هناك من حاول تصوير الإعلان عن التطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية بانه مفاجأة غير متوقعة!
وهناك من وصف هذه العملية بالخيانة والمؤامرة !! وهناك من حاول تبرير هذه العملية بانها لصالح الشعب الفلسطيني بادعاء أنها تشترط وقف الضم !!
وهناك من اعتبر هذه العملية بأنها محاولة تستهدف تحقيق مكاسب سياسية لكل من المأزومَيْن ترامب ونتنياهو.
وهناك من رأى فيها محاولة لتوسع اقتصادي اسرائيلي في العالم العربي. كما ان البعض رأى فيها محاولة لتقوية التحالف العسكري العربي الإسرائيلي ضد إيران. وهناك من رأى في ذلك محاولة لوقف التمدد التركي في المنطقة العربية.
والحقيقة هي أن إعلان ترامب المفاجئ عن التطبيع بين إسرائيل ودولة الإمارات لم يكن مُفاجِئًا وغير متوَقَّعٍ وانما جاء تتويجا لمسار طويل من العلاقات السرية بين الطرفين استمر 20 عاما. وكذلك الامر بالنسبة لإعلانات قريبة محتملة من جانب دول خليجية وعربية أخرى مثل السعودية وعمان والبحرين والسودان وغيرها. وجميع هذه الدول تنتظر اللاحظة المناسبة للإعلان عن ذلك !! لتنضم إلى الإمارات ومصر والاردن التي تربطها اتفاقات سلام مع إسرائيل .
هذه الدول التي تحكمها أنظمة عميلة ومرتهنة للمصالح الامبريالية وحقيقة أنَّ استمرار بقائها مرهون بالحماية الإمبريالية لا تجرؤ على رفض إملاءات أسيادها التي تتماهى بشكل مطلق مع مصالح اسرائيل الأمنية والاقتصادية منذ نكبة شعبنا وحتى يومنا هذا، ضاربة عرض الحائط بمصالحها الوطنية ومصالح شعوبها الحقيقية. فهل من رجاء من أنظمة الذل هذه، وكما يقول مثلنا العربي "يا طالب الدبس من ... النمس"!!
المفاجأة الحقيقية هي أن تكون هذه الانظمة على عكس ما هي عليه اليوم.
ان ما يميز هذه الأنظمة منذ تسلمها زمام السلطة في هذه الدول هو خيانة مصالحها الوطنية والتآمر على شعوبها والحكم بالحديد والنار والقضاء على أي قوة تحاول تهديد بقائها في السلطة بدعم تام ممن يدعون الدفاع عن حقوق الانسان وحرية التعبير. وهذه الانظمة التي تجرؤ على خيانة مصالحها الوطنية وتتآمر، بكل سفور على شعوبها لا يردعها أي وازع من ضمير عن التآمر على شعوب أخرى. والمؤامرة على شعبِنا الفلسطيني بدأت قبل النكبة بكثير وهي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. وتحاول هذا الانظمة التستر على خيانتها وتآمرها من خلال إطلاق الشعارات الطنانة وإقرار القرارات المضللة وتقديم شتى المبادرات للتسوية وتقديم الفتات من المساعدات المالية، غير آبهة بما تنفذه اسرائيل على الارض من جرائم ضد الشعب الفلسطيني على مدار عشرات العقود.
وخطوة دولة الامارات هذه اسقطت المبادرة العربية التي صادقت عليها القمة العربية في بيروت في العام 2002 فحسب المبادرة فإن التطبيع مع اسرائيل سيحدث فقط اذا انسحبت اسرائيل من جميع الاراضي، ومنها ايضا هضبة الجولان.
اما الادعاء بان التطبيع هو لصالح الشعب الفلسطيني كونه يشترط وقف عملية ضم الاراضي الفلسطينية فهو مرفوض كليا خاصة وان نتنياهو وترامب لم يؤكدا ذلك وانما تحدثا عن مجرد تأجيل قرار الضم.
كما ان البيان الثلاثي المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات لم يتحدث عن إلزام إسرائيل بتجميد فكرة الضم، إنما تحدث صراحة مستخدما صيغة "تعليق إعلان السيادة الإسرائيلية على المناطق المحددة في رؤية الرئيس الأمريكي للسلام" (صفقة القرن).
وخلافا لكل التصريحات التي صدرت عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، تحاول الإمارات الإيحاء بأن الاتفاق الدبلوماسي المعلن عنه، الخميس 13 آب الجاري، يتكفل بوقف مخطط إسرائيل لضم أراض في الضفة الغربية المحتلة.
لكن نتنياهو سارع الى فضح ادعاءات الإمارات، اذ قال "لم يأتوا من أجل السلام أو إيقاف الضم في الضفة، بل لأنهم رأوا في إسرائيل بقيادتي حليفة لهم ضد إيران".
