبر عن نمط القيادة الكاريزمية، أنه في أوقات الأزمة عندما يغلب الخوف من الموت يميل الناس أكثر للقادة الذين يوفرون أمانًا نفسيًا بجعل مواطنيهم يشعرون بأهميتهم بصفتهم مشاركين في مهمة عظيمة لاستئصال الشر.
وأنا أدعي أن الارهاب هنا يقدم وظيفة مزدوجة في ترسيخ هذه المعادلة التي يتحدث عنها سولومون اعتمادًا على بيكر، فهو من ناحية ضامن للاستدعاء الدائم للتهديد بالموت، لأنه قد يضرب في أي مكان ودون تمييز اولئك الناس الآمنين في أيامهم العادية، في الشوارع والمقاهي والكنائس. وهذا التهديد بالموت من ناحية أخرى يسهل تمثيله على أنه صادر حصرًا عن الآخر، عن ثقافة أخرى، عن الـ"اسلام" في هذه الحالة. وهو الذي يحرص ايديولوجيو اليمين ومثقفوه واعلامه على تصويره على انه هو بجوهره يحمل "ثقافة الموت". فيصبح التعزيز لتمسك وتمترس الفرد في المجتمع الغربي وراء جدران ثقافته وتعزيز ردود الفعل الايجابية نحو الأفراد الذين يشاركونه فيها بما تضفيه من معنى أمام الخوف من الموت مقابل تعزيز ردود فعل سلبية تجاه من ينتهكون القيم الثقافية المقدسة أو المختلفين عنها مضاعفًا هنا، بقدر ما يكون الآخر وثقافته هو الحامل الدائم والمعاد انتاج صورته في الوعي العام لهذا الموت والتهديد الدائم به، فيصبح من "يستدعي الموت"، الذي يخلق هذه المعادلة اصلاً، هو أحد أطراف هذه المعادلة. أي هذا الاستدعاء للموت، الذي يرسخ بحد ذاته وبطبيعته المجردة معادلة الـ"نحن" والـ"آخرون" ويعزز الجدار الفاصل بينهما، هو في حالة الارهاب هنا، يتم تصويره أنه يصدر حصرًا بواسطة هؤلاء "الآخرين" بالتحديد، ليفعل هنا فعله المزدوج. وفي هذا العام الذي مر علينا بالذات فإن الحوادث الارهابية لم تنفرد وحدها في استحضار الوعي بالموت في الادراك العام، بل جاءت بعد أن قام طوال العام وباء كورونا المستجد بضمان حضور الوعي بالموت بشكل دائم في وعي البشرية جمعاء بما يمثله من تهديد غير مسبوق في القرن على حياة وصحة ملايين البشر، وليس حث "الناس على تخيل أنفسهم يحتضرون" الذي تتكلم عنه "نظرية السيطرة على الخوف" ببعيد عن اي انسان عاش هذا العام في خضم هذا الوباء مهما كان يظن نفسه محصنًا بشكل أو بآخر من مضاعفاته الخطيرة. لتجتمع كل هذه الظروف لتحضير أفضل أرضية ممكنة لاستعادة الحديث عن "صدام الحضارات" و"حرب الثقافات" بالشكل الذي رأيناه في المجتمع الفرنسي بالذات.
وشبح "صراع الحضارات" و"حرب الثقافات" المستعاد في فرنسا في هذه الأيام لا يستعاد وحده بل يستعاد مع كل توابعه المأخوذة هي الأخرى من الخطاب الأمريكي المتصاعد منذ بداية الألفية. المؤرخ الفرنسي اليساري دومينيك فيدال يتحدث في مقال حديث له بعد عملية قطع رأس المدرس في باريس، عن النقاش الدائر في فرنسا وكيف أنه في حين كانت النازية في حملة دعايتها التحريضية ضدّ اليهود والشيوعيين تردد وصمة "البلشفية اليهودية"، وهو مصطلحٌ الغرض منه جمع "الشرين" المزعومين في واحد، وبالتالي توحيد الصراع المزعوم بذات الكيف وتوحيد الموقف منه، ويشبهه بالعمليّة اللغوية-السياسية التي ينتهجها اليمين المتطرف الفرنسي اليوم، إذ يوزع على خصومه، يمينًا وشمالًا، مسلمين ويساريين، وصمة "اليسارية الإسلامية". ويكتب أنه في (طبيعة الحال، فرنسا 2020 ليست ألمانيا 1933. لكن نفس القوى التي عملت على هذا الانتصار النازي هناك وتلك التي انصاعت إلى التعاون معه هنا في فرنسا، هم من يصرخون الآن مجددًا بكراهيتهم، في ظرفية يسودها استقطاب قومي مقلق. "اليسارية الإسلامية" عوضت في أفواههم وصمة " البلشفية اليهودية").
