استغلت الحركة الصهيونية وما زالت تستغل الدين لمآربها الاستيطانية والعنصرية، تحت شعار الوعد الإلهي المزعوم من أجل العودة إلى ما يسمونها ارض الميعاد، ومن أجل هذه الاهداف اخترعوا مقولة "الشعب اليهودي"، كما اخترعوا في السابق ربا خاصا بهم وعدهم بهذه الارض كما يدعون. كل هذه الروايات والأساطير التي يتحدثون عنها باسم الرب هي من أجل تكثيف الهجرة إلى فلسطين، وكذلك استغلال الأعمال الإجرامية التي نفذتها النازية ضد اليهود وباقي الشعوب الأوروبية والعالم، وهذا كله بدعم متواصل من الدول الاستعمارية، وبشكل خاص بريطانيا صاحبة وعد بلفور المشؤوم، وفيما بعد الولايات المتحدة الامريكية التي بدأت في وضع رجلها في العالم العربي في تلك المرحلة، هذا إضافة إلى دعم وتواطؤ وتآمر الرجعية العربية على الشعب الفلسطيني.
مع نشوب الحرب العالمية الثانية ومع صدور الكتاب الابيض، والذي رأت به القوى القومية والقوى الديمقراطية من الشعب الفلسطيني شيئا من الإيجابية، وأنه خطوة في الاتجاه الصحيح آنذاك، ورأت أنه مع نشوب الحرب يجب التوقف عن القيام بأعمال عسكرية، وعمليا هذا ما جرى وهذه الخطوة كانت قد اتخذتها القيادات الميدانية - في هذا الوقت، اتخذت الحركة الصهيونية نفس القرار نتيجة لخطورة المرحلة، لكن هذه الحركة كعادتها تستغل كل مناسبة للتحريض على الشعب العربي الفلسطيني على أنه يؤيد المانيا النازية ودول المحور، لأنه في تلك المرحلة كان الحاج أمين الحسيني قد زار المانيا وأعلن تأييده لدول المحور التي تقودها المانيا، لا شك ان هذا الموقف كان غير حكيم وأساء إلى قضية شعبنا العادلة، هذا بالإضافة إلى أنه في مثل تلك المرحلة الحرجة دعا الجماهير الفلسطينية إلى التمرد، والحقيقة أنها دعوة غير مسؤولة، ولذلك رفضتها الجماهير وقياداتها المحلية القومية الديمقراطية، وكان هذا الموقف موقفا مسؤولا في مثل تلك المرحلة غير الاعتيادية التي يمر بها العالم، وفي ضوء الوضع في فلسطين، (من الجدير ذكره أن الجماهير الفلاحية الفلسطينية كانت قد زادت من إنتاجها الغذائي الضروري في مرحلة الحرب).
كما قامت سلطات الانتداب بإعطاء الصفة الشرعية لخمسة عشر ألف مسلح، كانوا يشكلون حراس المستعمرات الصهيونية، وفي الوقت نفسه، أقامت الحركة الصهيونية وحدة خاصة بهم تحت علم خاص للفرقة وهو العلم الاسرائيلي اليوم، بموافقة وتسليح بريطانيا نفسها، هذا إضافة إلى صناعة الأسلحة التي كانت منتشرة داخل بعض المستعمرات، مثل مدافع الهاون وغيرها من الأسلحة الخفيفة. كان هذا هو الموقف العلني لقيادة الحركة الصهيونية، ولكن من ناحية اخرى، كانت منظمات يمينية مسلحة في الحركة الصهيونية مثل عصابة "شتيرن" تقوم بأعمال اجرامية ضد قيادات عسكرية، وحاولت اغتيال المندوب السامي البريطاني عام 1944، وفي نفس السنة، جرى اغتيال وزير الدولة البريطاني في القاهرة على يد اثنين من هذه العصابة، لغرض الضغط على الحكومة البريطانية حتى تفتح أبواب الهجرة إلى فلسطين، وحتى تلغي الكتاب الابيض. وعندما أعلنت الحكومة البريطانية استياءها من هذه الاعمال الاجرامية، أعلنت الحركة الصهيونية من أجل تهدئة الوضع أنها سوف تقف مع الحكومة البريطانية ضد الإرهاب اليهودي، لكن هذا الإعلان كما يقول المثل "على عينك يا تاجر"، والحكومة البريطانية لم تتخذ الموقف الحازم من هذه العصابات كما كانت تفعل مع الثوار العرب في زمن الثورة، وفي الوقت الذي كان بالإمكان ضربها بسهولة لو أرادت ذلك.
استطاعت الحركة الصهيونية تحقيق مكاسب كبيرة خلال فترة الحرب، حيث استطاعت حتى نهايتها سنة 1945 أن تبني جيشا مدربا بشكل جيد على مختلف الأسلحة، وتكوين ترسانة هائلة من مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، وأن تحصل في سنة 1946 من الحكومة البريطانية على إلغاء للكتاب الأبيض أيضا، ومن المكاسب الجديدة التي حصلت عليها الحركة الصهيونية خلال الحرب وبعدها، الدعم الأمريكي من أجل تحقيق هدفها بإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، ولذلك، عملت الولايات المتحدة على إدخال اكثر ما يمكن من المهاجرين إلى