أما اللغة الأخرى فهي لغة ميار الرومانسية، التي حرّكها البحر وأثار مشاعرَها وهي تتذكر يافا، ويافا هي عروس البحر، وهي الوطن المكلوم، وهي الأهل والذكريات. يافا بلدُ الأحلام، وبلدُ العاشق والمعشوق، هناك نديم وذكرياتُ شابّةٍ مغرمة، فانسابت اللغة حالمة، سلسة، حروفها موسيقية يُسمع خرير مائها الرقراق يتجلّى في زيّ فلسطيني أثير على قلب الروائية، كما هو أثيرٌ على قلب ميار: "لم أنس يوما حلو لقائنا الأول. فتراني أحلم بك عائدا من خلف مصادفة جمعتني بك على شاطئ يافا. مصادفة شتّتتها أمواج الغربة وابتلعتها رمال السفر بسراب أصفرها. وكأنّي أراك الآن قادما من بعيد. من عمق ذاكرة البرد والمطر وشتاءٍ راحل وآخر أدركني من جديد. تغرق في معطفك الصوفيّ الطويل وشالك الحريريّ الأحمر، تلوّح لي بزجاجة عطر حملتها لي يداك، وابتسامة حضنتها شفتاك، وفي فمك صفير مراوغ لعاشق يعرف كيف يمتلك خزانات الذاكرة ويحتل مساحاتها بأبدية حضوره. ها هي الفصول جميعها تتقلب في عينيك، نارا وجمرا ورماد ليل. أراها الآن بقلبي، أسمعها بنبضي، تثور، تمور، تحتضر، لتزهر من جديد نرجسا وفلا أبيض وآبار حب. فمن خلف ربيع فاضت ضفافه وردا وأقحوانا وأسرارا خضراء، ومن صيف بنينا قصورا على رمل شطآنه المزروعة بالنوارس البيضاء والقواقع التي تكسّرت جنباتها استعدادا للرحيل، ومن مواسم الخريف المترعة بالطل والورق الأصفر، ألمح طيفك يناديني". (الرواية، ص131)
كل حرف في هذه الرسالة ينبض حبا وعشقا واشتياقا لحبيب ووطن وأهل، فقد استجابت اللغة لتحمل صورة فتاة تفتح قلبها بعد أن سدّت أبوابَه، فانفجر بركانَ عواطفَ تحرّكه الغربة ويشعله الحنين، فإن كنّا قد تعرفنا على الجانب "الخشن" المتحدي من شخصية ميار فإنّ هذه الرسالة تبيّن الجانب الآخر من شخصيتها. ولكنّها، في الحالتين، تنمّ عن ألم وأمل، وجع وفرح، وفرج بعد شدة. تتوالى الأفعال والمفردات والتعابير من عالم صبية عاشقة محبة: "يداك... ابتسامة حضنتها شفتاك... نارا وجمرا ورماد ليل... أراها الآن بقلبي، أسمعها بنبضي، تثور، تمور". وينهال الورد وتتبدل الفصول.
لا تحتمل هذه المقالة الحديث عن الوصف ودوره الهام في هذه الرواية، لكنّنا نرى أنّ هذا الوصف لا يوقف حركة السرد لأنه استشراف لما سيحدث قريبا، وإشارة إلى فرج بعد شدة، وتعبير عن إنسان محبّ للحياة؛ هي ميار التي تؤكّد أنها ما زالت تحمل روح الأنوثة، وعبق الماضي وذكرياته الأثيرة على القلب.
هاتان رسالتان من امرأة واحدة، في حالتين مختلفتين ووضعيتين مغايرتين، تحملان صورة فتاة فلسطينية عنيدة، قويّة، متحدية وطموحة، وفي نفس الآن رومانسية، عاشقة تحلم بحياة تجتمع فيه مع حبيب يبنيان بيتا تتبدّل فيه كل جماليات الفصول.
تستجيب اللغة للموقف وللحالة النفسية، ما يذكرنا بدراسات ميخائيل باختين في هذا المجال وهو الذي تحدث عن تعدّد اللغات وفق الموقف والمكان والزمان، لأنّ الإنسان ليس ذاته في كل الحالات وعلى الروائي أن يتنبه إلى ذلك.
