"تقليص الصراع" = توسيع الصراع| أحمد أشقر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أشعل رئيس حكومة الاحتلال، نفتالي بنيت، بإعلانه وتبنيه نهج "تقليص الصراع" (العربي- اليهودي) سيلًا من الكتابات والتحليلات من سياسيين وأكاديميين عرب حول معنى هذا الإعلان ومقاصده وترجماته السياسية المستقبليّة. هذا المقال لا يُعنى بمناقشة تلك التحليلات، رغم أهميتها ووجاهة بعضها، بل يُعنى بالقول إن تقليص الصراع هو تحصيل حاصل الاستراتيجية اليهودية الدينية التوسعيّة وتواطؤ الموقف العربي وهجمات السلام البهلوانية و"سلام الشجعان" و"التأثير من الداخل" لجماعة ما قبل المشتركة التي بدأت بمحاولة إيجاد تسوية ما مع الغزاة اليهود منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كما أنه لا يُعنى أصلًا بحلّ الدولتين الذي يجسّد الهزيمة العربيّة، إذ لا علاقة لليهود وإسرائيل به، بدليل عدم الاكتراث به عند سن قانون القوميّة  سنة 2018 الذي اعتبر اليهود الأصحاب الشرعيين للأرض الممتدة من الساحل الشرقي للمتوسط إلى حدود الأنبار العراقية باعتبارها "أرض إسرائيل" والعرب الذين يعيشون فيها ليسوا إلا سكانًا، (جوييم)، لنعود إلى المربع الأول: "أبناء النور" (اليهود)- مقابل "أبناء الظلام" (العرب)، وهو الموقف الذي استعارته اليهودية من المانويِّة الفارسيّة في سفر"دنييل/ دانيال 12"، ثم وصل  مفهوم "تقليص الصراع" إلى أحد وثائق قمران تحت عنوان حرب أبناء النور ضد أبناء الظلمة، وبات شائعًا منذ القرن السادس عشر، وتتبناه حاليّا حركة "حباد". وبالمناسبة: استمعت قبل أيام إلى أغنية في أحد المقاهي اليهودية يستعير مؤديها سيرة عداء "أحشويرش" الفارسي لـ"دنييل" اليهودي، وكثيرًا ما سمعنا من يهود إسرائيليين يقولون أن معركتهم ضد إيران الحالية هي انتقام من الفرس بحسب سفر "دنييل" في التناخ. بهذا يكونون قد وضعوا عداءهم للفرس والعرب خارج التاريخ والبقاء ضمن أساطير التناخ.

   *    *    *   *

 

بات من المقبول إعلاميًّا عزو مصطلح "تقليص الصراع" لأحد مثقفي التيار الصهيوني الديني "ميخا جولدمان"، وهذا يساعدنا على فهمه أكثر بكثير من التنظيرات السياسية العربية التي تنتزع بصورة قسريّة العقيدة اليهودية من السياسة الإسرائيليّة. فـ"جولدمان" يقول بعدم وجود حلّ للصراع ويصفه بالأبديّ لذا يجب التعامل معه بمنهج مختلف ومغاير(...). هذا صحيح جزئيًّا إذ ليس باستطاعة العرب في المدى المنظور هزيمة اليهود وإسرائيل أو فرض أي حلّ عليهم، كما أنه ليس بإمكان إسرائيل إلقاء قنابل نووية على العرب لإبادتهم، رغم أنها قادرة من ناحية عسكرية ثنائية بينها وبين العرب، (لفهم هذه الجزئية بالتحديد يمكن العودة إلى حديث العقيد قسطنطين سيفكوف نائب رئيس أكاديمية العلوم الصاروخية والمدفعية في قناة روسيا اليوم بالعربيّة حول سيناريوهات المواجهة النووية العالمية والحرب الإقليمية). لذا يصبح تقليص الصراع تحصيلًا حاصلا. كي نفهم من أين أتى "جولدمان" بهذا المفهوم علينا أن نعود إلى أهم شخصية يهودية بعد "بار- كوخفا"- بحسب (شمعون بيرس)- أقصد الـ(راب كوك، 1865- 1935) الذي اعتبر (إمكانية) إقامة دولة إسرائيل فيها "התגלות אילוהית\ تجليًّا إلهيًا" و"بداية الخلاص/ אתחלתא דגאולה"، التي هي مفاهيم مشيحيانية. ويُعتبر (كوك) الأب الروحي للتيّار اليهودي- الصهيوني المتديّن، الذي يتجلّى تعبيره الفعليّ في المستعمرين في الضفة الغربية. أي أن صراعهم ضدّ العرب لا علاقة له بالتاريخ وتوازنات القوى والمؤتمر الدولي والنقاط العشر والخمسين والألف، ومبادرتي الملك فهد 1981 وبرجينيف "الاعتراضيّة" 1982 وتهويمات الدولة الواحدة. (بيرس) صاحب مشروع تقليص الصراع في أوسلو وتوسيعه في الشرق الأوسط الكبير.

