على مدى العقد الماضي وما حمله على العالم العربي من انتفاضات شعبية تقاطعت بشكل أو بآخر في ظل ظروف مختفلة في بلدان عربية مختلفة مع مشاريع دولية واقليمية وما خلفته من حروب أهلية وحروب بالوكالة واصطفافات محاورية وتغييرات جوهرية على مستوى النظام العربي والوعي الشعبي والايديولوجيا العربية السائدة. تكررت أسطوانة، أعتقد أنها باتت مشروخة، أي انها تعيد تكرير نفسها على نفس النمط كل فترة دون أي تغيير في المنطلقات التي تعتمد عليها رغمًا عن التغييرات الجوهرية التي حدث في العقد الماضي وانكشاف الكثير من الأوراق التي كانت مستترة في مطلع العقد مع انطلاق ما سمّي "الربيع العربي".
تلك الأسطوانة التي يتم استحضارها في مقاربة بعض المثقفين الفلسطينيين لتحليل الطرف الفلسطيني الآخر من النقاش حول الأحداث الدائرة في العالم العربي في العقد الأخير وخاصة فيما يخص الأزمة السورية، وهي اتهام الطرف الفلسطيني الآخر الذي لديه مقاربة نقدية للتحركات الشعبية في العالم العربي، طبيعتها وبرامجها وشعارتها ومآلاتها، ومحاولة فهمها في سياق تقاطع مشاريع اقليمية أوسع مرتبطة بالصراع العربي-الاسرائيلي والمشاريع الأمريكية والامبريالية في المنطقة، على أنه عالق بما يطلق عليه هؤلاء المثقفون بـ"النرجسية الفلسطينية" والنظر إلى فلسطين على أنها "مركز العالم" الذي تدور حوله كل الأحداث ومنه تنطلق كل التحركات والتحولات وبالتالي ينطلق منه فقط الفهم والتحليل والموقف. أي اتهامهم بأنهم يقيسون الموقف من تحركات الشعوب العربية ومطالبها العادلة فقط من منطلق "مصلحة" القضية الفلسطينية، وأنّهم باسم القضية الفلسطينية والموقف منها يغيبون في تحليلهم وموقفهم مصلحة الشعوب العربية في الحرية والعدالة والخبز اليومي. في حين أن هذا المنطق ينطوي في أساسه على مغالطة خطيرة تتماشى بشكل غير واعي مع اختراقات استعمارية امبريالية للوعي العربي، تنطلق من ادعاء أن ليس هناك تماهي تام بين مصلحة الشعب الفلسطيني والعداء للمشاريع الاسرائيلية والامريكية وبين مصلحة الشعوب العربية ونضالها من أجل حقوقها ونهضتها وخبزها اليومي، بل تفترض بشكل غير واعٍ، التعارض الجوهري بين الاثنين. وكان آخر من "شغل" هذه الأسطوانة القديمة-الجديدة فيما يتعلق بالنقاش الفلسطيني حول ما يحدث في لبنان مؤخرًا والنقاش حول موقف بعض جهات الحراك الشعبي من حزب الله والمقاومة وسلاحها، هو الدكتور رائف زريق في مقال نشره على صفحته في فيسبوك وقامت صحيفة "القدس العربي" الالكترونية بنشرها على صفحاتها، وقد رد على هذا المقال، الاستاذ غسان فوزي على صفحته وفند الكثير من ادعاءاته ومنطلقاته وكشف مغالطاته التحليلية والتاريخية. وأحاول أن أقدم إضافة نقدية لا لمقالة زريق فحسب بل للمنطق الذي يستند عليه هو ومجموعة كبيرة من المثقفين الفلسطيين في مقاربتهم لما يحدث في لبنان والعالم العربي ومقاربتهم لمنطلقات الطرف الآخر من النقاش.