وهناك لغات أخرى في السرد وفي الوصف بشكل خاص، وللوصف أكثر من دور، وهو في بعض حالاته يدخل في العمق، وفي بعضه وصف للخارج، ولكنّ اللافت أنّ الوصف حين يرد على لسان الراوي فإن ميار موجودة بين حروفه، وكأنّ الراوي تقمّص روحها، فهو رومانسي حالم حين يصف الحبيب ويافا والأهل، وهو حارق حين يصف ليالي ميار في غربتها، وهو يحمل نكهة يافا أحيانا، ونكهة برلين أحيانا أخرى. وهكذا السرد، أيضا، متلوّن في صوره ومفرداته ودلالاته، فيه صور لعوالم عدة؛ الشرق والغرب، وأبناء الوطن الذين ذاقوا مرارة التهجير ووجع النكسة، وفيه لغة الشباب وهم يكافحون في سبيل بناء مستقبل أفضل، وفيه لغة الشاب المثقف، ولغة العجوز المجرب، والأم الحنون والأب المشتاق. يتلون الوصف الداخلي ويتبدل، كما يتجلّى في ارتفاع منسوب الأمل والألم وانخفاضهما عند الشخصية الرئيسية وشخصيات أخرى.
تحدثنا أعلاه عن فضاءات متعددة، وأشرنا إلى التشابه الكبير بين فضائي يافا والشام، ومع ذلك فلكل مدينة روحها ونكهتها. وقد كان لافتا تلك اللغة التي تأخذ القارئ نحو الشام وأجوائها، كما نرى في النص التالي: "... إلى قمر الدار وهو يداعب بنوره ياسمينة الساحة الخلفية... إلى شكاوى المطر وهو ينقر زجاج النوافذ بمناقيره مالئا بخيراته وبركاته زواريب حي الصالحية وأزقتها، إلى سمفونية بائع شراب الورد وهو يجوب منطقة الميدان ينادي "تعا بورد تعا بورد يا حباب"، لصوت بائع الذرة المسلوقة... وهو يطلق لصوته العنان مناديا "بيضا هلأ استوت"...". (ص70)
رغم التشابه بين الفضاءين إلا أنّ بحر يافا هو الأبرز، وهو الخيط المتين الذي يجمع بين الحبيبين وبين الماضي والحاضر. نترك للقارئ أن يرى إلى يافا وإلى بحرها، وإلى فضائها بكل مركباته، وإلى تجاوب اللغة في تشخيص صورتها.
لقد تعدّدت اللغات وتعدّدت الأصوات، وفق نظرية ميخائيل باختين الذي يرى أنّ شرط نجاح الرواية هو خلق رواية ديالوجية (حوارية)، تتصارع فيها الأصوات وتتعدد فيها اللغات، لا رواية مونولوجية وحيدة الصوت. هذا التعدد يجعل المتلقي يتناسى نبرة الوعظ التي لا تتلاءم مع جمالية اللغة ودرامية الحدث المركزي.
تيار الوعي وتهشيم الزمن
لا يمكن الحديث عن تيار الوعي دون ربطه بتهشيم الزمن، فما يميز هذا الأسلوب السردي هو اعتماده على التركيز في الحالة النفسية للشخصية الروائية، وما يدور في ذهنها، عبر تقنيّات التداعي وانسياب النص وتحرّك الزمن بين الحاضر والماضي دون ترتيب زمنيّ متسلسل، ومن عادة مثل هذه الروايات أن تقوم إحدى الشخصيات الروائية بسرد كلي للأحداث عبر الذكريات والاسترجاع والحلم والمونولوج.
ما كانت الرواية، أيّة رواية، لتفتح نصّها أمام القارئ إلا إذا كان نصا غنيا مؤثّثا بلغة وبتقنيّات فنية تجعله قابلا للمحاورة والانفتاح على دلالات عدة.