ويتكلم عن أن الخطاب التحريضي هذا قد يحمل النفوس المحمومة بكل هذه البروباغندا أن تحيل الكلمات أفعال عنف، مستشهدًا بحادثة قيام أحد مجهولي الهوية إلى خطّ كلمة "متعاون" -وهو لقب يرمز به للمتعاونين الفرنسيين مع الجيش النازي خلال الحرب العالمية الثانية- على جدار مقر الحزب الشيوعي الفرنسي، الكائن في ساحة كولونيل فابيان –ويقول "أي تناقض هذا، سليل روحي للمتعاونين الحقيقيين مع النازية يتّهم بهذا العار أهمّ حزب في المقاومة الفرنسية!" ويمثل على هذا بنماذج مختلفة من النقاش الدائر في أوساط النخب السياسية والثقافية في فرنسا وخطابها الدارج، فها هو وزير الداخلية، جيرالد دارمنان، يجيب أليكسيس كوربيار (نائب حزب فرنسا الأبية الداخلية) داخل قبة الجمعية الوطنية قائلًا: "لا أتفهم حقيقة أن يرتبط حزب يدين "أفيون الشعوب" بهذا "اليسار الإسلامي" الذي يدمر الجمهورية". أما مانويل فالس (رئيس الوزراء الفرنسي السابق) شارك أيضًا في الهجوم على رئيس حزب فرنسا الأبية ميلانشان: "لقد كان ذا مساهمة كبيرة، ومسؤولية أكبر في كل ما حصل، بكل الروابط التي تجمع اليسار بمحاربة الإسلام السياسي"، والخلاصة هي أن ميلانشان "لم يعد ينتمي إلى الخندق الجمهوري". أما رئيس الوزراء السابق، برنار كازنوف، ينتقد "يسارًا إسلاميًا، ينظر بعيني شيمان إلى عدد من المنظمات الطائفية التي تكنّ غدرًا، كي لا نقول كراهية، للجمهورية".
في حين تعلن المفكرة الفرنسية إليزابيث بادينتر: " م يعد ما يجري قابلًا للحل بشكل سلمي، نظرًا لتماديه. هي حربٌ علينا خوضها". وتندد بـ "من جديد، قسم من الشعب يتساءل: ربما ضخمنا التهديد. أعداؤنا سيستغلون هذا، بمعيّة حلفائهم في اليسار، وهم قسم من فرنسا الأبية، في الجامعات أو في مراكز البحث، يشتغلون على تطوير هذه الحجج البكائية". كما (الصحفية الفرنسية) إليزابيث ليفي هي الأخرى تنبأت قبل أربع سنوات: "البعض، كـأبناء مستعمرات الجمهورية وأولئك الذين لم يتوقفوا على لعب لعبة حرب الجزائر، ليسوا مغفّلين وظيفيين بيد الإسلام السياسي بل شركاء مفترضين في الجريمة. بالمقابل، هناك أقصى يسار للمشهد الإعلامي، حيث يلعب الإسلام، تحت غطاء حرية التعبير، لعبته البالية". أما المخرج إيف أزروال متأكد بأن "اليسار الإسلامي هو تحالف موضوعي بين اليسار المتطرف والإسلام السياسي". ويتساءل: " لماذا يتظاهر هذا اليسار بمعارضته للمؤسسة الدينية، وهل هذه المعارضة تستثني الإسلام السياسي؟".
وهذه العمليّة اللّغوية-السياسية التي ينتهجها اليمين الفرنسي باستخدام وصمة "اليسارية الإسلامية"، بغرض جمع "الشرين" المزعومين في واحد، كما مصطلح "البلشفية اليهودية"، التي لفت النظر اليها دومينيك فيدال في مقاله، ليست تقليدًا فرنسيًا بالتحديد وليست اختراعًا فرنسيًا حصريًا، بل نجد لها سلفًا عريقًا في الولايات المتحدة وفي عمق الخطاب اليميني الأمريكي.
المفكر الأمريكي من أصل ايراني، حميد دباشي يتكلم عن هذا الموضوع بالتحديد، في كتابه "هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟" الصادر في 2016 في فصل بعنوان "المسلمون كتعبير مجازي". يلفت دباشي النظر الى عناوين الكتب التي تعد من الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة: "الحلف غير المقدس: الاسلام الراديكالي واليسار الأمريكي" (ديفيد هوروتيز 2004)، "العدو في الداخل: اليسار الثقافي ومسؤوليته عن 11 ايلول" (دينيس دسوزا)، "الجهاد الأكبر: كيف يخرب اليسار والاسلام أمريكا" (أندرو سي. مكارثي 2010) والقائمة تطول. ويقول انه بالبحث على شبكة الانترنت سواء كان ذلك على موقع أمازون أو المواقع التي تنتشر مثل الفطر او في المكتبات المحلية في أي مكان في امريكا الشمالية أو اوروبا الغربية، سنجد هذه الكتب عادة على رف الكتب الاكثر مبيعًا. وسترى سيل العبارات المتفجرة: "اليسار المعاصر والفاشية الاسلامية"، "الحلف غير المقدس بين الاسلام واليساريين"، "فضح أكاذيب الليبرالية: الزواج الغريب بين الاسلام واليسار". ويقول إن الأمر يشبه صناعة قائمة بحد ذاتها: كتب ومقالات ومواقع الكترونية، مدونات ومغردين ومراكز أبحاث وعنصريين بيض وخبراء ارهاب وصهاينة محصنين ومحافظين جدد. والرسالة بسيطة: اليسار والاسلاميون تحالفا مع بعضهما البعض لتدمير الحضارة الغربية.
ويلفت دباشي بالتحديد الى كتابات واحد من هؤلاء المؤلفين الأكثر مبيعًا وهو دينيس ديسوزا، الذي لديه فكرة واحدة بسيطة في كل كتبه: "أمريكا والمسيحية أعظم ما حدث في تاريخ البشرية وكل شيء آخر-اليسار والاسلام على وجه الخصوص- يمثل الشر المطلق". المسلمون واليسار والمثليون والسود، النسويون ومناصرو التعددية الثقافية تشكل كابوسًا بالنسبة له ولأمثاله. ولكنّه ليس وحيدًا في ذلك، فكتابه على قائمة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعًا، فالناس في امريكا يشترون ما يبيعه وهكذا يسعى اليه المحررون البارزون ويقدمون له عقودًا مريحة وينشرون كتبه في احتفالات فاخرة. ونتيجة لذلك تباع منها أعداد لا تحصى وتتم قراءتها ومناقشتها واستعراضها في المطبوعات ووسائل الاعلان الالكترونية ويتلقى الدعوات لالقاء المحاضرات العامة واجراء المقابلات وهلم جرا. وكل هذه دورة لا نهائية تغذي نفسها تتورط فيها صناعة كاملة وليس مجرد شخص ما أو أفكاره الخاصة. ويقتبس من ديسوزا لأخذ عينة من أفكاره هو المجموعة من حوله: " يتحمل اليسار الثقافي في الولايات المتحدة المسؤولية عن التسبب في أحداث الحادي عشر من ايلول..اليسار الثقافي وحلفاؤه، في الكونغرس ووسائل الاعلام وهوليوود والمنظمات غير الربحية والجامعات هي السبب الرئيس بذلك البركان من الغضب المتفجر من العالم الاسلامي تجاه أمريكا".