فلسطين خلال الحرب وبعدها. وهكذا جاء لاعب إضافي كبير لصالح الحركة الصهيونية في تلك المرحلة، وكل هذه العوامل مجتمعة كانت قد ساعدت على بناء جيش من عشرات الآلاف مع خبرة قتالية واسعة، وهناك من يقدّر هذه القوة في تلك المرحلة بستين ألف مقاتل ومنهم من يقدرها بأكثر من ذلك. وهذه القوة كانت جاهزة ومستعدة لأخذ دورها القتالي ضد الشعب العربي الفلسطيني عند حلول ساعة الصفر للقيام بمهامها الإجرامية، وهذا ما جرى فعليا بعد قرار التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947، وكانت لهذه القوات الصهيونية المسلحة قيادة مركزية موحدة تعمل بشكل منظم، ولم يكن ينقصها السلاح.
//"الخلافات العربية أمام وحدة القوى الصهيونية"
أمام هذا الواقع الذي تميزت فيه الحركة الصهيونية من وحدة وقوة تعداد عسكرية وتنظيمية لخوض المعركة الحاسمة بالنسبة لهم، لم يكن بالمقابل لدى الجماهير الفلسطينية لا قيادات موحدة ولا جيش منظم، وهذا يعني انعدام خطة قتالية لمواجهة الواقع المتغير، هذا بالإضافة إلى أنه لم يكن يتواجد سلاح قتالي بالمعنى الحربي للسلاح، إلا البارودة وبعض المدافع الخفيفة التي كان المواطنون يقتنونها بشكل فردي للدفاع عن أنفسهم وعن مدنهم وقراهم، هذا بالإضافة إلى أن الهيئة العربية كانت بأغلبيتها المطلقة خارج البلاد، بما فيها رئيس هذه الهيئة الحاج أمين الحسيني، وهي التي كان من واجبها قيادة تنظيم العمل العسكري والسياسي في فلسطين. مقابل هذا العمل المهم، برزت الخلافات بين المفتي والقيادات السياسية الفلسطينية، بالرغم من أهمية الوحدة في مثل تلك الظروف الخطيرة التي مر بها الشعب العربي الفلسطيني، وكذلك خلافات المفتي مع الجامعة العربية التي كان من المفروض أن تأخذ هذه الجامعة دورها العسكري الإيجابي في مثل تلك المرحلة، ولكنها في الواقع كانت تعرقل العمل أيضا نتيجة للخلافات بين هذه الدول نفسها، خاصة وأن جميع هذه الدول كانت تسير في فلك بريطانيا. ونتيجة لمثل هذه الاسباب، تقاعست هذه الدول في رمي ثقلها العسكري والسياسي في صالح الشعب الفلسطيني من أجل تغيير ميزان القوى غير المتكافئ مع الحركة الصهيونية.
بعد مماطلة من قبل الدول العربية، عقدت الجامعة العربية اجتماعا لها في عاليه في لبنان في تاريخ 7 – 15 تشرين أول سنة 1947، وهذا الاجتماع أقر إقامة لجنة عسكرية لقيادة العمل العسكري في فلسطين، وكانت حتى حول هذه اللجنة خلافات بخصوص دورها والمهام التي يجب ان تقوم بها، رغم أن هذه اللجنة كانت تحاول القيام بدورها من أجل تجنيد متطوعين وتدريبهم على استعمال السلاح، هذا إضافة إلى أن رئيس اللجنة إسماعيل صفوت وهو عراقي الجنسية، كان قد قدم تقريرا استعرض فيه بالتفصيل الوضع العسكري على الساحة الفلسطينية، وأهمية إشراك رؤساء أركان الجيوش العربية، من أجل اتخاذ قرارات حاسمة لمواجهة القوات الصهيونية في المعارك المقبلة، وإلا فإن أي تأخير في هذا المجال سوف يؤدي إلى نكبة للشعب الفلسطيني.
وحسب ما جاء في كتاب بيان نويهض الحوث "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين – ص 609" كانت خلاصة هذا التقرير المهم الذي قدمه إسماعيل صفوت:
"1. إن قواتنا في فلسطين سواء المؤلفة من متطوعين مدربين أو من الفلسطينيين المسلحين لا يمكن أن تحقق نصرا عسكريا حاسما، وكل ما نستطيع أن نعمله هو إدامة القتال إلى أمد معين يتناسب وما تناله من تقويات وما يتوفر لها من سلاح.
2. إن الحيلولة دون تشكيل حكومة يهودية وإرغام اليهود على الرضوخ للمطالب العربية يتطلب قوة تعادل قوتهم على الأقل، وهذا ما لا سبيل إلى الوصول إليه في هذا النطاق الذي لا زلنا نعمل فيه.
3. لا زلنا عند رأينا السابق من وجوب تدخل جيوش الدول العربية واشتراكها بالقتال بكل ما تملك من أسلحة ومعدات، فيما إذا أردنا تحقيق نصر عسكري حاسم.
4. إن الجيوش العربية ينقصها الكثير من اللوازم السفرية، فإذا لم تشرع بإكمال هذا النقص والتحشد من الآن، لن تستطيع أن تكون مستعدة للعمل عند حلول موعد انتهاء الانتداب، وسيسبقنا الزمن كما سبقنا من قبل".
(يتبع)



.png)

.png)






.png)