إنّ ما قلناه بشأن انعتاق الشاب والشابة العربية في حواضر الغرب ينطبق على مبنى النص، إذ تحرر من قيود السرد التقليدية وسلمت الروائية سردها، عند الضرورة، لتقنيات تيار الوعي يتحرك من الداخل نحو الخارج وبالعكس، عبر المونولوج والحلم، والفلاش باك وإطلاق العنان للأفكار كي تتدفق وتكشف مكنونات النفس. يبرز التداعي عبر التحرك من زمن لآخر ومن مكان لآخر، والتوقف عند محطات هامة في حياة الشخصية المركزية والشخصيات الثانوية. ساعدت هذه التقنيّات على كسر رتابة النص، وانكشاف الشخصيات أمام القارئ، بكل مركباتها النفسية، بطريقة غير مباشرة، وتجلّت للقارئ بصورة سليمة.
يتمزّق الزمن ويتخلخل ويتهشّم وينزاح عن خطه التقليدي، دون أن يفقد القارئ خط سيره في الربط بين الماضي والحاضر. لقد كان لتقنيات التداعي دور بارز في توسيع رقعة فضاء الرواية وفتح الحبكة الرئيسية على حبكات أخرى ثانوية، والتعرّف على شخصيات متعددة لكل منها قصتها وحكايتها تساعد على سد الفجوات التي يخلقها النص، فتعاضدت كلها كي تجعل الرواية أكثر اتساعا وأكثر عمقا، مما ساهم في بروز القضية المركزية للرواية.
لقد ابتدأت أحداث الرواية من الحاضر عبر رسالة موجهة من ميار إلى سارة فنكلشتاين (31-12-2019)، من شأن هذه الرسالة أن تخلق بلبلة لدى القارئ لأنه يتواجه مع رسالة يجهل دواعيها ومسبباتها، وهي تمتد على حوالي أربع صفحات، تتلوها صفحتان تحاول فيهما الروائية عبر الوسيط/ الراوي كشف الحالة النفسية التي رافقت هذه الرسالة دون كشف أي "سر" آخر. يتلو ذلك مباشرة العودة خمس عشرة سنة إلى الوراء في الزمان والمكان، تحت عنوان "في حضن يافا عام 2004...". من شأن هذا الترتيب الزمني أن يفتح أكثر من فجوة وأن يثير أكثر من سؤال أمام القارئ. فمن كان قادرا على تحمل هذه الفجوات والنظر إليها كعنصر مشوق فسيتابع القراءة، أما من لا يحتمل ذلك فسوف يضع الرواية جانبا.
إنّنا نرى أنّ الإشارة إلى التاريخ مفصلا: اليوم والشهر والسنة يخلق حالة من الإيهام بالواقع، وقد يجعل البعض يعتقد أنها سيرة ذاتية، أو سيرة غيريّة. وهنا يأتي دور المتلقي الذي يتابع القراءة ليرى إلى الموضوع الرئيسي والشكل الفني للرواية ومدى نجاح الروائية في جذب القارئ. يحتاج ذلك إلى بعض التأنّي والتروّي، وبعض التجربة في ممارسة القراءة.
قلنا أعلاه إنّ أحداث الرواية، أية رواية، ترتبط بخيط حريري جذاب ومتين وإلا تخلخلت أحداثها وتفكّكت مما يدعو إلى نفور القارئ، لكن الروائية تحسن التخلّص وتُوظِّف أكثر من ضمير وأكثرَ من صوت لتنعش الأحداث وتهزّ مشاعر القارئ عبر قصة درامية لفتاة شامية سورية، تنضاف إلى قصة ميار. تتداخل القصتان وتتقاطعان ويتنقل المتلقي بينهما مما يزيد من عنصر التشويق.
إنّ توظيف هذه التقنيات، بمهارة كاتب مجرب، رغم أنها رواية الكاتبة الأولى، يجعلنا نغض الطرف عن حساب الزمن، أحيانا، كما أن خمس عشرة سنة هي مرحلة مهمة جدا في عمر شابة تبني مستقبلها، لتعود بعدها إلى حبيب ينتظرها. كنا نتمنى على الكاتبة أن تقلص المدة الزمنية، وان تحافظ على خيط مع الحبيب، فمن شأن هذا التواصل أن يقلّص من تأثير عامل الزمن والتعرّف على شخصية نديم وملامحه الخارجية والداخلية بصورة أوسع، لنتفهم أكثر هذا الانتظار الرومانسي العفيف الذي يشبه في بعض ملامحه عشاق الغزل العذري. لكن، كما يبدو، طغت الفكرة المركزية للرواية على فكر الروائية، وعلى "الأنا الثانية"، أثناء عملية الكتابة، وكنا نتمنى تسليط الضوء أكثر على جوانب من حياته أثناء غياب ميار.
