"جوبلين بحري"- قراءة تأويلية (1-2)| رياض كامل

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مقدمة

تولي نظريات جماليات التلقي أهمية كبرى للّقاء بين القارئ والنص، ولما ينشأ عنه من تأثير وتأثّر متبادل أثناء عملية القراءة، وترى أنّ القارئ النموذجي، كما يسميه ألبرتو إيكو، هو القادر على تأويل النص وربطه بما سبقه من إنتاج، اعتمادا على ثقافته وتجربته ومهارته في ملء ما يسميها فولفجانج إيزر "الفراغات" التي يتركها النص. وهي تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل أدب وكل أديب، دون عزلهما عن البيئة الاجتماعية والسياسية والجغرافية. وتعمل على إبراز الجديد في العمل الأدبي وتحديد خصوصياته، وتناوله من جوانب متعددة.

وجد أصحاب هذه النظريات أنّ النص يبقى ميتا حتى يأتي قارئ ويعيده إلى الحياة، وهم بذلك يعيدون الاعتبار إلى القارئ/المتلقي بعد أن غبنته المناهج الكلاسيكية، التي اعتمدت في التأويل على "سلطة" المؤلف؛ سيرته الذاتية، بيئته، محيطه ومسيرته. ولمّا ظهرت البنيوية، منتصف القرن العشرين، أدخلت عدة تعديلات على المفاهيم الأدبية، وجعلت النص مركزا للتأويل، وتبنّت مواقف مناقضة كليا للنظريات التقليدية تجلّت في إعلان رولان بارت "موت المؤلف"، كرد فعل لما كان من قبل دون أن تولي هي الأخرى أهمية للمتلقي ودوره. لكنّ أصحاب نظريات جماليات التلقي فيرون في القارئ/ القراء السلطة القادرة على بناء المعنى، وإحيائه من خلال الكفاءات الموسوعية والمعجمية واللغوية التي تجعل النص يتجدّد مع كل قراءة.

كل رواية، مهما اختلف موضوعها، هي عمل فني يمزج بين الواقع والخيال. وكل عمل روائي من شأنه أن يثير تساؤلات لدى القارئ، قبل القراءة، وأثناء عملية القراءة وبعدها. وأمّا التساؤلات الشرعيّة والمشرّعة على أبواب عدة فهي: كيف نستقبل رواية جديدة لكاتبة جديدة؟ وهل علينا، كما هي العادة أن نقارنها بروايات سابقة لها؟ وهل تمكّنت من جذب القارئ وخلق حالة من التأثير في العقل والوجدان؟

نحاول من خلال هذه المقالة أن نجيب على هذه الأسئلة وعلى غيرها من خلال محاورة رواية "جوبلين بحري" الصادرة حديثا (2021) للكاتبة دعاء زعبي خطيب، التي كانت قد أصدرت من قبل مؤلَّفا أدبيا بعنوان "خلاخيل" (2017)، لفتت فيه الأنظار قدرتُها على تجنيد لغة غنيّة وثريّة، مع ميل إلى السرد القصصي الجذّاب. يبدو أنّ نجاح هذا الكتاب دفعها إلى خوض تجربتها الجديدة، بعد أن قامت مجموعة من النقاد بدراسته وتحليله. 

تقوم هذه الدراسة بمعالجة الرواية بإيمان عميق أنّ المتلقّي هو ندّ للمؤلّف، ولكن دون تحييد أي "سلطة" من "السلطات" الثلاث: القارئ، النص والمؤلف في تعاضدها معا. فالمؤلِّف يبدع النصّ ويتركه للقارئ الذي يقوم بإحيائه من خلال عملية التأويل التي تتناوله من زوايا عدة، دون إغفال التاريخ والجغرافيا والبيئة المحيطة بكل مركباتها.

