"شيرين ابو عاقلة، الجزيرة، فلسطين"
كالكثيرين غيري حاولت مرارًا تقليد نبرة صوتها، كالكثيرين غيري أبكيها منذ أكثر من يومين. تعرّفنا عليها من خلال شاشة التلفزيون، وفي الأوقات العصيبة (الكثيرة) التي مرّت على شعبنا، كانت هناك، تنقل لنا الصوت والصورة، بحزن تارة وابتسامة أمل تارة أخرى. كانت دائمًا هناك، ليخيل لنا أحيانًا أنها تحيا داخل هذا المكعب وتنقلنا من خلاله ما بين مخيم جنين وباب العامود، سلوان وبيت لحم ورام الله وميعار.
وعلى ما يبدو لم يبعد خيالنا عن الواقع كثيرًا، فقد كان واضحًا من خلال مقابلات أجريناها مع صديقات شيرين، أنها وهبت حياتها لعملها فعليًا، به استثمرت السواد الأعظم من وقتها وعمرها، وخلاله استشهدت وهي في ال 51 من عمرها.
لم تكن المحادثة الهاتفيّة مع الزميلة الصحفيّة شروق الأسعد سهلة، ما بين بكاء وصوت يغصّ بالدموع، حدّثتني شروق عن علاقتها بشيرين، بدءًا من مدرسة راهبات الورديّة في بيت حنينا، مرورًا بأريحا وتأسيس هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينيّة، وصولًا إلى ميادين العمل في فلسطين حيث "الأحداث اليوميّة عبارة عن أخبار" كما قالت لي شروق.
تقول شروق: "تطوّرت شيرين كإعلاميّة ولكنها بقيت شيرين التي عرفناها في المدرسة، الإنسانة الطيّبة، الخلوقة والمؤدبة جدًا، شيرين الرقيقة الهادئة".
"بتعرفي شو حسيت اليوم خلال الجنازة الرسميّة في رام الله؟"، تسألني شروق وتجيب "حسيت الجنازة بتشبهها- بتشبه شيرين، هدوء ومسؤولية ورقة والكثير من المحبة".
تؤكد شروق وأكاد لا أسمعها من خلف دموعها "هي كذلك صدقًا، أقصد أنها كانت كذلك. وكلامي هذا ليس كليشيهات، بل إيمانًا أنها تستحق كل كلمة حق نقولها في وداعها".
أحاول أن أحتمي بأسئلتي التي جهزتها مسبقًا: حدثيني عن شيرين الإنسانة، عن عائلتها، وحياتها الشخصيّة. شروق: "شيرين الصحفيّة هي شيرين الإنسانة.. نسمة لطيفة، في حياة من عرفها ومن عمل إلى جانبها. لن تسمعي عن أي خلاف حدث ما بينها وبين أي زميل أو زميلة".
تتابع شروق: "فقدت شيرين والديها في جيل مبكّر، وربما هذا يفسّر الحزن الذي كان يمكننا أن نراه في عينيها، وكانت تربطها علاقة خاصة ومتينة جدًا مع أخيها، وذلك بالرغم من تواجده خارج البلد".
تستذكر شروق وتقول لي: "أعتقد أنها كانت تشعر بالوحدة أحيانًا، وذلك على الرغم من إيقاع حياتها السريع المتأثّر بعملها في منطقة تملؤها الأخبار والأحداث المتسارعة".
وتضيف: "شاركتنا مؤخرًا أنها ترغب في الحصول على إجازة".
سألتها عن تحديات أو صعوبات شاركتها به شيرين فأجابتني: "همّ الهوية هو التحدّي الصعب الذي نتشارك به جميعنا في المناطق المحتلّة، إحساسنا بأن بلدنا تسلب منّا، بأننا غير مرحب بنا في القدس". وتابعت: " تحدٍّ آخر كان انتقالها من الإذاعة للجزيرة، لم يكن الأمر سهلًا، كما قلت لك، شيرين كانت خجولة، وهذا الانتقال من خلف الميكروفون إلى الشاشة شكّل تحديًّا، ولكن بمثابرتها وصدقها ومهنيتها نجحت شيرين وتألقت في التلفزيون أيضًا، وبرأيي أنها أضافت كثيرًا للمؤسسة الإعلاميّة التي عملت بها".
وحول سؤالي: ما هو أكثر ما ستذكرينه منها أو أكثر ما ستروينه عنها؟ قالت شروق: "المزيج المميّز ما بين الصبر والصلابة من جهة والرقة والخجل من جهة أخرى. لقد شكّلت حالة خاصة في العمل الإعلامي، وهذا ما جعلها أيقونة في ذهن الكثيرين، وهذا أيضًا السبب برأيي في حالة الإجماع التي شكلتها ونلمسها في كل مكان في اليومين الأخيرين بشكل خاص".

انتهت محادثتنا، لأبدأ محادثة أخرى مع صديقتي الصحفيّة نضال رافع، وهي أيضًا صديقة شيرين.
تقول نضال: "صعب أحكي عن شيرين بصيغة الماضي. كانت إنسانة بكل معنى الكلمة، صديقة حقيقيّة، معطاءة ومحبة، متواضعة وخجولة جدًا، كانت تستغرب أن يطلب الناس صورًا معها، وكل هذا كان بصدق حقيقي لا يمكننا إلا أن نلمسه من خلال رقتها وشفافيتها العالية".
وكما قالت شروق كذلك نضال "مش شعارات ولا كليشيهات صدقيني، هي كانت هيك فعلًا".
وتقول نضال "في العمل الصحفي كانت شيرين متعاونة جدًا مع الجميع، تساعد وتشارك وتطلب مساعدة إن احتاجت، بكل لباقة وإيجابيّة".
وتضيف: "ربما أكثر جملة تعبّر عن شيرين، هي الجملة التي قالتها هي بنفسها –اخترت الصحافة كي أكون قريبة من الإنسان-".
تقول نضال إنها التقت بها في ميعار في مسيرة العودة، الأسبوع الماضي "معقول هذا كان آخر لقاء؟!".
انتهى حديثي مع نضال بسؤال: معقول كان آخر لقاء؟
يبدو أننا أمام رهبة الموت وهيبته الطاغيّة، وفي ظل واقع مركب تسوده وحشية احتلال مجرم، سوف نبقى نواجه أسئلة أكثر من قدرتنا على تقديم الإجابات.
وحتى تتضح الصورة.. ستبقى التغطيّة مستمرّة.



.png)

.png)






.png)