تضيع هذه التفاصيل بفضل جماليات اللغة واتساع رقعة الفضاء وتبدُّل الأمكنة والأزمنة، وطرح قضية نعيشها يوميا. فالفكرة المركزية للرواية التي تلحّ على الروائية طرحتْها في رسالتها الأولى لتصبح كلٌّ من ميار وسارة رمزين لشعبين يتواجهان ويتصادمان. فالانطلاق في الرواية من الزمن الحاضر نحو الماضي عبر الاسترجاع يؤكد على أنّ الحاضر أكثر مركزية، إذ باتت ميار في موقع تقدر فيه على المواجهة، مما يؤكد ما قلناه بأنّ الرواية تسعى إلى ترسيخ فكرة النصر لا الهزيمة، وأن الزمن يعمل لصالح ميار الصبية لا لصالح سارة العجوز.
جوبلين فلسطيني وحوار الذات والآخر
لم تمتح رواية "جوبلين بحري" أحداثها من النكبة مباشرة، ولا من النكسة، إنما هي تستمدّ أحداثَها من القضية المركزية؛ قضيةِ الصراع الفلسطيني الصهيوني في بعده اليومي وفي بعده المستقبلي، بعيدا عن التنظير قريبا من الواقع، ولكنْ ضمنَ عملٍ تعتمدُ كلّ عناصره على التخييل.
إنها رواية تتحدّث عن الفلسطيني الذي يعيش في إطار ما يسمى جغرافيا عرب ال48. وعليه نذكّر أنّ تحليل الأحداث في مبناها الفني أمر في غاية الأهمية، بل هو الأهم، لكن دون بتره عن سياقه التاريخي، الاجتماعي، النفسي والجغرافي، إذ لا نستطيع أن ننظر إلى ميار يوسف إلا باعتبارها الصبية الفلسطينية ابنة يافا التي تعيش هنا سنة 2019، في بيئة اجتماعية لها ميزاتها التي تجعلها مختلفة بعض الشيء حتى عن الفلسطيني الذي يعيش في الضفة أو في دول الشتات. وبالتالي فهي قطعة من جوبلين فلسطيني، نسيجه هو التغريبة الفلسطينية عامةً، التي حيكت أحداثها هنا، في أرض الآباء والأجداد، من شوك وطين. قصة طويلة وحكاية فريدة مؤلمة لم تشهد الأمم على وجه البسيطة شبيها لها، حيث يعيش الفلسطينيّ تحت طائلة القهر والتهجير والمعاناة والتمييز. لكنّ رواية "جوبلين بحري"، رغم انبثاقها من هذا الواقع الشوكيّ، تظلّ رواية الأمل الفلسطيني رغم الألم، ورواية الفلسطيني المدجج بالعلم والمعرفة والفكر النيّر.
إنني لأرى أنّ مجمل الإبداع الأدبي الفلسطيني هو شجرة معمرة تغور جذورها في الأرض وتعلو فروعها مع الزمن، وكل رواية هي فرع جديد. إذن "جوبلين بحري" جزء من الجوبلين الفلسطيني الروائي الذي ساهم في نسجه مجموعة كبيرة من الروائيين وكتاب القصة القصيرة، مثل جبرا إبراهيم جبرا، غسان كنفاني، إميل حبيبي، إبراهيم نصرالله، إلياس خوري، يحيى يخلف، محمود شقير، محمد علي طه، محمد نفاع، سحر خليفة، توفيق فياض ومجموعة من جيل الشباب، من الكاتبات والكتاب الذين يتابعون طريق الإبداع الروائي، وهم يخطّون لهم أسلوبا متميّزا ومغايرا عن أسلوب من سبقهم.