 

/تمهيد

أن تكتب رواية يعني أن تفتح عيونك العشر على الأرض والسماء، وما يحتويانه من نجوم وذرّات تراب، وعلى ما يحتويه البحر من أسماك وأصداف، وأن تبنيَ وترسمَ شخصيات تعيش تناقضات الحياة. على الروائيّ أن يُصيخ لأنين شخصياته ويتنبّهَ لتفاصيل وجوهها، وأن يغور في اندفاع غرائزها في كل تجلّياتها. وأن يكون رسّاما ونحّاتا وسيكولوجيّا ومسرحيّا يُحيط بالخارج والداخل، ويلمّ بكل مركبات الديكور (الفضاء) من زركشات ونمنمات، وأن يتنبّه لتحرّكات الجسد وهو يثور ويمور ويقفز ويغضب ويهدأ، وأن يقوم بتأثيث كل لحظة وكل ومضة، حتى تكتمل ما تسمى لعبة الإيهام بالواقع، للانتقال من عالم الواقع نحو عالم الرواية التخييليّ. على الروائي، أيضا، أن يضبط الزمن، وأن يحرّك الأحداث وفق منطق زمني سليم. وأن يحبكها بخيط حريريّ جميل ومتين.

الرواية تكوين لغويّ، واللغة ثروة يجب قيادتها بمهارة فارس يمتطي حصانا أصيلا يقوده بحنكة في كرّه وفرّه، وإقباله وإدباره. واللغة فرس شَموص تأبى الانقياد إلا لمن يعشقها. فكل نص روائي هو عبارة عن جوبلين لغوي. فهل نُسجت "جوبلين بحري" نسجا سليما؟ وهل تمكنت الروائية من الإبحار في دنيا الرواية؟

نجحت رواية "جوبلين بحري" الصادرة حديثا، في لفت أنظار القرّاء العاديين وبعض القرّاء المتمرّسين، فأقيمت حولها عدة ندوات، وشارك فيها عدد من الدارسين، ونشرت حولها بعض الدراسات رغم أنها جديدة العهد. وهي، برأينا، جزء من جوبلين فلسطينيّ يعالج قضايا هامة من أهمها المواجهة بين الذات والآخر.

يدور الصراع في "جوبلين بحري" في ساحة الفكر والثقافة، طرفاها شابة جامعية عربية فلسطينية طموحة من مدينة يافا تدعى ميار يوسف، ومحاضرة جامعية يهودية صهيونية تدعى سارة فنكلشتاين، كانت السبب في إبعاد ميار عن حقل الدراسة الأكاديمية، بحجة أنّها لا تصلح إلا للزواج والإنجاب.

كان على هذه الفتاة، وحيدة والديها، أن تتركهما وأن تترك مدينة يافا/ الوطن، فالحرب كرّ وفرّ، وأن تلتحق بجامعة ألمانيّة في مدينة برلين، لتعود بعد خمس عشرة سنة مدججة بشهادة دكتوراه لتهشّم صاحبة الأنف الاستعلائي التي اعتادت، بحكم كون المحاضرة الخصم، سارة فنكلشتاين، كابتن طيار سابقا، أن تنظر من أعلى إلى أسفل، وأن تقذف بحمم طائرتها أبناء شعب ميار يوسف ابنة يافا.

حددت ميار الهدف؛ تحقيق الذات علميا وثقافيا وفكريا، ومن ثم الانقضاض على الخصم وتحطيم النظرة الفوقية، وكان لها ذلك مواجَهَةً في مؤتمر علميّ أقامته الجامعة، تكون فيه ميار الفلسطينية وسارة الأستاذة اليهودية ضيفتين ندّين على منصة المحاضرين. تلقي ميار محاضرتها وقد ضمّنتها رسائل تستعيد فيها موقعها ومكانتها، وتقابَل من الحضور ومن طلابها بتصفيق حار.

تسير الرواية في أكثر من اتجاه واحد، تجعلنا ننظر إليها من زوايا مختلفة؛ فهناك قصة ميار الشخصية المركزية، وهناك قصة حلا الصبية السورية، وهي بحد ذاتها قصة جذابة ومؤلمة، وترتبط بقصة ميار بخيط متين. وهناك فضاءات عدة، ولغات عدة، وتقنيّات متعددة لتنويع السرد. تقوم هذه المقالة بدراسة الرواية من خلال صياغتها ونسيجها الزمني والمكاني واللغوي وربطها بالرواية الفلسطينية القديمة والحديثة، ونقاش فكرتها المركزية عبر لقاء الذات والآخر، ووجدتْ من الأهمية بمكان أن تولي العنوان وصورة الغلاف الاهتمام اللازم وتحليل دلالتيهما بإيجاز.