أنا من الذين يصفهم زريق بـ"الفلسطيني الذي يقيم في حيفا، في أعالي جبل الكرمل"، على الأقل في بعض أيام الأسبوع، و"يحظى نسبيًا باستقرار مادي"، على الأقل في بعض أيام الشهر، وفعلاً لا أدعو لإزالة اسرائيل عن الوجود ولا لتحرير القدس بسلاح حزب الله، وأرى أن القضاء على الصهيونية وقلب منظومة الهيمنة الكولونيالية الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني له ديناميكيات صراع ونضال أخرى وعملية وسيرورة سياسية شعبية يشكّل اليهود في اسرائيل أيضًا جزءًا منها، وليس الكفاح المُسلّح ولا الحرب العربية الشعبية جزءًا منها، ولا تعتمد على انتظار "الفرج العربي" من الخارج، لا من حزب الله ولا من غيره. بل لا أعتقد أن حزب الله يحمل مشروعًا حقيقيًا لـ"تحرير فلسطين" وأعتقد أن سلاحه سلاح ردع ومقاومة هيمنة لا مشروع "تحرير فلسطيني". ومع ذلك فإنّي أقيس الموقف من أي حراك لبناني نسبة إلى موقفه من سلاح المقاومة، وأنظر بعين الاشتباه والحذر إلى الحراك الذي يكون شعاره الأساسي بصياغة اسرائيلية على غرار "بيروت منزوعة السلاح"، ويتبنّى الهتاف ضد حزب الله، لا بصفته فاسدًا أو حاميًا للسلطة، بل بصفته "ارهابيًا" في استعارة للغة الأمريكية-الاسرائيلية. في حين يحتضن أبناء شارون الذين خلفهم وراءه بعد الاجتياح في بيروت مثل جعجع وآل-جميل. والحديث هنا عن التحرك في 9 آب في بيروت اثر انفجار المرفأ لا عن كل سيرورة انتفاضة 17 تشرين- لا لأني أعتقد أو أنتظر من هذا السلاح أن "يحرر فلسطين"، بل لأني أعتقد أنه يحمي الشعب اللبناني أساسًا وأعتقد أن معاداة المشاريع الاسرائيلية-الامريكية التي يشكل هذا السلاح سدًا امامها هو في صلب النضال من أجل الخبز اليومي وضد النهب والإفقار المرتبط بسياسات العولمة الرأسمالية النيوليرالية التي تفرضها الامبريالية الامريكية على الشعوب العربية، تلك الامبريالية التي تحمي وتشغل وتعزز الفاسدين وحيتان المال في لبنان النهبة الحقيقيين للشعب وتحاول، في حين تحاصر لبنان اقتصاديًا وتضعه على حافة الانهيار، أن تروج عبر وكلائها بواسطة بث ايديولوجيا مزيفة أن المقاومة وسلاحها سبب تردي الحال الاقتصادي.
مغالطة رائف زريق الأساسية تكمن في أنّه ينطلق من ادعاء أنه لا يوجد أي تماهٍ بين مصالح الشعوب العربية في الخبز اليومي والحرية والعدالة والنهوض الاقتصادي وبين القضية الفلسطينية والعداء للمشاريع الاسرائيلية والأمريكية، فتصبح في منهجه "القضية الفلسطينية" مجرد قضية عادلة يتضامن معها العرب من دوافع انسانية وأخوية الدم ربما. اذ أن للشعوب العربية "آلامها وآمالها ومشاكلها" المنفصلة عن قضية فلسطين، تلك "القضية الاساسية والعادلة" نعم، لكن المنفصلة عن "مشاكل أخرى يعاني منها السوري واللبناني من: أنظمة قمع وفساد وعصابات حاكمة وهدر يومي لكرامة المواطن وفقر". ويفكّ بشكل سطحي الارتباط الطبيعي والعضوي والجوهري بين مقاومة الهيمنة الأميريكية-الاسرائيلية وبين النضال من أجل النهوض الاقتصادي والتحرر الذي لا يتحقق إلّا بالانفكاك عن منظومة النهب الدولي والتبعية الامبريالية ونواطيرها المحليين، تلك المنظومة التي تحميها أمريكا واسرائيل. فكأنّه يقترح على الشعوب العربية أن تنشغل في "أمورها ومطالبها وغدها ومستقبل أطفالها وصحتهم وتعليمهم" وتستطيع أن تتفرغ فيما بعد للمقاومة كمرحلة ثانوية. في محاولة تقسيم المرتبط عضويًا إلى أولويات منفصلة، كأن مقاومة المشاريع الأمريكية والاسرائيلية هي مجرد رفاهية مكملة، مجرد خيار ايديولوجي رومانسي ومجموعة من الخطابات والاستعارات التي سيحين وقتها في ظروف أفضل ربما. وهي في الحقيقة وفي فهم دقيق لشكل المنظومة الناهبة القائمة والوعي التاريخي تقع في صلب النضال من أجل الصحة والتعليم والاقتصاد والنهوض، ذلك الذي لا يمكن أن يتحقق الا بهزيمة الهيمنة الأمريكية-الاسرائيلية والبرجوازية الكومبرادور التي تحميها وتعيد انتاج هيمنتها.