يرى المتابع للإبداع الروائي الفلسطيني أنّ هناك نسيجا فكريا يجمع مجمل هذا الإبداع الروائي، بحيث يستطيع أن يرى إلى المواضيع التي شغلت الروائي الفلسطيني منذ البدايات وحتى اليوم، ليجد أنّها رافقت هموم الفلسطيني حيثما تواجد. كما يستطيع أن يشير إلى ملامح تطورها الفني، وأن يلاحظ انّ هناك مجموعة من الروايات الصادرة حديثا، ومنها "جوبلين بحري"، تضيف بعدا جديدا وخروجا عما كان مألوفا.
اعتدنا على روايات فلسطينية تعالج التهجير والتنكيل ومصادرة الأراضي وهدم البيوت، وهي مواضيع هامة جدا لن تغيب عن فكر الفلسطيني سواء في الواقع أم في الخيال. وهناك الصراع من أجل تثبيت الهوية الفكرية ومحاورة الآخر حوارا عميقا ثقافيا ينم عن إيمان بصدق القضية ومصداقيتها. وما نقلُ الصراع إلى الجامعة والعالم الأكاديمي إلا نقلة نوعية تثبت أنّ ذاك الفلسطينيَّ الذي عاش ما قبل النكبة وبعدها وفقدَ أرضه وبيته، لم يعد هو ذاته، لأنّه اليوم مدجج بفكر ورؤية وفلسفة، يقف بفضلها ندا لرؤية الآخر في تفسيره للتاريخ وللواقع، وبات اليوم قادرا على التصدي وكبح جماح استعلائه.
تكشف أحداث الرواية عن نسيج متين يجمع بين الماضي والحاضر، عبر العلاقة بين ميار وبعض كبار السن، فهل كانت الروائية على علم بأهمية الجمع بين القديم والحديث؟ وهل كانت تؤمن بالمقولة الشعبية "اللي ماله كبير ما إله تدبير"؟ واللي ما له كبير يشتري له كبير"؟
بعد قراءة اللقاء بين ميار وأبو شاهين العجوز المحب والمجرّب، في آن معا، يتبيّن لنا أنّه لقاء مخطّط له، في بعده الفكري، فميار تنتمي إلى جيل الشباب الذي يبحث عن المستقبل في ظل هزائم عربية متكررة، جيل يعيش تبعات النكبة والنكسة رغم أنه لم يشهد تلك الأيام. يمثل العجوز الجيل الذي عانى الأمرّين، وقد جرّب التشرد والهجران وفراق الأحباب حتى بات صاحب رؤية تعتمد على تجارب جعلته أكثر حرصا، وأكثر حذرا. إنّ هذا الربط لهو في غاية الأهمية حيث يبيّن حرص أبناء الجيل السابق على أبناء الجيل اللاحق، وتحذيرهم من مغبة الوقوع فيما وقعوا هم فيه، ولربما كان هذا هو السبب في اعتماد "أبو شاهين" أسلوب الوعظ والتحذير المتكرّر.
يرفض هذا الجيل أن تتكرر الهزائم في عصر الأبناء والأحفاد. كذلك لم تتماد ميار في لوم الجيل السابق واتهامه بالجهل والتنازل والانهزام، فكانت هناك حالة تفاهم ومصالحة لم يبرزها الحوار بقدر ما يحسها القارئ. فمن لا ماضيَ له لا مستقبل له، والزمن ليس عاملا وهميا إنما هو عنصر فاعل في حياة الإنسان، والفلسطيني اليوم ليس مبتورا عن ماضي من سبقوه بل هو امتداد لهم وهو مستقبلهم الذي لم يعيشوه بعد.
إنّ الكاتب لا يكون ذاته أثناء الكتابة بل هو أكثر من ذات واحدة، لأنه يقوم بعملية التحليق والخلق والتخييل، وعليه يجب ألا ننظر إلى شخصياته على أنّها نسخة من الواقع الذي يعيشه الكاتب المبدع، وإلا ما دور التخييل؟!
رواية "جوبلين بحري" رواية الفلسطيني الباقي هنا، الذي يصارع من أجل تثبيت وجوده وتأصيل هويته، وما هي إلا قطعة أخرى من نسيج روائي فلسطيني ما زال الروائيون والفنانون والشعراء والنقاد والدارسون يخيطونه وينسجونه كخط دفاع خلفي في معركة الهوية والوجود.