 

/العنوان ودلالاته

لا يمكننا الحديث عن العنوان بمعزل عن مركبات الغلاف و"عتبات النص"، التي تحدّث عنها جيرار جينيت باعتبارها نصوصا موازية للنص الأصلي. ولكنّنا سنكتفي بالحديث عن العنوان والغلاف، فالقارئ يلتقي بهما مباشرة قبل ملامسة الصفحات الأولى للكتاب. إنه لقاء في غاية الأهمية وقد يكون دافعا للقراءة أو عاملا منفّرا. إنّ هذه العملية بمثابة لقاء بين آخِر ما يقوم به المؤلِّف وأول ما يقوم به المتلقي، إذ ما أن ينتهي المؤلِّف من كتابة آخر كلمات في النص حتى يبدأ بالبحث عن عنوان يشير بإيجاز شديد إلى المضمون الكلي للنص وتوجّهه وهويته، فقد يكون العنوان رمزيا وشفّافا، وقد يكون غامضا ومراوغا، وقد يكون مباشرا، وقد يكون مخالفا لمضمون النص ورسالته.

 يُعتبر العنوان المركَّب الأول والأهم في "عتبات النص" لأنه يتواجه مع القارئ مباشرة قبل أي مركَّب آخر، ويلازمه منذ الملامسة الأولى حتى إغلاق الصفحة الأخيرة للكتاب، وما يتلو ذلك من تساؤلات حول العلاقة بين مجمل النص والعنوان. لذلك فإنّ تأويل العنوان يجري على أكثر من مرحلة، هو الآخر، وفق الترتيب التالي: المواجهة الأولى التي تسبق ملامسة الصفحة الأولى من الكتاب، فالمواجهة الثانية أثناء عملية القراءة، وما يرافق ذلك من تغييرات في وجهة نظر القارئ، ثم المواجهة الأخيرة بعد الانتهاء من القراءة.

يدهمنا العنوان المركب من كلمتين، وتفاجئنا كلمة "جوبلين"، مما يثير القارئ ويدفعه للبحث عن مفهومها المباشر، وعن دلالاتها وأبعادها، وعلاقتها بالكاتبة وبالأحداث. فالعنوان هو حلقة الوصل بين المؤلِّف والقارئ من جهة، وبين القارئ والنص من جهة أخرى. وبما أنّ الجوبلين هو نوع من النسيج فإنّ المتلقي سيبحث عن نوع هذا "النسج" وعن العالم الذي سيأخذه إليه. أما وأنّ الجوبلين بحريّ ففي الأمر سفر وحركة وغربة، لأن البحر عند أهل فلسطين والعرب عامة يوحي بالبعد والهجران والشوق والمغامرة، أو بالضياع أحيانا. وهذا ما يتحقّق منه المتلقّي بعد الانتهاء من القراءة. فما تتعرض له ميار في جامعتها الأولى في البلاد من ظلم وغبن، يقودها إلى السفر إلى برلين، حيث تعيش هناك وتدرس في إحدى جامعاتها، بعيدا عن الأهل والوطن والبحر والحبيب، يلازمها اشتياق لا يبرحها حتى تعود، ولكنّها تنسج حياتها ومستقبلها بألوان متعددة غربيّة وشرقيّة، وتكتسب ثقافات متعدّدة، وتحمل شهادة تجعل منها شخصية أخرى أكثر نضوجا واكتمالا.

يجذبنا شكل الغلاف ومركباته كلها، ويكون اللقاء مثيرا حين تقع العين على صورة مفتاحين تحت العنوان مباشرة، وعلى صورة مدينة بحريّة على الغلاف الخلفيّ. كل هذه المركبات وغيرها يكشف سرَّها طابعٌ بريديّ نقش عليه اسم يافا بأحرف إنجليزية، ما يدل على أنّ هذه يافا وهذا بحرها.

الغلاف بشكله وبمركباته لافت جدا للانتباه، وهو بحد ذاته عمل فنّيّ جميل ينمّ عن موهبة وظّفها صاحبها في بناء غلاف مثير وجذّاب، وبما أنّ العنوان هو "جوبلين بحري"، فقد جعله المصمّم بلون البحر، يستطيع القارئ أن يتحسس حروفه الناتئة الملساء الناعمة. وأمّا المفتاحان فهما صورة طبق الأصل عن شكل مفاتيح البيوت الفلسطينية ولونها، تلك المفاتيح التي ما زال أهلها يحتفظون بها حتى اليوم، وهما يثيران في دلالتهما وجدان القارئ الفلسطيني، ويستدعيان صور التهجير والأمل بالعودة. فكان ذلك كلّه بمثابة دعوة محفزة على فتح مصراعي الباب/ الكتاب واستقبال الصفحة الأولى وما يليها من الصفحات.

بعد التحديق والتمعّن في شكل المفتاحين تبيّن أنهما مربوطان بحلْقة دائرية، رأى المتلقّي فيها، بعد الانتهاء من قراءة الرواية رمزا شفّافا يجمع بين ميار وحبيبها نديم اللذين التقيا في نهاية الرواية في يافا وقرّرا متابعة الطريق معا. والغريب في الأمر أنّ ملامسة المفتاحين تكاد تكون ملامسة حقيقية لمفتاحين معدنيين، فهل قصد مصمم الغلاف أن يفعّل بعض حواس القارئ؟!

إنّنا نرى أنّ العنوان لوحده لا يقودنا مباشرة إلى معرفة الموضوع الرئيسي للرواية وتوجّهها الفكري، لأنّه عنوان مراوغ. أما بقيّة مركبات الغلاف الأمامية والخلفية فهي في اجتماعها معا تأخذنا إلى مدينة بحرية، وإلى غربة وأمل بالعودة، وإلى لقاء الحبيبين بعد غربة. لا ندّعي أنّ هذا التأويل مقدّس، فقد يرى غيرنا دلالات أخرى، وقد يذهب في تأويله مذاهب أخرى، لكنّ القارئ لا يستطيع أن يتغاضى عن صورة يافا والطابع البريدي الذي يشير إليها بوضوح، وسيرى لون البحر ترابيا نتيجة انعكاس صورة بيوت يافا على صفحة الماء، واندماج هذه المركبات وانصهارها معا. وستتكشّف أسرار بعض رموز الغلاف بعد الانتهاء من عملية القراءة. نترك لكل متلق أن يقول في ذلك ما شاء، شرط أن يربط بين كل مركبات الغلاف والعنوان، وبين ما جاء في النص كاملا.

 

/فضاء أم فضاءات

تحتفي الرواية الفلسطينية بشكل عام بفضاء فلسطين؛ القرية، البيت، الأزقة، الأرضِ، الحقل، المخيّم وكلِّ ما يتعلق بهذا الفضاء من إنسان وحيوان ونبات، وما يتلوه من عادات وتقاليد ولغة. تحفل "جوبلين بحري" بأكثر من فضاء: يافا، الشام، برلين وجنوب إسبانيا وغيرها، مما استدعى لغة غنية تتجاوب مع التعدد الفضائي بمركبيه المكاني والزماني، انعكست في توصيف أمكنة متنوعة المعالم والثقافات، كما في وصف الملابس والأسواق والشوارع والأزقة وهندام البيت والأماكن التجارية الكلاسيكية والحديثة، والبحر في موقعين مختلفين: يافا وجنوب أسبانيا، فكان الوصف جزءا هاما ومركَّبا رئيسا من مركبات الخطاب الروائي، فالفضاء مركب لغوي بامتياز.

يستطيع القارئ أن يميّز بين فضاءين مغايرين تماما، هما فضاء يافا وفضاء برلين، بينما سيجد الكثير من التشابه بين فضاء يافا وفضاء الشام، بكل ما يعنيه الفضاء من مركَّبات ومن أبعاد. فشكل مقاهي برلين وشوارعها وبيوتها يحمل صورة لمدينة غربية حضارية ساحرة، تفرض على ساكنها أن يكون جزءا منها ومن عاداتها وتقاليدها وأسلوب عيشها في الليل والنهار، وبالذات في الحياة الفردية المستقلة "الحرة". أما مقاهي الشام ويافا وأسواقهما فهي مقاه شعبية وأسواق يفوح منها عبق الماضي وسحر الشرق، وفي كلتا المدينتين عائلة تتوق إلى عودة ابنتها، فأهل يافا في انتظار ميار، وأهل الشام في انتظار حلا. وبناء عليه لا بد من إثارة سؤالين يكمل أحدهما الآخر: لماذا اختارت الروائية أن تكون البطلة من مدينة يافا بالذات؟ ولماذا نقلت الصراع من جامعة إسرائيلية إلى جامعة برلين الألمانية تحديدا؟

يافا هي المدينة العريقة، التي ربطت فلسطين بدول العالم، والتي ذُكرت في كتب التاريخ مدينة تبثُ الحضارة إلى الشرق والغرب. يافا المدينة التي فاقت كثيرا من مدن العالم بجمالها، ونافست الكثير من العواصم العربية والغربية. هذه المدينة العريقة الجميلة التي تختصر جمال فلسطين هُجّر معظم أهلها وبقي جزء بسيط من ساكنيها يصارعون من أجل البقاء في أحيائهم الفقيرة دون أن يتنازلوا عن بحرهم الذي يربطهم بالعالم الواسع. يافا وبرتقالها وتاريخها وتراثها وحضارتها رمز فلسطيني بامتياز. يافا التي فتحت أبوابها وشرّعتها للجميع يلتقي فيها الشعر والرسم والنحت والغناء، باتت مدينة فقيرة يتشبث أهلها بها وبماضيهم.

يافا فضاء رواية "راكب الريح" الرئيسي ليحيى يخلف، ويافا أحد فصول "عائد إلى حيفا"، لغسان كنفاني، ويافا فضاء هام في رواية "عليّ قصة رجل مستقيم" لحسين ياسين، ويافا التي تغنى بها الرحابنة وكبار الشعراء. وهي في عين ميار وأهلها وسكانها ند معادل لبرلين العريقة. يافا فلسطين التي يجب أن تعود إلى سحرها لتلبس ثوب عرسها، ولذلك كانت العودة، عودة ميار، بعد خمس عشرة سنة وكان اللقاء بالحبيب، وكان البحث عن اسم لوليدتهما التي قد تولد يوما ما؛ حلا أو يافا، أو إن شئتم "حلا يافا" في تآلف الاسمين معا، نصوغه بناء على ما توحيه الرواية. من هذا الرحم بما تمثّله من مكانة ومن رموز ودلالات غنية تخرج ميار. وميار بالعربية جالبة الخير، وبالفارسية ضوء القمر، وبالتركية وردة الجنة. وحلا رمز للشام ومعاناتها، يلتحم المكانان ويتشابهان في الماضي والحاضر، ويلتحم الأبناء في الألم والأمل.

أما في برلين فتلتقي شعوب عدة، وطلاب من جنسيات مختلفة. برلين المدينة التي فتحت أبوابها لكل الفنانين، كما جاء في الرواية، يلتقي فيها يلتقي طلاب من كل الأقطار العربية والأجنبية. وكما يحدث في حواضرَ أوروبيةٍ أخرى يلتفّ الطلاب العرب الغرباء حول بعضهم هنا، غير محاصرين بأنظمتهم وقيودها، ينفتح لهم أفق التحرر، فيحلّق الفكر وتحلّق الروح، ويصبح العربي إنسانا سويّا متحرّرا من أغلال النظام والعادات والتقاليد. هنا يستطيع أن يشعر أنّ السماء مكان للتحليق، فيغدو ندّا للآخر، ندّا واثقا بذاته وبقدراته، متحرّرا من عقد النقص التي ترافق العربي حين يولد في أي قطر عربي.

وبما أنّ كل نص يمكن الولوج إليه من زوايا تأويلية عدة لذا قد يكون الدافع لدى الكاتب الضمني أو "الأنا الثانية" (كما يسميها الكاتب البريطاني وين بوث) هو تذكير الطرف الآخر، ممثلا باليهودية سارة فنكلشتاين، أنكِ هنا في برلين وفي ألمانيا غُبنتِ، وظُلم شعبُك ذات يوم، فمن كان الضحية وجرّب الغبن والضيم عليه ألّا يتحول إلى جان وظالم. هنا جربتِ أنت وشعبك ما معنى النظرة الاستعلائية، والنظرة الفوقية، فكنت الضحية، واليوم تمارسين أنت على غيرك نظرية الاستعلاء.

هذه الأمكنة المتعددة فرضت على الكاتبة أن تعمل على تأثيثها تماما كما يعمل المختصون في تأثيث ديكور المسرح وتجهيزه بأغراض تحمل هوية المكان وما عليه من بشر وشجر وحجر. فبيت يافا ليس غرفة ميار في برلين، رغم أن الساكن هو نفسه، لكن لا بد من وجود بعض الأغراض التي يمكن أن تنقلها ميار حيثما تتحرك. وكذلك اللغة تتبدل وتتغير وفق متطلبات الأمكنة والشخصيات، كما سنوضح أدناه.