يشرح دباشي كيف أنه تم تقديم اليسار منذ الخمسينيات من قبل اليمين ومطاردة المشعوذين المكارثية على انهم كابوس أمريكا وتم اعتبار اليسار طابورًا خامسًا والعدو من الداخل. فإذا كان الاتحاد السوفييتي هو العدو الخارجي فإن اليسار هو العدو الداخلي، الكيان الذي يريد تخريب هذا النظام من الداخل لتعزيز قضية العدو الخارجي. وبالطريقة نفسها التي يعد فيها المسملون اليوم العدو الداخلي، العدو الذي تسلل الى قلب الامبراطورية ليهددها نيابة عن المسملين في جميع أنحاء العالم. ويقول إنّ كل ما يفعله ديسوزا وتلك المجموعة من المحافظين القدامى والجدد وما قاموا به على مدى العقود الماضية هو المساعدة في تحويل الخوف من اليسار واحتقاره، إلى الخوف من المسلمين واحتقارهم وقد نجحوا بذلك بالفعل. وهذا التحويل للمسلمين واليسار إلى بعضهم البعض والدمج بين "خطرهم" المدعى، يعود تاريخه إلى ذلك الزمن قبل أحداث الحادي عشر من أيلول، والذي بدأ بشكل جدي بعد أزمة الرهائن في ايران والثورة الاسلامية هناك. ثم لتشكل أطروحة صموئيل هنتنغتون "صراع الحضارات"، المنظر الرائد للإمبريالية الأمريكية، والتي ترى الاسلام، من الناحية الحضارية، باعتباره العدو رقم واحد للـ"غرب"، ذروة عملية التحويل هذه. المترافقة مع تحويل اليسار من العدو الاساسي، الى المتعاون مع العدو وهو الاسلام وحليفه في تدمير أسس الحضارة الغربية.
هذا النقاش والخطاب المستعاد يذكرني بالمقالة المشهورة للفيلسوف الايطالي امبيرتو ايكو التي نشرت في عام 2001 بعنوان "سيناريوهات مستقبلية لحرب قيامية شاملة" يقوم فيها بتبني سيناريو يأخذ خطاب "صراع الحضارات" الصاعد بقوة في تلك الفترة بعد أحداث 11 ايلول، ويجره الى نتائجه القصوى في سيناريو متخيل ساخر يتصور حربًا حقيقية شاملة بين الغرب والعالم الاسلامي، يتكلم ساخرًا بلسان الغربي الذي يستعد للحرب ويتصور كيف يمكن التعامل معها، وكتب فيه "في الأزمنة الميمونة السابقة، اثناء الحرب الصليبية، كان المسلمون من هذه الجهة، في ما وراء البحار، وكان المسيحيون من الجهة الأخرى، ولو جاء في اثناء الحروب الصليبية عربيان وحاولا اقامة مسجد في روما، لدق عنقهما ولما كرر أحد المحاولة. أما اليوم، فإن اوروبا على العكس من ذلك، مليئة بالمسلمين، ممن يتكلمون لغتنا ويتعلمون في مدارسنا. وإذا كان بعضهم اليوم قد بادر إلى تحالف مع اصوليين من أوطانهم، فلنتصور كيف تكون عليه الامور لو نشبت الحرب بين الشرق والغرب. ستكون هذه أول حرب شاملة يكون خلالها العدو بين ظهرانينا ومستفيدًا من خدمات الضمان الصحي والاجتماعي"، ويضيف: "هناك خطر آخر يتمثل انه ربما وجدت داخل معسكرنا مجموعات مناصرة للمسلمين، ليس بدافع الايمان، بل مناهضة للحرب، نحل جديدة ترفض خيار الغرب، غانديون يفضلون البقاء مكتوفي الأيدي على التعاون مع حكوماتهم ويجب التعامل معهم بصفته خطر داخلي متعاون مع الاعداء المسلمين".
هذا السيناريو المتخيل الذي وضعه ايكو، تصور الحرب الشاملة، هو السيناريو الذي يعاد انتاجه بشكل دائم في وعي اليمين الغربي ودعاة الاسلاموفوبيا الى اليوم. هم في تحضير دائم لحرب شاملة، بل هم في خضم هذه الحرب، بين الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية. وفي هذه الحرب المسلمون في داخل الغرب هم عدو داخلي وكيل للعدو الخارجي المتمثل في العالم الاسلامي، أما اليسار المعادي للعنصرية والاسلاموفوبيا والمناصر للمهاجرين والمدافع عنهم والنقدي للمفاهيم السائدة في الحضارة الغربية، هو "متعاون" مع العدو ويساعده على هدم الحضارة الغربية في حربه الشاملة عليها. ليستبدل مصطلح "البلشفية اليهودية" المستعمل من قبل الدعاية النازية في القرن الماضي بمصطلح "اليسارية الاسلامية" من قبل اليمين وفكره السائد في الولايات المتحدة وفي فرنسا اليوم.
.png)


.png)

.png)






.png)