   *    *    *    *

 

وثق الدبلوماسي "موشي يَجر" مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية (1980- 1985) لقرن كامل من المحادثات لحلّ الصراع العربي اليهودي من سنة 1914 إلى 2014 ويخلص للقول: إن فشل هذه المحادثات بإيجاد حلّ للصراع هو رفض العرب الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، الذي معناه موافقة العرب على إقصاء أنفسهم من وطنهم ومن تاريخهم لصالح المستعمرين والرواية اليهوديّة (https://din-online.info/pdf/kv31.pdf، ص 110- 129)، ولا يكفيهم تصريح الرجل الإسلامي الإسرائيليّ القميء من الكنيست عن يهودية الدولة، حتى لو سلّم ما تبقى من عرب فلسطين مفاتيح بيوتهم لليهود فلن يرضوا بذلك، وهذا الأمر متعلق بضرورة وجود (الجوي)/ العدو في اليهودية. وتكمن رمزية خطورة الانفلات الذي قام به ذلك القميء لأن صحفيًّا عربيّا هو الذي دفعه إليه من على منصة اليهود مثل عبيد المنازل. قبل سبعة عشر سنة تنبأ أحد أساتذة هذا القميء في كليّة الشريعة في أم الفحم له أن يصبح وزيرًا في حكومة إسرائيل، إذن الأمر مدروس! (ملاحظة: العرب عندهم تاريخ- واليهود عندهم رواية أو سرديّة، ومخطئ كل من يستخدم السردية الفلسطينية كإشارة للتاريخ العربي في فلسطين).

   *    *    *    *

 

انطلق اليهود قبل النكبة وإقامة "إسرائيل" في تعاملهم مع الحلول التي طرحها العالم والعرب لصراعهم معها من منطلق تقليص الصراع وإبقائه على ثابت أرض إسرائيل الكبرى، وما الحديث عن حلّ الدولتين إلا مصايد العسل لتحييد القوى السياسية العربية التي تبنته، وجماعة أوسلو ليست الوحيدة ولا الأخيرة. في هذا السياق نذكر (شمعون بيرس) مُنظّر أوسلو الذي عمل على إعادة إنتاج "إسرائيل" مجددًا ورفدها بالمهاجرين اليهود من روسيا بعد الحرب الباردة، وتقليص الصراع في اتفاقيتي أوسلو وباريس. في المقابل نذكر "نتنياهو" الذي ذهب إلى مغامرة أصبحت وجودية لإسرائيل بتوسيع الصراع مع قوى لها مطامح دينية وإقليمية في المنطقة، أي إيران، حزب الله وسورية التي بات على قيادتها من الناحية العسكرية فقط (دون القومية) الدفاع عن حدودها خارج حدودها، كما فعل ستالين بعد الحرب العالميّة الثانية ويفعل بوتين في المسألة الأوكرانية اليوم. فإذا ما قيّض لنا أن نربط تقليص الصراع بتوسيعه لقلنا: إن تقليص الصراع يأتي مقابل أو يتمفصل مع 'توسيع الصراع' الذي خطّه "نتنياهو" في سنوات حكمه بتسعير العداء والتحريض ضد إيران التي أدركت أنها مستهدفة من قبل "إسرائيل" أكثر بأضعاف من عداء إسرائيل للكيانات العربية كافة باستثناء سورية ويمن الحوثيين. بالمناسبة: إذا ما قرأنا دور حزب الله اللبناني في الدفاع عن سورية ضد كل إرهابيي الكون، يمكننا اعتبار دخول سورية بقيادة الأسد الأب إلى لبنان سنة 1976 محاولة صائبة وسليمة في الدفاع عن سورية خلف الأسوار القطريّة من جهة، وحماية لبنان من تفكيك المفخخات الطائفيّة، من جهة أخرى.

   *    *    *    *

 

بدأ (نتنياهو) محاولته توسيع الصراع مع إيران والخليج ضمن مفاهيم أسطورية يهودية تتمثل بأرض إسرائيل الكبرى؛ وجيوسياسية متمثلة بكبح طموح إيران في المنطقة بغياب وحدة مصر وسورية، جناحيْ نهضة الأمة العربيّة؛ وسياسية تتمثل بدفع كيانات الخليج لتحمل العبء الأكبر في مواجهة محتملة مع إيران. هذه الأمور مجتمعة لا يمكن أن تجد لها مكانًا شرعيًّا في التاريخ (facts). فمكر التاريخ الساعي إلى الحريّة عند هيجل كافٍ لمحاصرته وإفشاله.

وتُنبئنا الأخبار والأحداث الماضية أن المؤسسات العسكرية والأمنية كانت تتابع إدارة (نتنياهو) و(براك في فترة ما) بقلق بالغ. في تشرين الثاني من سنة 2011 أرسلت قوى الأمن والعسكر "مئير دجان" الرئيس الأسبق لجهاز الموساد إلى وسائل الإعلام للتحذير قائلًا: إن الثنائي "نتنياهو" و"براك" قررا شنّ هجوم على إيران. مضيفًا: إن الاثنين لا يدركان حجم المخاطر الناتجة من هذا الهجوم غير المحسوبة نتائجه، الذي يمكن أن يتحول إلى حرب إقليمية يشترك فيها (إلى جانب إيران) حزب الله وحماس وسورية. وأضاف محذرًا: إن بإمكان إيران أن تمطر "إسرائيل" بالصواريخ لعدة أشهر! وبحسب وكالة "بلومبرغ" الإخبارية في 22. 1. 2015- بعث "الموساد" برسالة رسميّة إلى المشرّعين الأميركيين يؤكد فيها أنّ فرض عقوبات إضافية على إيران سيمسّ بالمفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وذلك خلافًا لموقف نتنياهو، وهذا ما يحصل الآن. بعد أن أقنعت (إسرائيل) سلطة "ترامب" بالتخلي عن الاتفاق النووي من سنة 2016، فها هي تصرخ وتستجدي العالم بإقناع إيران بالعودة إليه بعد تمكنت من تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% وتطوير أجهزة طرد مركزي. يُضاف إلى المفاهيم الثلاثة المذكورة المركب الهام والحاسم في سيكولوجية (نتنياهو) المتمثلة باستحضار سرديّة عداء اليهود وتخويفهم حتى من الرجل القميء وجماعته.

كتبت البروفيسورة المختصة في علم النفس الاجتماعي "إيفا إيلوز" في مقال نشرته في صحيفة "هآرتس" بتاريخ 12. 2. 2015 أن «نتنياهو» أكثر من يستخدم التخويف في سياسته، لذا لم ينجح في حلّ أيّ من مشكلات الكيان الداخلية أو الخارجية، بل يُصعّدها إلى درجات عالية غير قابلة للحلّ من قِبله أبدًا؛ والأمر يتكرر مع ورثته الذين يواصلون التحريض والضغط على إيران، التي بسببها سعت "إسرائيل" لتقليص الصراع وفضّ العرب عن قضية تحرير فلسطين، وتوسيعه من أجل كبح طموحها المشروع وهي الجزء العضوي من الحيّز الجيوحضاري للإقليم وشعوبه. و(نتنياهو) صاحب فكرة الحرب الأبديّة مع العرب كما عبّر عنه في خطاب "بار- إيلان" في الحادي والعشرين من عام 2015.

عودًا على بدء؛ يختلط "تقليص الصراع" مع توسيعه، فإذا ما تمعنّا في حملة مكافحة الجريمة بين عرب 48، والحرائق التي أشعلتها المؤسسة الإسرائيلية في الجليل بشقيّه الفلسطيني واللبناني والقدس بالصيف الفائت، وتصريحات السيّد حسن بأن حزب الله قادر على تحرير الجليل الفلسطيني، ومسألة التطبيع مع كيانات الخليج وتهديدها لإيران، لاستنتجنا أن تقليص الصراع هو توسيعه في متلازمة واحدة كمتلازمة العلاقة بين اليهودية والصهيونيّة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين