أمس قرأتُ من على شاشة التلفزيون في القناة 13العبريَّة الجملة التالية: "חוק האזרחות נועד למנוע משפחות פלסטיניות להתאחד עם ערביי ישראל"، قلت في نفسي هذا هو جوهر القضيّة وجوهر الصّراع، هذه هي النَّتيجة الحتميَّة التي يريدون لنا الوصول إليها، الغاء فلسطينيتنا، وقطع صلتنا بشعبنا كليًا جسديًا، اجتماعيًا، روحيًا وانسانيًا. وتحويلنا إلى رعايا، مِنَ الدَّرجة الثّانية فما فوق، في دولة معادية لمُجرد وجودنا، تحتوينا كأفراد، عبيد يخدمون أسيادهم، ليس لهم ماضٍ، وليس لهم تاريخ، لا كيان وطني ولا انتماء قومي أو حتى إنساني، وبالتّأكيد ليسوا شعبًا، اجتُث مِن تاريخه واقتُلع من حاضره، وطمس مُستقبله، وهو يناضل ويقاتل فقط من أجل حريته والبقاء على أرضه.
ليس للشعب الفلسطيني مِن سند الَّا الشعب الفلسطيني نفسه، بغض النّظر عن التقسيمات الاحتلالية، والولاءات الإقليمية والدّولية، وبغض النّظر عن الخلافات الدّاخلية، فقد أثبت هذا الشّعب أنَّه في لحظة الحقيقة يُمكنه أن يقفز عن خلافاته ويتجاوز حتى قياداته إن هي ابتعدت عن الخط الوطني أو مسَّت بجوهر كيانه ووجوده، هذا لا يعني بالضّرورة التّنازل عن الاخوة والأشقاء العرب ولا عن أصدقاء شعبنا في جميع أنحاء العالم، ولكنَّه يعني بالضرورة الاعتماد على الذَّات وفقط على الذَّات، لنكون أسياد أنفسنا، علينا أن نَعي هذه الحقيقة وعلينا تذويتها.
الواقع والمُمارسة العمليَّة اليوميَّة تقول، ليس الانتماء العربي هو المُهدد، فاللغة العربية والمُحيط العربي كبير، بإمكانه الوقوف في وجه كل المحن والصمود في وجه كل التقلبات الدولية والعالمية. ليس الانتماء الديني هو المهدد فالعالم الإسلامي والمسيحي من الأكبر بالعالم، والقرآن الكريم وحده كفيل بحماية الدين واللغة على حد سواء. المهدد الوحيد هو الانتماء الفلسطيني بكل أعمدته وبكل مُكوّناته الجغرافيا، اللغة، الدين، والتاريخ، والانسان الفلسطيني داخل الوطن، ولأنه على أرض الوطن، وهذا الفلسطيني، هو القادر والمطالب بالحفاظ على هويته الفلسطينية المهددة يوميًا، هذا ليس بالأمر السّهل، وليس بالأمر المفروغ منه.
يقول الرئيس الأمريكي بايدن في كلمة له: " لن يكون استقرار في الشرق الأوسط إلَّا إذا اعترفت كُل دول الشرق الأوسط جميعًا بإسرائيل كدولة يهودية مُستقلة". هذا يعني انَّ الفلسطينيين في إسرائيل عليهم الخروج، أو إخراجهم، أو ترك الوطن لأنهم ليسوا يهودًا وإسرائيل اذن حسب هذا المفهوم، دولة دينية يهودية عنصرية معترف بها عالميًا، وإذا أضفنا إلى كلّ ذلك قانون القوميّة الَّذي سنّته حكومة اليمين الليكودية فالمعادلة واضحة، على الفلسطيني أن يكون على أهبة الاستعداد إمّا المُقاومة أو الرَّحيل.
وخاضت إسرائيل حروبها للسَّيطرة على الجغرافيا الفلسطينية، ما ظهر منها وما بطن، فقد أعلن بن غوريون مُنذ عشرات السنين عندما سُئل عن حدود الدَّولة قال: "حدود إسرائيل أينما يصل جيشُها، إذن هي سياسة التَّوسع والسَّيطرة، بصورة مُمنهجة، ودراسة استراتيجية عميقة، لطمس المَعالم الجغرافية والآثار التَّاريخية لفلسطين، من خلال طمس اللّغة والأسماء والأماكن، وتتبيع الانسان الفلسطيني من أجل تركيعه أو تضييعه، ونحن "الفلسطينيون" نشتري هذه المُصطلحات يوميًا ونردّد نفس النَّغمة بدون وعي، وبدون تفكير، واليكم أمثلة: هم يقولون القدس عاصمة إسرائيل الأبديَّة ونحن نقول القدس الشرقية أو العربية عاصمة فلسطين، هذا يعني أنَّنا نقبل تقسيم الوطن. مدينة القدس تصبح اورشليم، ومدينة عكا تصبح عكو، وغيرها عشرات، في محيط قريتي على سبيل المثال: جبل الديدبة يصبح جبل عتصمون. وعيون كوكب تصبح ينابيع افلاييم، ويكفينا نظرة إلى اللّافتات التّجارية على الجدران، بأيّ لغة تُكتب وكيف نَخجل بلغتنا الأُم، أو المُراسلات داخل المُؤسسات البلدية، لنعرف حجم المأساة.
وهكذا عشرات ورُبَّما مئات الأسماء الغريبة، التي تمحو معالم الوطن يومًا بعد آخر. وعن هدم المعالم الدينية وتغيير ملامحها لتتكيَّف مع واقع الدّولة، وطمس معالم التاريخ الكنعاني والعربي والإسلامي فحدث ولا حرج. فأين نحن من كلّ ذلك، للأسف ما زلنا في حالة ردود فعل، وفي حالة دفاع دائم عن النفس وكأننا المذنبون والغاصبون ولسنا الضحية، فيبقى السؤال: ما العمل؟ معلقًا في الهواء.
أي أسلوب من النضال نتّبع؟ وأيّ طريق مِن الكفاح نسلك؟ وأيّ منهجيَّة عمل نسير حسبها؟ ماذا نفعل كي نقف في وجه مخطط استعماري كولونيالي يحاول طمس معالم ثقافتا وتراثنا؟
كلّ شعوب الأرض لها ثلاثة أعمدة ترتكز إليها، تحميها وتحافظ عليها كبؤبؤ العين، وأي خلل في إحداها يعني أنَّ هناك خللًا في مُقوماتها كأمة وكشعب، وهذه الأعمدة هي: أرض تأوي وتحمي الشعب، بدونها لا مكان لوجوده، هوية دينية أو قومية أو كلاهما معًا، كمميز حضاري ثقافي وفكري لأبناء الشعب، وتاريخ وتراث يؤكد المشترك التاريخي الفكري والتراثي ويثبّت المصير المشترك على مر الزّمان لأفراد المجموع.
لقد وَعت الحركة الصهيونية ومُنذ تأسيسها إلى الاقانيم الثَّلاثة وعملت بكلّ طاقاتها من أجل تثبيت هذه الأعمدة فلطشت الأرض وجيَّرت الدين اليهودي للفكر الصهيوني وقومجته، اي قامت بتحويل الدين إلى قومية وبذلك ثبّتت ركيزته كشعب له هوية، وقامت بإجبار التاريخ والتراث لملائمة الأرض والمكان وبما أنَّ اللغة هي وعاء التُراث والتاريخ فهي، مركّب أساسي للهويّة، فقد قامت بشكل ممنهج، بإحياء اللغة العبرية، وبها تم تغيير المعالم اللغوية والتاريخية للمكان، وبعدها قامت بخلق الأساطير والحكايات، حول المكان بما يوحي بانتمائه اليهم.
أما نحن، فكانت تصرفاتنا للحفاظ على هذه الركائز، عبارة عن مجموعة من ردود الأفعال، بدون تخطيط او تصور مستقبلي، بدون منهجة حياتنا بالاعتماد على هذه الركائز، فكان مصيرنا الفشل أو مُراوحة أماكننا، في أحسن الأحوال. فما تبقى لنا من أرض بعد معاركنا الطويلة من أجل الحفاظ عليها جماعيًا، قمنا ببيعها فرديًا، ونبيعها اليوم لأتفه الاسباب، لشراء سيارة، لزواج الولد، لسداد بعض الديون، حتى أصبحت الأرض بعيون ابنائنا مجرَّد سلعة تساوي حفنة من الدولارات.
وعليه يجب أن نتوقف عن ردود الأفعال العشوائية، ووضع برنامج استراتيجي علمي واعٍ، من قبل متخصصين وذوي خبرة، الهدف الأسمى حفظ اللغة والتراث والتاريخ والدين تحت أية ظروف، الحفاظ ليس على عروبتنا فقط فهي محفوظة، وانما يجب الحفاظ على فلسطينيتنا المُهددة، على وحدة أبناء الشعب الفلسطيني، أينما كانوا وتحت أيَّة ظروف، فانتفاضة الكرامة الأخيرة كانت بارقة أمل حدثت لأول مرة منذ بدء الصراع، يجب الحفاظ على جذوتها مشتعلة، ولكن بحكمة ورويَّة وفكر مفتوح، المطالبة بحق بدولة ديمقراطية على جميع حدود الوطن، يعيش فيها كل مواطنيها أيًا كان انتماؤهم الديني او القومي او العرقي، تحت سماء الوطن بحرية وديمقراطية تامة وعدالة اجتماعية دون سيطرة أو إكراه، وتكون للأقلية حقوقها المحفوظة تمامًا كالأكثرية.
*المداخلة التي ألقيتها خلال النقاش، في ندوة تحت هذا العنوان في رام الله والتي دعا اليها المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية ومركز القدس للدراسات المستقبلية في جامعة القدس، وقد شارك فيها الاتحاد العام للأدباء الفلسطينيين الكرمل 48



.png)

.png)






.png)