ان اسرائيل لا تعتدي على الشعب الفلسطيني فقط كما تحاول أن تصوّر هذه النظريات بل ان استراتيجية اسرائيل كانت قائمة تاريخيًا وتستمر، بتدمير وتحطيم ومحاربة أي مشروع في العالم العربي يشكل نظامًا مستقلًا عن الامبريالية ويبني اقتصاده المتمحور على الذات. هذا الذي فعلته اسرائيل في الصراع التاريخي مع أنظمة التحرر الوطني في العالم العربي منذ الخمسينيات، وهذا ما فعلته مع نظام عبد الناصر في مصر في حربي 56 و67 التي خاضتها في مصلحة مشاريع الهيمنة الاستعمارية البريطانية الفرنسية في الأولى والأمريكية في الثانية. ويدرك اليوم كل مطلع أن حرب تموز 2006 على لبنان كانت في صلبها حربًا أمريكية بأيدٍ اسرائيلية في ركب قطار الشرق الأوسط الجديد الذي كان يشق المنطقة بسرعة الصاروخ حتى اصطدم بجدار المقاومة اللبنانية. بل ان دور الاستراتيجية الاسرائيلية الرجعي والتدميري يصل إلى كل مكان في العالم حيث يوجد لاسرائيل يد في قمع الثورات التحررية حول القارات، مثل الوقوف إلى جانب نظام الابارتهايد العنصري في جنوب افريقيا حتى انهياره، والوقوف ضد كوبا ومسيرتها التحررية ودعمًا للحصار الأمريكي، ودعمها للانقلابيين الفاشيين في بوليفيا ضد الرئيس التحرري ايفو موراليس، وللمعارضة العميلة للغرب ضد نظام تشافيز-مادورو في فنزويلا، ووقوفها ضد التحرر الافريقي في كل دول القارة الافريقية. وما تكشف عنه الوثائق من تعاون الموساد والشاباك مع السافاك الايراني ونظام الشاه الرجعي في قمع الشعب الايراني. حتى أن اليسار التقدمي المتصاعد في الولايات المتحدة نفسها بات يربط نضاله من أجل نظام صحي للجميع وضد التكتلات الصناعية الكبرى وشركات الأدوية والسلاح والسياسيات النيوليبرالية وبين النضال ضد هيمنة اللوبي الصهيوني في داخل أمريكا الذي يرتبط بمصالح الشركات النهبوية الكبرى. كما أدرك اليسار البريطاني بقيادة جيرمي كوربين الارتباط الوثيق بين النضال من أجل مصالح العمال والفقراء والجماهير الشعبية وبين النضال من أجل فلسطين وضد اللوبي الصهيوني في بريطانيا الذي تحالف مع النخبة المالية والسياسية المحافظة لتشويه حملة كوربين الراديكالية ووصمها بمعاداة السامية. في حين يحاول بعض العرب أن يروج بأن النضال ضد المشاريع الصهوينية ينفصل عن النضال من أجل حقوق الشعوب العربية الأساسية.