ادعاء الإمارات قد ينطلي على من لا يعي حقيقة سياسة حاكم إسرائيل منذ قيامها وحتى اليوم، حيث ان التمدد الاسرائيلي على الارض الفلسطينية والعربية لم يتوقف لحظة. فكيف الحال في ظل حكم اعتى قوى اليمين في اسرائيل والضغوط المكثفة والمتواصلة من جانب قوى اليمين الاستيطانى ومؤيدي ارض اسرائيل الكاملة؟!
ما من شك أنَّ الإعلان عن التطبيع بين اسرائيل والإمارات، الذي جاء من واشنطن، يستهدف تحقيق مكاسب سياسية للرئيس الامريكي ترامب في خضم ازمته السياسية المتفاقمة بسبب تفشي الكورونا والانهيار الاقتصادي غير المسبوق والاحتجاجات الشعبية الواسعة ضد العنصرية وتدني شعبيته بشكل كبير عشية انتخابات الرئاسة الامريكية. واعتبر ترامب صفقة التطبيع اتفاقا تاريخيا، وأضافها لقائمة "المكاسب والهدايا" التي قدمها لإسرائيل منذ وصوله الى السلطة، مثل قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة واشنطن إليها، والاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل.
كما ان هذا الاعلان جاء لينقذ شعبية زميله المأزوم والملاحق بملفات الفساد نتنياهو الذي يواجه اوسع احتجاجات شبه يومية في القدس وتل ابيب على سوء ادارته وفساده. هذا فضلا عن الأزمة الاقتصادية واستفحال البطالة بسبب سوء إدارته لمواجهة تفشي وباء الكورونا.
اما في السياق الاقتصادي للاتفاق فتوقعت وسائل الاعلام الإسرائيلية أن يسهم التطبيع مع الإمارات في تحسين الأوضاع الاقتصادية لإسرائيل بشكل كبير اذ انه سيوفر لإسرائيل "جسرا رسميا وثابتا" إلى العالم العربي، وتحديدا إلى الدول الخليجية بما فيها السعودية.
وأن الاتفاق سيمنح الشركات الإسرائيلية فرصا هائلة في الأسواق الخليجية، مما سيفضي إلى زيادة التصدير بشكل كبير إلى الإمارات وعبرها إلى الدول العربية الأخرى.
امّا على الصعيد العسكري فإنَّ الاتفاق سيؤجج التوتر مجددًا مع إيران التي اعتبرته تهديدًا مباشرًا لها ولحدودها الممتدة على شاطئ الخليج، كما اعتبرت أن الاتفاق يحول الإمارات إلى قاعدة قد ينطلق منها الإسرائيليون للإضرار بمصالح إيران وأمنها الإستراتيجي. وهذا ما سيسرع من سباق التسلح في المنطقة ويضطر الامارات الى تخصص المزيد من الميزانيات للإنفاق العسكري المرتفع أساسًا - المركز 7 عالميًا ضمن قائمة أكثر الدول استيرادًا للأسلحة.
ويتيح الاتفاق للإمارات إمكانية التأثير في الأزمة الليبية عبر انضمامها لمحور (اليونان – قبرص – إسرائيل) في مواجهة تركيا. سيكون في مقدور الإماراتيين إلهاء الغريم التركي في تعقيدات الموقف شرق المتوسط بما يتصل بالموضوع الليبي اذ تحاول الإمارات تعزيز نفوذها الذي تراجع مؤخرًا مع تدخل الأتراك العسكري لصالح حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج.
كما يتيح التعاون الإماراتي الإسرائيلي في شقه الأمني للسلطات الإماراتية شراكة مهمة واستثنائية مع وكالة الإستخبارات الإسرائيلية (الموساد). وهو ما سيعزز من "مكاسب" جهاز الأمن الوطني الإماراتي في العديد من القضايا، من أهمها، مواجهة إيران وتنظيم الإخوان المسلمين الذي تصنفه البلدان تنظيمًا إرهابيًا.
وتسعى الإمارات من خلال التطبيع إلى تمهيد الطريق لشراء المزيد من الأسلحة الأمريكية المتطورة وخاصة طائرات "أف-35" الامر الذي قد يمنحها ما تصفه بـ"التفوق العسكري النوعي".
من المؤكد ان ما تقوم به الامارات اليوم هو مقامرة بمصالح الشعب الإماراتي اولا, وهي مقامرة بأمن وسلام المنطقة. وهي مقامرة بحقوق الشعب العربي الفلسطيني في سبيل إنقاذ المأزومَيْن ترامب ونتنياهو!!
وهذا ما لا يغفره شعب الإمارات وكذلك شعوب المنطقة وخاصة الشعب الفلسطيني. ومثلنا بقول "اللي فيوش خير لشعبه فيوش خير للأخرين".



.png)

.png)






.png)