وبما أنّ للمكان دورا هاما في حياة الإنسان فإنّ ميار تأخذ من يافا ومن برلين ومن حضارتيهما وتراثهما. ولما كانت يافا هي الأصل فقد عادت ميار إليها ولكنْ أكثر قوة، وأكثر نضجا. عادت لتحتضن يافا مدججة بفكر وثقافة ورؤية مستقبلية عميقة تؤهلها لمتابعة المصير أكثر ثباتا.

 

/لغة أم لغات

اللغة في العمل الأدبي، وفي الرواية تحديدا، ليست مجرد وسيلة تعبيرية، وليست مجرد أداة توصيل. وهي هوية اجتماعية تحمل مواصفات الناطق بها، تتبدّل وتتغيّر وتتلوّن وفق الحالة النفسية للشخصية، والموقف الذي تواجهه. وهي، في العمل الأدبي، انتقاء لمفردات لها معناها الحرفي في المعجم يتصيّدها المؤلِّف من بحر اللغة ويصوغها بصورة تلائم موقعها الجديد في النص. واللغة منجَم من ذهب، لكن ينقصها السبك والصياغة حتى تقع بين يدي المبدع الذي يصهرها ويسبكها حسب متطلبات الموقف كي تتمكن من مخاطبة المتلقي فتغريه لمتابعة القراءة واكتشاف كنوز النص ومعانيه.

إننا نرى أنّ دعاء زعبي خطيب قد تمكنت من توظيف لغة شاعرية غنية ساهمت بشكل فاعل في ترسيم خطوط الخطاب الروائي في مجمل مركباته، وذلك على صعيد السرد والوصف والتشخيص. ولنا على ذلك أمثلة عدة، ففي رسالة ميار إلى سارة خشونة وتحدٍّ ينمّان عن شخصية قوية تحمل همّا وألما في النفس عميقين، وفي لهجتها عنفوان شابة مقاتلة وعنيدة: "أراكِ الآن تحدّقين في السطور، تلتهمين حروفها النارية بنهم مسعور دون أن تفكري حتى في هضمها وكأنّ الأمر لا يعنيك أو يشغل لك ذرة بال. نصيحتي لك أيتها السيدة أن تأخذي نفسا عميقا ولا تتعجلي بلعها. فحروفي ستكون حارقة هذه المرة وأنا لا أريدك أن تصابي بقرحة تأتي على كامل الجدران في معدتك". (ص7)

هذه اللغة لا تحمل كلمات غريبة عن معاجم اللغة، لكن ما يهمنا هو عملية جمع هذه المفردات في هذا الموقف لتخلق دلالات وأبعادا تصور موقفين؛ موقفَ الأنا (الشخصية المركزية في هجومها) وشخصيةَ الآخر، الخصمَ المخاطبَ (شخصية سارة). الأولى تهاجم بحرقة وتحدٍّ والثانية تستقبل سياط الكلمات كما تتخيّلها ميار، التي لم تعد بعدُ تحت رحمة خصمها. وهنا يأتي دور المتلقي الذي يتخيّل ميار في استشاطتها واندفاعاتها الشبابية، وسارة الخصم في تلقف هذه الضربات الكلامية. إنّ القارئ ليرى مدى أهميةِ استعمال ضمير المتكلم هنا بالذات، وهو الضمير الذي يجعل المتلقي يشعر أنّ الصبية تعبّر عن خلجات قلبها وعن مشاعرها بصدق، وأنّه بإزاء مواجهة حادة تنال فيها الأنا من الآخر في لعبة تشبه لعبة القط والفأر؛ تهاجم ميار سارة فنكلشتاين، تقذفها مرة من جهة اليمين وأخرى من جهة اليسار، تنتظر قليلا لتشاهد رد الفعل ثم تعود من جديد لتصوّب لكماتها فيتكرر المشهد عدة مرات حتى تنال منها، في عملية انتقام واسترداد للحق. (يتبع)

 

صورة طبق الأصل عن شكل مفاتيح البيوت الفلسطينية التي ما زال أهلها يحتفظون بها

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين