كتاب لخبير المخطوطات والتحف الأثرية اللبناني بدر الحاج
كشف جوانب من النشاط الصهيوني لإثبات فكرة الحق التاريخي لليهود في فلسطين
عن دار "كتب" للنشر في بيروت صدر أخيراً باللغة الإنكليزية كتاب "القدس ١٨٥٤ صور فوتوغرافية، آثار، وكولونيالية" لمؤلفه الكاتب اللبناني بدر الحاج، خبير المخطوطات والتحف الأثرية القديمة. يقع الكتاب في ١٩٥ صفحة من الحجم الكبير ويحتوي على مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية النادرة، التي التقطها عام ١٨٥٤ لمعالم القدس التاريخية المصور الفوتوغرافي الفرنسي أوغست سالزمان.
والكتاب لافت للنظر لعدة أسباب، أولاً أن الحاج اختار أن يُهدي هذا العمل النادر إلى ذكرى طيبي الذكر الدكتور جورج حبش ووديع حداد الغنيين عن التعريف وإلى شهداء فلسطين عامة، وثانياً لأن الكتاب تناول قضية في غاية الأهمية تتعلق بالحق التاريخي لليهود في فلسطين، الذي بدأت تطرحه الحركة المسيحية الصهيونية التي دعمت المشروع الكولونيالي البريطاني في فلسطين قبل ظهور الحركة الصهيونية بسنين طويلة. ويشبّه الحاج المشروع الكولونيالي الصهيوني الغربي في فلسطين بمشروع الصليبيين ويقارن بين الجرائم الفظيعة التي ارتكبت بحق الفلسطينيين في الحالتين.
في البداية قد يعتقد من يقع نظره لأول مرة على الكتاب أنه أمام مجرد ألبوم صور عادي لمواقع دينية وتاريخية في فلسطين. لكن سرعان ما يتبدد هذا الاعتقاد أمام المادة الدسمة التي يطرحها المؤلف، الذي ابتعد عن التنظير وعمل بمبدأ: خير الكلام ما قل ودلّ.
يوضح الكاتب أن المصور سالزمان جاء إلى فلسطين عام 1854 لالتقاط الصور بحثاً عن إثباتات من شأنها أن تؤكد صحة النصوص التوراتية من جهة، ومن الجهة الأخرى تُثبّت أيضاً إدعاءات عالم الآثار الفرنسي فيليسيان دو سولسي التي أثارت الجدل في القرن التاسع عشر، لأن دو سولسي أرجع تاريخ سلسلة من المعالم التاريخية المهمة في فلسطين من العهدين اليوناني والروماني، أرجعها إلى الديانة اليهودية وفترة التاريخ القديم لملوك اليهود في المنطقة الواقعة بين مدينتي القدس والخليل، أي جنوب الضفة الغربية، قبل ميلاد المسيح بألف عام. بل أكد سالزمان في مقدمة كتابه الذي نشر فيه الصور التي التقطها في القدس القديمة، أن الهدف من رحلته إلى القدس والتقاط الصور فيها كان "الدفاع عن دو سولسي في وجه خصومه"، ما يعني أن الهدف لم يكن حباً بفن التصوير الآلي الذي بدأ يتطور في القرن التاسع عشر، بل كان هدفا سياسياً محض.
ويضيف الحاج، من الواضح أن سالزمان لم يكن يعمل في معزل عن تلك الحركة المسيحية الصهيونية التي انتشرت خلال تلك الفترة في أوروبا وأميركا الشمالية وكانت تبحث عن إثبات لحق اليهود التاريخي على فلسطين، تمهيداً لمشروع توطين اليهود فيها على حساب أصحاب الأرض الأصليين. فلهذا السبب جاء سالزمان إلى فلسطين ليلتقط بعدسته صوراً تدعم ادعاءات دو سولسي الزائفة إمعاناً منه بتزييف التاريخ.
واضح من الكتاب أن الحاج وظف خبرته الواسعة في مجال المخطوطات والتحف الأثرية القديمة بحثاً في الأرشيفات الغربية عن وثائق وصور ومخطوطات قديمة ليلقي من خلالها الضوء على زيف الادعاءات الصهيونية المتعلقة بالحق التاريخي لليهود على فلسطين. هذه الادعاءات التي ما زالت تُستخدم اليوم في الممارسات اليومية للمستوطنين اليهود وجنود الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، في محاولة لاقتلاعهم من أرضهم وتهجيرهم.
يكشف الحاج كيف أن المسيحيين الصهاينة في القرن التاسع عشر كانوا أكثر تحمساً للمشروع الصهيوني من أحفادهم اليوم وحتى من الصهاينة اليهود أمثال بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، أو وزير دفاعه نفتالي بينيت، زعيم المستوطنين في الضفة الغربية. واستشهد الحاج بما كتبه دو سولسي عقب زيارته الأولى إلى القدس في عام 1850 أن "انطباعه الأول عن المدينة كان أن آثار الملك سليمان موجودة في كل مكان" في القدس القديمة. فدو سولسي لم يتورع عن الكذب وتضليل الرأي العام من أجل تمرير ادعائه بوجود حق تاريخي لليهود في فلسطين. والدليل على كذب دو سولسي، أنه بعد أكثر من 52 سنة من البحث والتنقيب المضني في القدس المحتلة وغيرها في فلسطين، فشل نتنياهو وجهاز دولة الاحتلال وخبراء الآثار فيها، في العثور على أي أثر يهودي في القدس العربية المحتلة.
وتشجع دو سولسي كثيراً عندما شاهد الصور التي التقطها سالزمان في القدس القديمة وراح يستخدمها في المحاضرات التي كان يُلقيها للدفاع عن طروحاته السابقة أمام الانتقادات الشديدة التي وجهت إليه من أكاديميين فرنسيين كبار أمثال جوزيف إيرنست رينان وشارلز جان ميلكور، وتمسك بشكل أشدّ بادعاءاته الرامية إلى تأكيد الحق التاريخي لليهود في فلسطين.
وبيّن الحاج أن دو سولسي قرر زيارة فلسطين مجدداً "للتأكد من صحة إدعاءاته"، ونجح هذه المرة في الحصول على دعم حكومي فرنسي مالي ومعنوي للقيام بهذه الرحلة وتوسطت الحكومة الفرنسية لدى السلطات العثمانية من أجل الحصول منها على تسهيلات لإنجاح مهمته. جرت الرحلة في عام 1863، ورافق دو سولسي في هذه الرحلة سالزمان ذاته. وعندما انتشر بين الفلسطينيين خبر الحفريات التي كان يقوم بها دو سولسي هبوا في ذلك الوقت المبكر لمنعها، حيث تدخل القنصل الفرنسي في القدس وطلب من الحاكم العثماني في المدينة إسكات تلك الهبة الشعبية الفلسطينية. ولم يقتصر نشاط دو سولسي وسالزمان على مدينة القدس ومعالمها التاريخية، بل شملت مدناً ومواقع فلسطينية تاريخية أخرى.
فكتاب "القدس 1854" لبدر الحاج يُقدم خدمة كبيرة للباحثين والمهتمين بتاريخ القضية الفلسطينية، ويُمكن اعتباره شبه وثيقة تاريخية عن تاريخ الحركة المسيحية الصهيونية ونشاطاتها دعماً لمشروع إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين الذي ما زلنا نعاني منه في أيامنا هذه.



.png)

.png)






.png)