خلاصة
تعالج رواية "جوبلين بحري" قضية وجود العرب الفلسطينيين الذين بقوا هنا يصارعون من أجل الحفاظ على كرامتهم ومستقبلهم وحقهم في بناء حياة حرة كريمة. رواية جديدة تحركها أيديولوجيا ثابتة تسعى إلى المواجهة مع الآخر وتفنيد ادعاءاته وعقيدته التي يسعى إلى نشرها وترسيخها.
لقد اختارت الروائية أن تقوم بهذه المواجهة فتاةٌ طموحة عنيدة غلّبت العقل على العاطفة، واختارت الطريق الأصعب، رغم أنها وحيدة والديها، ورغم أنها فتاة عربية، ورغم أنّ لها عاشقا تهيم به، كما تهيم بيافا الوطن. ولأنها تحمل كل هذه المواصفات فقد ربحت العقل وربحت العاطفة؛ نالت شهادة الدكتوراه، شاركت في مؤتمر دولي متحدية "كابتن طيار"، عادت إلى يافا- الوطن، وإلى الأهل وإلى العاشق بعد خمس عشرة سنةً، تسير معه عند الشاطئ الذي "يتكسر موجه فوق رمل الحكاية القديمة، حاملا معه حكاية جديدة لعينين دمشقيتين احتشدت فيهما كل مآذن الشام وحمائمُ الشام ووردُها البلدي، ولوحةُ جوبلين نسجتها أمها لعاشقين قديمين جمعهما الموج والبحر وشروق الشمس". (نهاية الرواية)
يدور الصراع في هذه الرواية في ظل زمكانية لها ميزاتها التي تحكمت فيها ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية وتاريخية، كان لها انعكاسها على شكل الرواية وموضوعها، مما استدعى توظيف تقنيّات حداثية تتلاءم مع طرح موضوع يعيشه العربي هنا يوميا.
إنّ حقل المواجهة مع الآخر يدور هذه المرة في الجامعة، وهو ليس مجرد مواجهة بين شخصين، بل هو لقاء بين فكرين واعيين. لكن أن تكون ميار العربية هي الصبية، وسارة فنكلشتاين اليهودية هي العجوز، قد يقودنا إلى دلالات أخرى تجعل من ميار رمزا للمستقبل وسارة رمزا للماضي؛ إلى ما كان يوما وما سيكون عليه الأمر مستقبلا.
لقد صارع العربي الفلسطيني الباقي هنا فوق تراب وطنه، بعد نكبة 1948 من أجل الوجود الجسدي، والبقاء على قيد الحياة، وتوفير لقمة العيش للأبناء، بعد تهجير الجزء الأكبر من سكان هذه البلاد. وهو صراع الضعيف المهزوم مع القويّ المنتصر، المظلوم مع الظالم، المحتلِّ المغتصَبِ حقُّه مع المحتلِّ الغاصبِ. وهو في "جوبلين بحري" صراع من أجل الوجود الحقيقي، لا الوجود الجسدي فحسب؛ أن تكون أو لا تكون، وذلك من خلال الاتكاء على رصيد واسع من المعارف والثقافة تتصدى به لرواية الآخر.
وبما أننا إزاء رواية جديدة لروائية جديدة فجدير أن نقول بأنها فاجأت القارئ من خلال عدة نواح، لعل أبرزها اللغة الشاعرية الغنية، التي سُبكت وفق جماليات اللغة العربية السليمة، وقد انعكس غنى اللغة في القدرة على تشخيص الأمكنة المتعددة بكل مركباتها. وكان لافتا اعتماد تقنيّات فنية جديدة ساهمت في بناء الرواية بناء فنيا جذابا عملت على تشويق القارئ عبر فراغات كان على المتلقي أن يملأها وفق تجربته الخاصة.
"جوبلين بحري" واحدة من الروايات التي ترفض فكرة الإنسان المهزوم، وتسعى إلى بناء صورة مغايرة للفلسطيني الباقي هنا. رواية يصوغها الألم والأمل منذ الصفحة الأولى وحتى الصفحة الأخيرة.



.png)

.png)






.png)