في الحقيقة ان هؤلاء الذين يتكلمون عن "النرجسية الفلسطينية" هم من يقعون في شراكها. لأنهم يعتقدون أن المشاريع الامريكية والاسرائيلية في المنطقة كلها تدور حول فلسطين، وما وجدت وما صُنعت الا لأجل قمع الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية هي مجرد أعراض جانبية لهذا الصراع. مع أن فلسطين ما هي الا حلقة صغيرة في مشروع هيمنة امبراطورية أمريكية على المنطقة معادية لكل مشاريع التحرر الوطني وبناء النهوض الاقتصادي المتمحور حول الذات. يظنون أن مواجهة الشعوب العربية لمشاريع الهيمنة الامريكية-الاسرائيلية هي "منة" على الشعب الفلسطيني و"تضامنًا" مع شعب آخر. مع ان هذه المواجهة في صلبها هي معركة على حياة وكرامة هذه الشعوب وخبزها اليومي الذي تمنعه عنهم منظومة النهب الدولية والعولمة الرأسمالية النيوليبرالية. هل يظن هؤلاء أن فنزويلا وكوبا وبوليفيا تخوض معركة تكسير عظام مع الهيمنة الأمريكية وحليفتها اسرائيل من أجل فلسطين؟ ما هذه النرجسية؟ ألا يعرف هؤلاء مثلاً اذا كان الحديث عن السياق اللبناني، أن الحركة الوطنية اللبنانية في السبعينيات هي من تحالف مع الثورة الفلسطينية وهي من استعان بها واحتاجها، لا من أجل تحرير فلسطين، بل لانها رأت فيها قوى تقدمية ثورية في داخل المجتمع اللبناني في سبيل المعركة على لبنان ذاته، وجهته الحضارية وانتمائه التحريري ومشروعه الاقتصادي في وجه مشاريع الانعزال اليميني الفاشي المرتهنة للغرب. انهم يعانون شكلًا عميقًا من النرجسية الفلسطينية لدرجة أنهم لا يدركونها ويقومون بإزاحتها على الآخرين.
وهذه الايديولوجيا التي تفصل بين قضية فلسطين وبين مصالح الشعوب العربية في التطور والنهوض هي في اساسها اختراق استعماري للوعي العربي يروج لها مثقفو واعلاميو ونشطاء محمد بن سلمان ووكلاء الايديولوجيا الامريكية المتماشية مع صفقة القرن والتي تريد أن تقايض "الازدهار الاقتصادي" الفارغ الذي تعد به، بالتخلي عن المقاومة والاستسلام للمشاريع الاسرائيلية-الامريكية والخضوع لهيمنتها. وتصب في صلب مشروع نتنياهو من أجل التطبيع مع الدول العربية بمعزل عن القضية الفلسطينية، اذ أن في تصوره يستطيع أن يقيم السلام مع الشعوب العربية دون أي تنازل من جهة اسرائيل للشعب الفلسطيني ودون حل القضية الفلسطينية. وفي الحقيقة التاريخية فان التخلي عن قضية فلسطين والعداء للمشاريع الاسرائيلية من أجل الالتفات إلى المصلحة الداخلية للشعب كان العنوان الأساس للانقلاب على مصالح الجماهير الشعبية ومكتسباتها الاجتماعية في مصر السادات وكامب ديفيد. وهذا النموذج الذي تجري محاولة اعادة انتاجه اليوم العالم العربي بعد مصر اولًا، إلى سوريا اولاً والاردن اولًا ولبنان اولًا والعراق اولًا..
نعم فلسطين هي البوصلة، ليس لأننا نعاني من "نرجسية فلسطينية" ولا لأن الشعب الفلسطيني هو شعب الله المختار، ولا لأن انبياءً تمشوا يومًا على هذه الأرض، بل لأن الموقف من فلسطين والنضال ضد المشاريع الاسرائيلية-الامريكية التي يقف الشعب الفلسطيني في خط المواجهة الامامي لها، هو موقف ونضال ومن أجل مصلحة الشعوب العربية وجماهيرها المسحوقة وحقوقها العادلة وحريتها وخبزها اليومي.
.png)


.png)

.png)






.png)

